الدراما السورية 2020.. زمن واحد لا يكفي

تاريخ النشر: 13.12.2020 | 05:52 دمشق

بيروت - عمر بقبوق

سنة 2020، التي تم تصنيفها كأسوأ سنة عاشها البشر على الإطلاق، بحسب مجلة "تايم" الأميركية، والتي تعطلت فيها عجلة الإنتاج الفني على فترات متقطعة، عربياً وعالمياً، بتأثير جائحة كورونا، كما تعطلّت معظم القطاعات الإنتاجية الأخرى؛ لم يكن لها أثر سلبي كبير على إنتاج الدراما السورية، على الأقل من الناحية الكمية، إذ تم فيها إنتاج وعرض 27 مسلسلا ما بين الأعمال السورية المنتجة بالداخل والأعمال العربية المشتركة التي تعتمد على النجوم والكوادر السورية؛ وهو أعلى رقم حققته الدراما السورية في الأعوام الخمسة الأخيرة.

الأمر الذي ساهم بارتفاع معدل إنتاج المسلسلات السورية يرتبط بشكل رئيسي بدخول هذه الدراما في سوق منصات الترفيه الرقمية، الذي حررها نسبياً من الفكر الذي سيطر عليها بالعقود الثلاث الماضية، أي بفترة هيمنة الديجيتال؛ فطيلة تلك الفترة، كانت المسلسلات السورية عبارة عن منتجات ترفيهية يتم إعدادها للعرض والمنافسة في سوق رمضان الفني؛ بينما لم يُعرض في شهر رمضان الأخير سوى 12 مسلسلا سوريا من أصل 27.  وقد أثّر هذا التحول بسوق العرض على بنية المسلسلات السورية بشكل واضح، إذ إن اقتران الدراما السورية بسوق رمضان جعلها تتبع بنية واحدة، يتم فيها تقسيم الحكاية على ثلاثين حلقة أو ما يقاربها، لتتطابق مع عدد أيام شهر رمضان، وترافق الجمهور على مداره. هذه السنة تحررت الدراما السورية من هذه القيود، ولم يلتزم بهذه البنية سوى 15 مسلسلا من أصل 27. وقد نجم عن ذلك تفاوت كبير بعدد حلقات المسلسلات السورية هذه السنة، ليكون أقصرها "عهد الدم" المكون من عشرة حلقات فقط، وأطولها "السر" المكون من ستون حلقة.   

  • البيئة الشامية:

دراما البيئة الشامية كانت خلال السنوات الماضية الملاذ الآمن للفنانين السوريين الذين فضلوا الوقوف على الحياد ولم يتبنوا موقفاً واضحاً إزاء ما يحدث في سوريا. بالمقابل، ازدادت حدة الانتقادات الموجهة لدراما البيئة الشامية في الأعوام الأخيرة، خصوصاً بعد مهزلة انقسام فريق عمل مسلسل "باب الحارة" إبان تقديم الجزء العاشر منه، ما بين الشركة المنتجة "قبنض" ومخرج العمل بسام الملّا. إلا أن الانتقادات التي تم توجيهها لهذا الجنر من المسلسلات السورية لم تكن فنية بمعظمها، بل كانت أشبه باتهامات لصناعها لكونهم يشوهون تاريخ مدينة دمشق من خلال الحكايات الفنتازية والأجواء النمطية التي يقومون برسمها وتنميط العاصمة السورية فيها بالنصف الأول من القرن العشرين؛ علماً أن هذه المسلسلات لم يتم تقديمها يوماً على أنها مسلسلات تاريخية تهدف لتوثيق مرحلة من تاريخ دمشق! والأمر الأغرب أن هذه التهمة لم يتم توجيهها إلى المسلسلات السورية الاجتماعية التي تشوه تاريخ سوريا في زمن الثورة، وحتى في حكم البعث.

في سنة 2020، يمكن التماس أثر تلك الانتقادات المكررة على صناعة الدراما السورية، فتضاءل عدد مسلسلات البيئة الشامية بشكل ملحوظ، وكلٌ منها حاول أن يلتمس لنفسه الأعذار والحجج التي دفعته للعودة إلى حقبة الانتداب الفرنسي، التي استهلكتها الدراما السورية؛ فبدأ صنّاع الدراما يطلقون مسميات جديدة على الأعمال التي تنتمي إلى ذات الجنر، فاستخدم فريق مسلسل "بروكار" مصطلح "المسلسل الدمشقي" كبديل عن دراما البيئة الشامية.

أياً كانت التسميات المناسبة، فإن عدد مسلسلات البيئة الشامية المنتجة سنة 2020 اقتصر على اثنين فقط، هما: "بروكار" و"سوق الحرير". يتقاطع كلا المسلسلين بالعديد من النقاط، أبرزها المحاولة لنسج الحكايات بصياغة تعطي المرأة دوراً واضحاً في تلك الحقبة من تاريخ سوريا درامياً؛ محاولة تبدو مثيرة للسخرية، إذ تم منح المرأة حقوقها في "بروكار" وكأنها هبة حصلن عليها من عضوات الحارة، وأُعطي للنساء مساحة أكبر في صنع القرارات العائلية في "سوق الحرير"، لكن ذلك لم يؤثر على النتيجة، فحافظت الحكاية على الطابع الذكوري المقترن بمسلسلات البيئة الشامية؛ لذلك نلمس أثر هذا التوجه في الحوارات التي تبدو غير ملائمة الشخصيات المرسومة وشكل الأداء، أكثر مما نلمسها في حكايات المسلسلين.   

