icon
التغطية الحية

سيلٌ عرم من المؤرخين والمدارس: المعرفة التاريخية الغربية لقيس فرّو

2022.06.16 | 23:49 دمشق

frw.jpg
+A
حجم الخط
-A

يشرع المؤرخ الفلسطيني قيس ماضي فرو في كتابه "المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2013، الحديث عن مسارٍ تاريخيٍّ في مدارس التأريخ الغربية، والذي يذكر بكتاب المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني (تاريخ التأريخ) في حديثه عن مسار المعرفة التاريخية لدى العرب.

يُقسّم الكتاب لأربعة فصول ضمن 291 صفحة صافٍ دون المراجع والفهرس العام، ترجم في فصله الأول معنى "المعرفة التاريخية"، ثم تلاه مضمون الكتاب في فصوله الأخرى بالحديث عن النزاع الكبير بين تيارات المدارس التاريخية المتمثلة بطائفتيّ الوضعية (الواقعية) الجديدة وما بعد الحداثية (الفصل الثاني)، ثم المسار الاجتماعي والثقافي عبر هذا النزاع (الفصل الثالث)، وماهية السردية التاريخية (الفصل الرابع).

بين الماضي والذاكرة والتاريخ

بيّن في فصله الأول أنّ هذا الكتاب يتحدث عن مدارس تاريخية غربية، وأن نشأة التأريخ الحديث كانت في الغرب، حيث أكّد فرو أن الترجمة كانت من أهم العوائق عند حديثه حول المصطلحات الأجنبية بلغاتها وترجمتها إلى العربية في كتابه. ثم انتقل إلى نقطة البداية في الغوص بين جنبات الكتاب عبر اختياره طريق دراسته من اثنين، أي أن كتابه يتناول تعريف فلسفة التاريخ لا تقديم تقنيات عملية في الكتابة التاريخية.

وُلد الخلاف الأوليّ في التأريخ كما يُشير فرو عبر "مقاربتين" -وليس مدرستين لكون المدرسة لها مفهوم أكثر ثباتًا وأقل تناقضًا- من رحم الجدل التاريخي في منتهى القرن التاسع عشر (عبر ليوبود رانكه، كارل بيكر) 1.البناء (أن يصوغ المؤرخ الماضي ويبنيه برأيه) و2.الكشف (أن يستكشف المؤرخ ماضٍ موجود دون اجتهاد وصياغة)، بحيث حددت مقاربة البناء أن التأريخ فيه تخيّل بينما اعتبرت الأخرى أن التأريخ يبحث عن شيء له حقيقة موجودة.

المقاربتان لحقتهما انتقادات حول مشكلة "كشف" الماضي بالذاكرة أو "بناءه"، كذلك هل يمكن "تفسير" الماضي بمعنى هل هنالك ماضِ جاهز لنفسره كما بيّن همبل، أو "تأويله" بمعنى لا وجود تام للماضي وهو بناء متخيل لدى ويندلباند، حيث أعطى المؤرخ الإنكليزي كولينجوود فيما بعد معنى آخر للتأريخ بتقديمه مفهوم "الاسترجاع" للماضي (أي بناؤه وتأويله) لا عودة إليه (ولا كشفه).

هكذا لعبت دوامة الطرح والطرح المضاد الهيغيلية دورها، لتتدخّل الهرمنيوتيكا بنسختها المطورة لدى شلايرماخر وديلتاي ثم من بعدهم دور هايدغر وغادامير في المعرفة التاريخية واعتبار الأخير أن التاريخ يصلنا عبر نُسُق تأويلية معقدة مستوحيًا الإرث الثقافي من نيتشه، تلا ذلك كلّه نقد هابرماس بتوصية وضع شروط شبه متعالية للمعرفة التاريخية.

جلب فرو مقاربة باول ريكور لـ"هرمنويتيكا جديدة" للتأريخ بين الوجود والزمان والسردية والخطاب، وبيّن انتماء ريكور أكثر لجانب التيار البنائي، في هذا الإطار بالطبع لا يُغفل الكلام عن دريدا والتفكيكية في المعرفة التاريخية ونقد البنيوية الثقافية من جهة والتأويل الباطن من أخرى.

