صبري العسلي.. خاض في دهاليز السياسة وتوفي أعزب

تاريخ النشر: 09.06.2021 | 19:11 دمشق

إسطنبول - فاطمة ياسين

يبرز اسم عائلة العسلي في قائمة ضحايا الحاكم العثماني جمال باشا عام 1916، فيرد اسم شكري العسلي الذي أُعدم بتهمة الخيانة رغم أنه كان عضوا في مجلس المبعوثان العثماني. شكري العسلي هو عم صبري العسلي الذي نفرد له هذا المقال. ولد صبري العسلي في بداية القرن العشرين عام 1903، وتخرج من معهد الحقوق في دمشق، نشط وطنيا وبشكل مبكر فالتحق بالثورة السورية الكبرى وتعاون مع تشكيلاتها بنقل المؤن والسلاح، وبعد القضاء على الثورة، حُكم عليه بالإعدام مع مجموعة من الوطنيين، ولم ينفذ الحكم بأي منهم بل استُبدِل بالنفي، ثم وجد العسلي طريقاً له إلى السعودية، وجعلته مواهبه الحقوقية يعمل مستشاراً للملك عبد العزيز آل سعود حتى صدور عفو فرنسي عن بعض الوطنيين في العام 1928 فعاد إلى سوريا.

كانت بداية العسلي الحقيقية في عالم السياسة، عندما ساهم في إنشاء ما عرف بعصبة العمل القومي، التي أسسها طبيب شاب متحمس يدعى عبد الرزاق الدندشي، وكان هدف العصبة تحقيق الوحدة العربية، ولكن قبل ذلك كان لا بد من التوجه نحو العراق، وبدت في هذه المرحلة ميول العسلي نحو العراق بشكل واضح، واستطاع الوصول إلى منصب أمين سر العصبة. كانت العصبة تحظى برعاية الملك فيصل شخصيا فانتشر بين أعضائها لبس غطاء رأس خاص سمي فيصلية، ولسوء الحظ توفي مؤسس العصبة بطريقة مأساوية فقد كان يحاول رمي سيجارته من قطار متحرك فارتطم رأسه بعمود الكهرباء، ومات فورا، فانسحب العسلي، أمين السر، من العصبة لينضم إلى شكري القوتلي، ليتحول لاحقا إلى ما يشبه الظل له.

 

منذ بداية العهد الوطني في العام 1943 تنقل صبري العسلي في وزارات عديدة دون أن يرأس أياً منها، فاحتل منصب وزير الداخلية والمعارف والعدل، وكان في منصب وزير الداخلية عندما قصفت القوات الفرنسية دمشق، فدعا إلى انشقاق الدرك والجيش والالتحاق بالقوى الوطنية، ولكنه في الحكومة التالية نقل من الداخلية إلى وزارة العدل. في عهد الاستقلال، بعد خروج القوات الفرنسية من دمشق، تفرغ العسلي إلى تحويل الكتلة الوطنية إلى الحزب الوطني بمشاركة سعد الله الجابري الذي احتل منصب رئاسة الحزب وترك منصب الأمين العام لصبري العسلي. أهداف الحزب كانت المحافظة على الاستقلال والوقوف في وجه مشروع الملك عبد الله بن الحسين المعروف باسم سوريا الكبرى.

بعد حرب فلسطين فقد الحزب الوطني جاذبيته وكثيرا من الشعبية التي تمتع بها، ولكنه ظل في الحكومة، ومن مكانه في وزارة الداخلية تصدى للمظاهرات واستعان بالدرك والجيش، واعتقَل بعض زعماء المظاهرات وأودعهم سجن تدمر، هذه الفوضى استغلها حسني الزعيم، قائد الجيش، ليمارس سلطه مطلقة على الشوارع ويقوم ببروفا للحكم، بعد أن تم تعيينه حاكما عسكريا، فتمكن من إخماد المظاهرات، ولكن الغضب الجماهيري قاد إلى عزل الحكومة والبحث عن أخرى، جاءت برئاسة المستقل خالد العظم، ودخلها اثنان فقط من الحزب الوطني لم يكن صبري العسلي بينهما.