وجدير بالذكر أن انتقادات دراما البيئة الشامية، التي باتت كليشيه ملازمة للصحافة الفنية السورية، قد تم تجسيدها في إحدى لوحات الجزء الثاني من مسلسل "ببساطة" الذي تم إنتاجه هذا العام؛ لوحة أدى الدور الرئيسي فيها أحمد الأحمد، وتمكن فيها من استعراض نقاط الضعف بهذا الجنر من الدراما السورية؛ لتكون هذه اللوحة هي المؤشر الأوضح على نهاية مرحلة من عمر الدراما السورية.

  • تجاوز الخطوط الحمراء:

الرغبة بصناعة دراما تعبّر عن انفتاح المجتمع الدمشقي تاريخياً والرد على انتقادات دراما البيئة الشامية التي لطالما كان قوامها مرتكزاً على المجتمع الدمشقي المحافظ؛ قادت صنّاع الدراما السورية، بشكل أو بآخر، إلى توسيع رقعة الزمن الدرامي في مدينة دمشق، ليتم تصوير بعض أحداث مسلسل "شارع شيكاغو" في حقبة الوحدة مع مصر، وليتم تصوير بعض أحداث "بورتريه" في التسعينات؛ من خلال استخدام تقنيات الفلاش ورسم حكايات توصل بين الماضي "المتحرر" والواقع المعاصر. وفي سبيل ذلك تم كسر بعض الخطوط الحمراء التي كانت تتحكم بشكل الدراما السورية في الماضي؛ لتصدم المشاهدين بإقحام حوارات جريئة ومشاهد تتضمن إيحاءات جنسية وتكسر حدود وضوابط العلاقات التي تحكم أجساد الممثلين على الشاشة. وقد تمكنت الدراما السورية من خلال هذه المشاهد أن تعيد نفسها إلى داخل دائرة الاهتمام وتجذب الأضواء إليها، لتتحول قبلات "شارع شيكاغو" إلى حديث الشارع.

إن الرغبة بتخطي المحظور كانت واضحة منذ بداية العام، ففي شهر رمضان تم عرض المسلسل المشترك "أولاد آدم"، وفيه تم تجسيد أول علاقة مساكنة على الشاشة؛ لكن الجمهور السوري لم يستهجن "أولاد آدم"، كما فعل عند عرض المسلسلات التالية، ربما لأن أحداث المسلسل تجري في بيروت، ولأن الممثلة التي تمثل دور المرأة الشريكة في علاقة المساكنة، هي الممثلة اللبنانية دانيلا رحمة؛ ليكشف التباين بتلقي "شارع شيكاغو" و"أولاد آدم" التناقض الذي يعيشه الشارع السوري، الذي يطالب بفرض رقابة مشددة على الأعمال السورية، لكنه يتقبل كل الحكايات والتصرفات على الشاشة إذا كانت مستوردة من الخارج.

إعادة إحياء "شارع شيكاغو" درامياً، بعد أن دفنه المجتمع الدمشقي المحافظ كان مجرد نافذة لاستحضار الجدل حول دور الرقابة في الشارع السوري، لكنه لم يتمكن من تقديم رؤية درامية مختلفة عن الواقع السوري كما كان منتظراً منه؛ ربما يعود السبب في ذلك إلى انشغال صنّاع العمل بنحت الرسائل الرمزية التي تعالج الفكر اليساري العربي بما يتوافق مع مصالح نظام الأسد، بأسلوب مبتذل وغير مقنع، يتم فيه استحضار شخصية تشي غيفارا ضمن حوارات سخيفة، لمناقشة أسباب الهزيمة والانكسار.

  • زمن واحد لا يكفي:

 ثمانية مسلسلات من أصل 27، اعتمدت على الزمن اللا خطي لتسلسل الأحداث وتداخل الماضي بالحاضر في حبكاتها الدرامية. هذا هو التغيير الأبرز الذي طرق على الدراما السورية في 2020، حيث إن صنّاع الدراما السورية كانوا يفضلون الزمن الخطي طيلة العقود الماضية، وأن عدد المسلسلات السابقة التي تلعب لعبة تداخل الأزمنة هو قليل جداً. فكيف يمكن تفسير هذا التحول؟ ألم يعد الزمن الواحد كافياً لحكايات المسلسلات السورية؟

مسلسل "حارس القدس" يقدم تفسيراً واضحاً لهذا التحول؛ فهو المسلسل الذي سعى بشكل جاد لخلق دراما بالاستناد إلى شخصية حقيقية، والتزم بذات الوقت بشكل كامل بتقديم خطاب النظام الإعلامي وتحليلاته للأحداث السياسية ما بعد الثورة. لذلك اصطدم بمشكلة النهاية الحتمية المتوقعة وانحسار دور البطولات والدراما الفردية في الوقت الحالي على حساب البطولات الجماعية؛ ليقسم خطوط الزمن بالمسلسل ويبعثرها ليتداخل الماضي بالحاضر، ويتمكن من صنع خطوط درامية قادرة على التطور في أزمنة وأماكن أخرى، يُسمح فيها لتمجيد البطولات الفردية.

 

  

مقالات مقترحة
أوقاف النظام السوري تسمح بإقامة صلاة التراويح بالمساجد في رمضان
دول عربية وإسلامية وأوروبية تعلن الثلاثاء أول أيام شهر رمضان
كورونا.. ارتفاع عدد الإصابات شمال شرقي سوريا