محمد فردوس أتاسي.. صاحب إرث عائلي ومحكوم بالأيديولوجيا

تاريخ النشر: 06.06.2021 | 23:14 دمشق

إسطنبول - فاطمة ياسين

يمثل المخرج محمد فردوس أتاسي طبقة خاصة من المثقفين التي أنجزت معظم أعمالها في الفترة المسماة الحرب الباردة كان قطبا العالم آنذاك يتجاذبان الدول يمينا وشمالا، ووجد بعض الضباط صغار السن الذين حكموا في المنطقة العربية مصلحةً لهم مع الاتحاد السوفييتي، فحاولوا صبغ المجتمع بالأيديولوجيا الشيوعية، وقاموا بإرسال المتخرجين الجدد إلى دول الكتلة الشرقية. كان التعليم هناك أوتوماتيكيا وسريعاً، فسرعان ما ذهبوا وسرعان ما عادوا، أطباء ومهندسين وفنانين وكذلك مخرجين، ولكن هناك من تجاوز المكان الذي درس فيه فاجتهد وأضاف من موهبته وحقق فارقا مميزا. ضمن هذه الموجات ذهب فردوس أتاسي إلى براغ لدراسة الهندسة، ولكنه بدلا من ذلك التحق بأكاديمية الفنون وتخرج فيها بدرجة مخرج في عام 1970، وهناك التقى برياض نعسان آغا الإعلامي المعروف واشتركا في العديد من الأعمال التي أخرجها أتاسي وكتبها الآغا، وعاد بتلك الشهادة إلى سوريا ليعمل بها.

ينتمي فردوس أتاسي إلى عائلة كان لها حضور معروف، وتحمل إرثا سياسيا وعسكريا عميقاً في ثنايا التاريخ السوري، ولد عام 1942 في حمص وأخرج أول عمل مسرحي له في مهرجان دمشق المسرحي عام 1971 بعنوان: الغرباء لا يشربون القهوة، للكاتب المصري محمود دياب وهي مسرحية تنطوي على دروس في الطيبة الساذجة بمعناها البسيط والمباشر، وهي لغة مسرحية كانت مطروحة في ذلك الزمان وتناسب مخرجا طازجا قدم للتو من براغ. بعد إخراجه هذه المسرحية التحق فردوس أتاسي بالتلفزيون ليعمل موظفا بصفة مخرج تلفزيوني، وهناك انتظر حتى عام 1974 ليحقق أول عمل إخراجي له بتمثيلية مأخوذة من قصة لصدقي إسماعيل بعنوان بعد السهرة، انتظر بعدها عامين ليخرج أول مسلسل تلفزيوني كتبه على عقلة عرسان بعنوان البيادر، وكان مسلسلا يتكلم بلهجة إيديولوجية على لسان الفلاحين وحاصدي القمح بما يناسب البرنامج التثقيفي الذي تعده المكاتب الحزبية لجماهير التلفزيون الذي كان حتى تلك اللحظة يعد اختراعا عجيبا وعلى المواطن أن ينتظر حتى الساعة السادسة ليستمتع ببدء برامجه.

عملُ فردوس أتاسي لم يتوقف منذ تلك اللحظة فقد دأب على إخراج مسلسل في كل سنة تقريبا لصالح دائرة الإنتاج في التلفزيون الرسمي