حاول فرّو اختيار كلمة "تفريق" ترجمة لمصطلح دريدا Différance لفهم النص التاريخيّ وبالتالي المعرفة التاريخية في الفصل بين القصد ومفهوم الماضي والنص التاريخي والكاتب والمكتوب؛ وبالتالي بيان استراتيجية دريدا في مهاجمة مقاربتي البناء والكشف.

 ينطلق فرّو من هنا لبيان المعرفة التاريخية لدى فوكو عبر الـ"إبستيم" خاصته والذي هو "الحقبة المعرفية التي تشكل منظومة ثقافية ولغوية"، واستحالة الموضوعية لديه يقابلها القوة وسلطة المؤرخ وكذا مفهوم الحقب المعرفية في التأريخ.

حرب أهل حِرفة التاريخ وما بعد الحداثة

في الفصل الثاني يكشف الستار عن جدل فلاسفة التاريخ والمؤرخين، بإعلان المؤرخ جيوفري إلتون الحرب الشعواء على تنظير الفلاسفة في التنقيب الفارغ عن كيفية تفكير المؤرخ في الحاضر عوضًا عن الشروع في الكتابة التاريخية والعودة إلى اكتشاف الماضي مدافعًا عن مهنة التاريخ. اتّبع خطاه كريستوفر ماكولا كجناح فلسفي -يندر وجوده بين ممتهني التاريخ كما يشير فرو- للرد على تيارات ما بعد الحداثة وفق منهج "إمبريقي حديث" ناكصًا نحو رانكه الوضعي في القرن التاسع عشر.

نهجت المؤرخة إليزابيث فوكس_جينوفيز الأمر ذاته بإحياء الواقعية العملية (الوضعية) في التأريخ، وحصل أيضًا أن تصدّت مؤرخات أمريكيات ثلاثة هنّ "لين هنت" "مرغريت جاكوب" و"كويس أبليبي" لتيار النسبية المفرطة واستبدالها بنسبية معتدلة لا تكفر بواقعية التأريخ وإمكانيته، كما سدّدن مدافعهنّ ناحية التيار اللغوي ما بعد الحداثي الذي مؤدّاه تفكيك النص، كما انتقدنّ الكتابة الأدبية كتهمة وُجّهت للكتابة التاريخية الكلاسيكية.

استكمل فرو الكشف عن منتقدي تيارات ما بعد الحداثة في المعرفة التاريخية بمقاربة كيث ويندشتل أي قتل التاريخ، بفضح جريمة ما بعد الحداثيين الذين اعتبروا الكتابة التاريخية الواضحة "ضربًا من الضحالة والرجعية" ليرد بدوره بجمع من الاستدلالات على مؤرخيين بنيويين مثل سالينز.

يتجه الكتاب بعدها للتوسع في تنظير توماس كون للتأريخ وكيف أنه حصل تناول متناقض لأطروحته من كلا تياريّ المقاربتين الكبيرتين (أي البناء والكشف) حول العلم النظامي والإحصاء والمقاربات الرياضية ودورها في المعرفة التاريخية. تلاه صراع لتبيئة التاريخ بين الوضعية والعلموية. وأتى على الموضوعية التي اعتبرها بيتر نوفيك -مؤيد التاريخ كحرفة- أسطورة إلا أنها أعطت للمؤرخ قيمته وللتأريخ حرفته، ويكأنه ينتقد "ما بعد الحداثي" ميشيل فوكو.

ينتقل إلى بيان حجة من الطرف الآخر لدى إياك هاكينغ في مصطلحه "التشييد الاجتماعي" مستكملًا إرث فوكو و"الهابيتوس" لدى بورديو في إعادة شرف علمية التاريخ أمام الهجوم "الفوضوي" غير المدروس على تيار ما بعد الحداثة من قبل الواقعية (الوضعية) الجديدة، ومحاولة هاكينغ وضع تفسير علموي للتأريخ.

درّج المؤلف في حديثه عن التيار العلموي على روبرت فوغل ومقاربة الكليومترية التي تبغي ربط الحساب الكمي بالدراسات الاجتماعية التاريخية، وكيف جادل إلتون، سابق الذكر، في رفض التأريخ علمًا تقنيًا حتى أنه هاجم مدرسة الحوليات مدافعًا عن التأريخ الكلاسيكي الساعي للتحقيق في القرائن والأحداث.