انتهت المرحلة السياسية الأولى من عمر صبري العسلي ولم يتجاوز منصب الوزير، رغم أنه كان وزيرا في أكثر الوزارات، باعتباره أحد أقطاب الحزب الوطني، ومن مناصري شكري القوتلي، لكن فترة الانقلابات العسكرية الأولى وجهت ضربةً لكلا الرجلين، وللعهد الوطني كله، فخرج العسلي من حسابات السياسة السورية حتى سقوط أديب الشيشكلي بشكل نهائي، حيث أُعيد الرئيس هاشم الأتاسي مرة أخرى إلى سدة الرئاسة، وجرى البحث عن رجل يمكن أن يمثل المرحلة، فوقع الاختيار على رجل الحزب الوطني صبري العسلي، ويمكن أن يعتبر اختياره مقدمة لعودة شكري القوتلي!. ترأس العسلي لأول مرة في حياته حكومة وحدة وطنية ضمن وطنيين وشعبيين لكنه أظهر ميولا أميركية فتم الاستغناء عنه بعد أن قضى في رئاسة الحكومة أربعة أشهر فقط، عاد خلالها شكري القوتلي إلى سوريا بعد الغربة الإجبارية التي فرضت عليه من قِبل الجيش.

 

 

عاد صبري العسلي بعد مدة قصيرة إلى رئاسة الحكومة بعد أن أعلن تبرؤه من الغرب، وأوضح موقفه في حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، فاتهم صراحة الغرب بالجريمة التي نفذت بيد الحزب القومي السوري، وحَظَرَ نشاطات الحزب واعتقل قادته.. أشرف صبري العسلي في هذه الوزارة على انتخابات نيابية قادت شكري القوتلي للعودة مجددا إلى سدة الرئاسة، فاستقال العسلي من رئاسة الحكومة بحسب الدستور، ولم يمض وقتٌ طويلٌ حتى استدعاه شكري القوتلي ليرأس الحكومة مجدداً، ضمن خلطة تقليدية ويسارية من الوطنيين والشعبيين والبعثيين، وأربعة آخرين، اثنان من الكتلة الديمقراطية واثنان من الكتلة الدستورية، عكست هذه الحكومة تأثير الجيش الذي استطاع أن يوصل مرشحين معينين إلى الوزارة ويحجبها عن آخرين أقوياء.

كانت الأحوال قد تغيرت بالفعل، وأخذ اسم عبد الناصر يملأ المكان، مع تسابق تيارات يسارية للصعود والظهور في الصف الأول، وهذا مناخ لا يشجع حكومة تقليدية.. قام العراق بآخر محاولة لأخذ المبادرة وتنظيم انقلاب لصالحه يطيح بالعسلي والرموز العسكرية التي تقاربت مع عبد الناصر، ولكن المحاولة فشلت وأدت إلى اعتقال بعض الأسماء المعروفة كميخائيل اليان وعدنان الأتاسي ومنير العجلاني، وهي أسماء قريبة من تيار حزب الشعب، فأعاد صبري العسلي تشكيل آخر حكوماته وأطولها عمرا دون أي من أعضاء حزب الشعب، كانت هذه الحكومة أسيرة بشكل كبير للجيش الذي كان يؤيد تقاربا مع الاتحاد السوفييتي وقد تم بالفعل مثل هذا التقارب بموافقة كل من خالد العظم وصبري العسلي.

انتهى عهد حكومة صبري العسلي الأخيرة بالوحدة مع مصر، فقد وقع شكري القوتلي في آخر المطاف بروتوكول الوحدة، وتخلى عن كرسيه طوعا لصالح عبد الناصر بينما حظي صبري العسلي بوظيفة شبه تقاعدية هي نائب الرئيس، وما لبث أن طرد من هذا المنصب بعد الانقلاب على الملكية في العراق وظهور اسمه في قوائم من تلقوا أموالا من العراق الملكي مقابل العمل لصالحه، كما ظهر انحيازه الحقيقي للغرب في فترة من فترات وجوده في المشهد، ورحب العسلي بالانقلاب على عبد الناصر فحذا حذو جميع الوطنيين السابقين الذين أبدوا سخطا على فترة حكم عبد الناصر لسوريا بإصدار بيان يوضح موقفه، فاز العسلي في الانتخابات البرلمانية بعد الانفصال، ولكن دوره السياسي كان قد انتهى تماما وجاء انقلاب آذار بالبعثيين ليحرموه من حقوقه ومن كل شيء تقريبا، فبقي حيّاً حتى العام 1976 حيث توفي وحيدا وقد قضى حياته كلها دون زواج.