سوريا! بين الماضي والحاضر

2023.09.21 | 07:24 دمشق

آخر تحديث: 21.09.2023 | 07:24 دمشق

سوريا! بين الماضي والحاضر
+A
حجم الخط
-A

تشكلت سوريا المعروفة حالياً بفعل إمبريالي غربي في بدايات القرن الماضي، وتحديداً بعد الاتفاق الفرنسي البريطاني على تمزيق سوريا الطبيعية (بلاد الشام)، وتوزيعها بين الدولتين، فرنسا وبريطانيا، واقتطاع فلسطين لتكون دولة لليهود، كل ذلك بالاشتراك مع قوة عربية من الجزيرة (الشريف حسين)، الذي رموه بعد فترة إلى كيان أصغر، وكذلك تخلوا عن الوعود المقدمة له. بدأت عملية التشكيل أولاً بتفكيك الاحتلال الفرنسي للمملكة السورية التي أعلنها الملك فيصل عام 1920، وأنشأت مشروعا فيدرالياً بديلاً عنها يعرف باسم "دول الشام" (رسمياً، اتحاد/ فيدرالية دول الحكم الذاتي في سوريا La Fédération des Etats Autonomes de Syrie). تألف هذا الاتحاد من عدة دويلات، منها دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين. وكانت حكومة جبل الدروز ولبنان الكبير جزءاً منه فقط من الناحية الاقتصادية.

وكان الأسلوب الإمبريالي المتبع في عملية تشكيل الدول في هذه المناطق المحتلة يعتمد على تبني الأفكار الفيدرالية (الدويلات المستقلة فيما بينها) من جهة، ومن جهة أخرى، وهو الأكثر أهمية، إنكار تقرير المصير الكامل، أي إنكار حق الشعوب في تقرير مصيرها الذي أقرته مبادئ ويلسون، واختيار شكل حكمها من جهة، ونسف عامل الدين بما يشكله من عنصر مهم وأساسي في تشكيل هوية السكان، وبدلاً من ذلك، دعموا التلاعب بالمذاهب واستغلالها كعوامل تفرقة تطيل في النهاية أمد حكمها، ومعروفة حكاية تشكيل جيش المشرق، والقوات الخاصة وغيره من التشكيلات العسكرية والأمنية التي اعتمدت عليها في مواجهة مقاومة السكان، وأسست لعوامل انقسام لا تزال تعيش حتى يومنا هذا.

رفض السوريون الصيغة الإدارية المقترحة، وانتخبوا جمعية تأسيسية من الوجهاء السوريين عام 1928، تحت مراقبة الفرنسيين، حيث ناقشت الدستور المؤقت، ومعه النظام المنشود

شرّعت عصبة الأمم الانتداب عام 1923، لكن مع استمرار ممارسات الاحتلال العنيفة، اندلعت المظاهرات والمقاومة، التي توجت بالثورة السورية الكبرى، التي أجبرت المندوب السامي على إلغاء اتحاد الدويلات وتشكيل دولة سورية من خلال قانون إداري (تقديم قانون أساسي بالاتفاق مع "السلطات المحلية")، وحّد دولتي حلب ودمشق ومنح درجة من الاستقلالية الإدارية لحكومتي الدروز والعلويين، وترك إسكندرونة مؤقتاً تحت الحكم العسكري. رفض السوريون الصيغة الإدارية المقترحة، وانتخبوا جمعية تأسيسية من الوجهاء السوريين عام 1928، تحت مراقبة الفرنسيين، حيث ناقشت الدستور المؤقت، ومعه النظام المنشود. وفي العام 1931، صدّق الحاكم العسكري عام 1931 على إعلان سوريا دولة محلية ذات نظام جمهوري، يرأسها مسلم، مع احتفاظه بحق نقض جميع القرارات التي تأخذها الجمعية المنتخبة، إن رأى فيها ما يمسّ بمصالح فرنسا.

باختصار، ما رسخته السلطات الإمبريالية في ذلك الحين، وهو أمر لا تزال مفاعيله مستمرة حتى اليوم، ممارسة الإدارة والسياسة تحت السقف الذي يقرّه الحاكم العسكري، الذي يحتفظ بالقرار النهائي بالموافقة أو الرفض لأي قرار يعتبره يمسّ بأمن البلاد ومصالحها. فعلى الرغم من أن معظم الأحزاب السياسية في سوريا تأسست فترة الاحتلال الفرنسي، وأن الانتخابات مورست لأول مرة في عهده، فإنها كانت ضمن "الأطر" التي وضعها الحاكم العسكري. لا تزال هذه الصيغة مستمرة حتى يومنا هذا، بعد أن استولى ضباط الجيش السوري الجديد على السلطة بعد خروج الفرنسيين، ورسخوا سبيل الانقلابات كطريق وحيد للوصول إلى السلطة، هذا السبيل الذي أغلقه حافظ الأسد من خلال ترتيبات جديدة استثنائية تمثلت في تجسس الأجهزة على بعضها وفرض رقابة شديدة على قيادات الجيش، فضلاً عن اعتماده على نواة ذات عصبوية مذهبية. 