لم يخفِ فرّو بيان الخلافات الشخصية والنقد الشديد والسباب في بعض الأحيان بين هذا السيل العرم من المؤرخين، بحيث يُفهم أن تلك الخلافات قد تكون غطّت على إمكانية الدمج بين هذه المناهج حقيقة. ختم الفصل الثاني بمقاربة أفيزير توكر الذي حدد شروطًا واسعة لعلموية المعرفة التاريخية وفق منظوره للبناء الفوقي والتحتي وتمييز القرائن وتحليلها.

ما بعد الوضعية: من الطبقة الماركسية إلى الثقافة فالخطاب وحتى الحوليات

بالانتقال إلى الفصل الثالث الذي اعتبره المؤلف تمثيلًا عمليًا للتأريخ، يبتدئ الفصل بِوليم وِلش مُميزًا بين التأريخ التام (الصافي البحت الذي له وجود ملموس في الماضي) الذي يحلله "العالِم" بسياق اجتماعي ثقافي في الحاضر، وتلك الكتابة الحولية المثالية التي ينتهجها "المؤرخ" للتاريخ التي تصف الحدث المنفرد في الماضي واختلافهما على فهم واقعية الماضي أو عدمه.

بيّن فرّو كيف كان للماركسية دورًا في تثوير مواضيع بحثية مهمشة من قاعدة الهرم، وأنها بتقديمها الطبقة كأولوية في المعرفة التاريخية أدى إلى نقد حاد جلب مفهوم الثقافة وتقديمها على الطبقة في التأريخ

هذا الفهم المختلف على الماضي هي ما سمّاها المؤرخون بـ"المنظورية التاريخية" أي كيفية النظر للماضي، يلحق ذلك مناقشته لمفهوم تأريخي عملي آخر هو "الضَمّية" كعنصر مهم من عناصر الكتابة التاريخية فيه نوع من التنوع في الفهم والتعريف والصياغة، واقتُبس من الضمّ بحيث يسعى لمناقشة أحداث ذات طبيعة واحدة أو فيها طبائع متحدة لدى "وِلش" والذي هو طريقة من طرق تأويل النص.

ينتقل بعدها لبيان تطور المعرفة التاريخية بجمعه بين الضمّ ومنظورية المفاهيم (أي التأريخ للماضي بجلب قرائن أحداثه الواحدة للأخرى) بما هو مُحدد مهم في الكتابة الاجتماعية الثقافية للتاريخ ضمن مدرستي الماركسية والحوليات الفرنسية، عرّج على دور جيورجي لوكاش في ابتداع ماركسية غربية، ولم يغفل الحديث عن تطوير غرامشي لها وكيف أدّى بدوره نزع لبوس الحتمية التاريخية عن الماركسية الأم، تلك الحتمية التي اعتبرها المؤرخ الأمريكي بيتر نوفيك أكبر المعضلات.

بيّن فرّو كيف كان للماركسية دورًا في تثوير مواضيع بحثية مهمشة من قاعدة الهرم، وأنها بتقديمها الطبقة كأولوية في المعرفة التاريخية أدى إلى نقد حاد جلب مفهوم الثقافة وتقديمها على الطبقة في التأريخ، هنا أشار لدور ستادمن جونس وفوكو ومفهومهما للخطاب وعلاقته بالثقافة، عنى جونس بالخطاب كلغة أفراد في واقع سياسي اجتماعي بينما اعتبره فوكو كمنظومة للأفكار.

كان لبيتر بورك حصة من كتاب فرّو الكثيف في شروحاته للجيل الثالث من الحوليات، أشار إلى أنها انتقلت إلى الميكرو-تاريخ (التاريخ المصغّر)، كما أن النقد الموجه للحوليات ساهم في تطوّر المعرفة التاريخية، مثلًا إسهام أوروا لادوري في نقد التاريخ الشامل لفرناند بورديل وحديث لادوري عن تاريخ إجمالي أي تاريخ مصغر، ولكن راصدٌ لكل شيء في زمان ومكان محددين.