عملُ فردوس أتاسي لم يتوقف منذ تلك اللحظة فقد دأب على إخراج مسلسل في كل سنة تقريبا لصالح دائرة الإنتاج في التلفزيون الرسمي، وكانت المسلسلات تذاع وفق خطة برامجية وتثقيفية غير معلنة، لتساير وجهة النظر السياسية والدعائية للسلطة الحاكمة، لذلك كانت الأدوات المتوفرة محدودة وزاوية التناول شديدة الضيق، وهي ظروف مشابهة لما تلقاه الأتاسي خلال دراسته في براغ.. أخرج في الفترة الممتدة من منتصف السبعينيات وحتى نقطة انعطاف الدراما في التسعين مسلسلات: أحلام منتصف الليل 77، الدروب الضيقة 80، امرأة لا تعرف اليأس 87، الطبيبة 88، نهاية اللعبة 89.. كانت جميع هذه المسلسلات تتحدث عن قيم عليا وضرورة تبنيها مع التركيز على إمكانية انتصارها، والاحتفاظ بنهايات سعيدة ما أمكن. عمل لفترة طويلة في التلفزيون ووصل إلى منصب رئيس دائرة المخرجين ومارس بيروقراطية وظيفية نموذجية، وقد اتهمته الفنانة ليلى عوض بأنه حرمها من فرصة إخراج سهرة تلفزيونية خاصة بها بحجة أنها ممثلة فقط.

في التسعينيات ازداد نشاط المخرج الأتاسي وانطلق ليعمل مع جهات إنتاجية مختلفة عن التلفزيون السوري وقد صقلت خبرته وأصبح أكثر قدرة على التعبير والانطلاق فشهدت تلك الفترة غزارة ترافقت مع حالة المد الدرامي السوري التي استفاد منها وحقق مسلسلات مغايرة قليلا للنموذج الذي تعود العمل عليه مع الجهات الحكومية، فأخرج: نهاية اللعبة 90، العروس 92، البديل 92، السوار 95، المحكوم 96، مذكرات عائلة 98، ياقوت الحموي 98، ثلوج الصيف 99. وكان العقد التالي في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين مشابها تقريبا للعقد الذي سبقه مع تطور في تقنيات التصوير وإمكانيات الكاميرا التي أضيفت إلى تراكم الخبرات الإخراجية عند الأتاسي فاستمر في العمل، وإن بغزارة أقل، وتنوع هنا بين العصري والتاريخي والبيئة الحلبية ومسلسلات السيرة الذاتية، حيث وجد حرية أكبر عبر بها عن نفسه فأخرج: الغريب 2000، تمر حنة 2001، ظرفاء ولكن 2003، الوردة الأخيرة، وهو مسلسل بيئة حلبية كتبه خالد خليفة 2005، الملاك الثائر (جبران خليل جبران) 2006 ابن قزمان 2008.

طبعت الحرب في سوريا العقد الثاني من القرن الجديد بطابعها فتراجع الإنتاج وانصبغت الدراما بلون الحدث وهنا أخرج الأتاسي عام 2013 مسلسل وطن حاف، بمشاركة إخراجية من مهند قطيش، والمسلسل عبارة عن حلقات منفصلة استلهمت من وقائع الحياة اليومية، ولاذت الحلقات بوجهة نظر السلطة، مع محاولات قليلة للتهرب بالمقدار الذي تسمح به الرقابة، أما مستوى الدراما في المسلسل فأتى متواضعا.

فردوس أتاسي الذي درس وعاش وأخرج كل مسلسلاته بشكل مواز لسلطة يعمل موظفا في أحد مؤسساتها، لم يكن لديه القدرة الكافية ليَخرج من تأثير قوة جذبها، ولا بد أن ذلك حصل لظروف لا يعرفها إلا هو، عاش الرجل حتى قارب الثمانين وككثيرين في عمره لم يقدر على تجاوز فيروس كورونا.

 

واشنطن تدين مقتل المدنيين في إدلب وتجدد دعمها لمحاسبة نظام الأسد
قلق أممي بالغ إزاء التصعيد العسكري شمال غربي سوريا
الردع في إدلب: استراتيجية غائبة وبدائل متاحة
دراسة: زيادة الفترة الفاصلة بين جرعتي لقاح فايزر يعزز مستويات الأجسام المضادة
صندوق النقد الدولي: اقتصاد العالم يخسر 15 تريليون دولار بضغط كورونا
منظمة أممية: النساء هن الأكثر تضرراً من كورونا في سوق العمل