في عام 2023، بعد اثني عشر عاما من اندلاع الثورة السورية التي طالبت بحق السوريين بالعيش بكرامة من خلال امتلاك مصيرهم وتقرير شكل نظام الحكم الذي يتفقون عليه، لم تقتصر المواجهة على النظام المتوحش الذي لم يكن يتخيل أن ثمة أحداً من السوريين يجرؤ على تحدي نظامه، من خلال المسيرة الطويلة في القمع من جهة، وإضفاء الطابع الإلهي على العائلة "المقدسة"، وإنما امتدت هذه المواجهة والعداء ليجعل من مطالب السوريين تلك تهديداً وجودياً، ولا بد من إنهاء ثورتهم مهما كان الثمن والنتيجة. كانت إيران وروسيا من أكثر الدول عداء للثورة وتبنياً لنهج إبادتها، ومن أهم أسباب تلك العداوة النزوع الإمبريالي لكلا الدولتين في احتلال أو خلق مناطق نفوذ خارج حدودهما من جهة، والتزامهما الشديد بالمبدأ الامبراطوري المتمثل بعدم السماح لتلك الشعوب بحق تقرير مصيرها.

لم يكن موقف الدول الأخرى داعماً لقضية تحرر السوريين، بمعنى امتلاك قرارهم وبناء سيادة شعبية حقة على بلادهم ومقدراتها، وإنما ما قدم من دعم كان سببه محاولة السيطرة على مقدرات هذا البلد وربطها باستراتيجيتها الإقليمية والدولية، ولأن دعمها كان محدود الهدف والقدرات، فقد انتهى به الأمر أيضاً إلى شكل من التوافق مع الدول الداعمة للنظام الأسدي بصيغ تتقاسم مناطق سورية كمواقع نفوذ لها، وكان ما يجمع بين الجميع أنهم حوّلوا الوضع السوري إلى صراع مجمد، يبحث كل طرف في منطقة نفوذه عن تقديم بعض الخدمات، من خلال صيغ الحوكمة والإدارة الرشيدة، والتعافي، وغيرها من المصطلحات التي تصر على إبعاد قضية تحرر السوريين من أسوأ نظام، وتركوا للأمم المتحدة ومبعوثيها ممارسة هواية الاجتماعات المديدة التي لا تقدم شيئاً، بحيث تحولت القضية السورية إلى سوق للمبادرات، على مبدأ أنه طالما لا مسؤولية ولا دعم لها، فلم لا نكثر منها.

بين الماضي والحاضر، وإذا أخذنا مقولة ماركس، التي تقول: "يصنع البشر تاريخهم، ولكن لا يصنعونه بالطريقة التي يتمنونها وعلى هواهم، فهم لا يصنعونه وفقاً للظروف التي يختارونها بأنفسهم، بل وفقاً لظروف يواجهونها مباشرة، وفقاً لظروف خلقها الماضي وأورثها لهم"، وقاربنا من خلالها القضية السورية، خاصة في عصرٍ يتخبط بشدة في صراعات لتوليد نظام عالمي جديد، حيث غدا فيه تشكيل الأنظمة والكيانات أو تفتيتها لا يخضع لعامل داخلي، وإنما احتل فيه العامل الخارجي الدور الأكبر، يتوضح لنا المصير الذي تؤول إليه سوريا، ومسعى الدول في تحطيم الكيانات وتوليد كيانات بديلة، محورها الاعتماد في منطقتنا على الأقليات، سواء الإثنية أم المذهبية، تؤسس لحكم قمعي بصيغ مختلفة، ويجعل من الوضع قابلاً للانفجار في أي وقت. وربما ما تقدمه القوتان: الأميركية والروسية للأطراف الوكيلة لها في سوريا يشكل مثالاً واضحاً على ذلك.

لا يمكن إهمال الدور السلبي الذي لعبته "النخب" التي تصدرت بالقوة المشهد السوري، وقدمت نموذجاً لحالة من الارتهان لم يسبق لها مثيل، لدرجة أنها أصبحت عبئاً إضافياً على السوريين

مع أن نضالات السوريين التي لم تتوقف منذ ربيع 2011، والثمن الباهظ الذي دفعوه من قتل واعتقال وتهجير، فإنّ ترسيخ مناطق النفوذ الحالية التي تحاكي، بشكل ما، دويلات القرن الماضي، بل تتجاوزه أحياناً، من حيث ترسيخ أنظمة تعليم مختلفة، وعملات، وقوات شرطة وجيش، وحدود يصعب الانتقال فيما بينها، إنما يفسّر إلى حد ما سعي الدول الكبرى المتدخلة في سوريا إلى عدم السعي الجدي لحلّ سوري، ويجعل من أمر ترسيخ وجود تلك المناطق كابوساً مرعباً. وعند الحديث عن هذا الكابوس، لا يمكن إهمال الدور السلبي الذي لعبته "النخب" التي تصدرت بالقوة المشهد السوري، وقدمت نموذجاً لحالة من الارتهان لم يسبق لها مثيل، لدرجة أنها أصبحت عبئاً إضافياً على السوريين، نموذجاً يتسابق في انحداره مع ما يدّعي أنه نقيضه، والذي ساهم رغم محدوديته في إنجاح المشروع الامبريالي للقوى الكبرى المتمثل بترك هذه المناطق تابعة غير حرة ولا تمتلك قرارها.

لا يوجد  طريق غير تكافل السوريين في نضالهم لإفشاله وتحقيق ما يحلمون به، ورغم الأهمية الكبرى لتضحيات أي سوري في أي مكان، لكن بالتأكيد لن يتحقق الحلم إلا بمشاركة الجميع وتضافر مساعيهم، والبديل هو ترسيخ الكيانات إلى أجل غير مسمى، إن لم تكن شرعنتها في وقت لاحق.