في هذه المرحلة المعقدة أشار قيس ماضي فرو لاندماج الجيل الثالث والرابع من الحوليات مع مُحدثي الماركسية وتبني الأنتروبولوجيا في حقل التأريخ مع الإشارة لمقاربة لين هنت والتاريخ الثقافي الجديد ومفاهيم كثيرة كالبحث في المجتمع الغريب والتأريخ المتخيل (ميتا-تاريخ أو ما وراء التاريخ)، وذلك عبر استعارة ديكارت في اكتشاف التاريخ عبر رحلة متخيلة إلى الماضي لمعرفة من/ما هو الغريب عنّا.

لم يخلو الأمر من الولوج للعبة اللغة لدى فيتغنشتاين في النظر إلى اكتناه التأريخ ومشكلتي فك الرموز والترجمة الاصطلاحية للمجتمع الغريب ودواخل المؤرخ الذاتية وتأثيرها على الكتابة، بحيث مثّلت الترجمة عائقًا حينما يريد الأنتروبولجيّ فهم ثقافة مجتمع غريب مُحاولًا تفكيك رمزياته وبيانها.

نحو تأريخ سردي

يستهلّ فرّو في فصل كتابه الرابع قوله بأثّرِ حديثِ لورنس ستون عام 1980 عن معنى السردية في التاريخ بل وعودتها بحلّة جديدة في القرن العشرين، مستدعية توثيق الرواية التاريخية بالمصادر وتوسعة قراء التاريخ لطبقة جماهيرية، هنا فرّق مورتون وايت بين السردية والحولية في الترتيب الزمني والوصف والمجاز.

طور كل من "لويس منك" وَ "رولان بارت" ابتكار طبع أدبي وتأريخي للسردية، أشار فِرّو أيضًا للتغايرات المعقدة بين بارت ودريدا وفوكو كتيارات ما بعد حداثية في التأريخ، وأظهر تأثر بارت بفوكو في معنى سلطة المؤرخ في السردية، تلا ذلك النقد الذي قدّمه هايدن وايت للمفهوم السردي في المعرفة التاريخية كونه خياليّ وما فوق تاريخيّ (ميتا-تاريخيّ).

اُتّهم وايت بالنسبوية والعدمية وتحويل التاريخَ إلى حتمية لغوية نتاج عمله على تفتيت تماسك السردية في التأريخ، هذه تهم كافية بأن تزّج به في تيار ما بعد الحداثة إلا أنه دافع عن نفسه وامتنع قبول هذه التهمة، لأنّه على ناحية أخرى -وهنا تظهر سيولة التنظير في التيارات الزخمة التي بيّنها فِرّو- كان تقسيم وايت للسرديات مهمًا جدًا في النقد التأريخي (نقد الكتابة التاريخية)، أضف لذلك دعواه في استخدام كلا أطراف النزاع أي المؤرخين وفلاسفة التاريخ لمحاور سردية غير خافية.

كشف فرّو اللثام عن عوامل في تفريق السردية التأريخية عن القصة والحولية عبر مقاربة كيث جنكنز وَ وايت بأن السردية التأريخية تحوي بالإضافة للحبكة "التفسير بالحجة والنزعة المؤدلجة" مع عدم امتناع السردية في التاريخ استعمال لغة المجاز.

كان تنظير جان ليوتار أوضح تيارات ما بعد الحادثة في انتقاد دعوى السردية الكبرى كماهية مثالية واقعة في الماضي يتولى المؤرخ بيانها واستكشافها وأن السردية التاريخية باتت في عصر ما بعد الحداثة مفتتة متعددة الطبائع، وكأنه ينتقد مقاربة الكشف المارّة آنفًا.

ختم فِرّو كتابه بالحديث عن ولادة التاريخ الشفوي لدى آلان نيفينز ومجالاته مثل علم الاجتماع، الفلكلور والدراسات الثقافية، وفرقُهُ عن التاريخ الوثائقي في فحص العلاقة بين الماضي والتاريخ، حيث إنّ التاريخ الشفوي بات نوعًا من الجغرافيا الواسعة والتاريخ المصغر الذي يشارك ما بعد الحداثة في هجر التأريخ المتخيل أو السردية الكبرى.

هكذا ختم المؤرخ الحذق قيس ماضي فِرّو كلامه بأن معرفة مثل هذه المناهج نشأت عبر التجربة والنقد، ونصح المؤرخ بالاطلاع عليها كونها تساعده في تقصّي طريقه واكتناه كتابته، أفضل من أن يعمل على عمى وعشوائية.