روسيا.. نفاق وانتهازية تجاه القضايا العربية

تاريخ النشر: 07.02.2021 | 00:01 دمشق

استقبلت روسيا خلال الفترة الماضية وعلى نحو لافت ومريب وفودا من الفصائل الفلسطينية بما فيها فصائل هامشية وصغيرة، فيما بدا تعبير عن رغبة روسية في الانخراط شكلاً بالشأن الفلسطيني لتحقيق أهداف سياسية وإعلامية خاصة بها، ولفت الانتباه عن جرائمها الموصوفة في ساحات عربية أخرى مثل سوريا وليبيا، بينما كان مستهجناً استقبال وفد من المجلس الانتقالي الانفصالي في اليمن خلال الفترة نفسها في استغلال موصوف أيضاً للقضية الفلسطينية لتمرير وشرعنة أفكار انفصالية وتطبيعية عبر عنها دون خجل رئيس الوفد الانتقالي الانفصالي.

إذاً، استقبلت روسيا خلال الأسابيع الماضية وعلى مدى زمني قصير وفودا فلسطينية تمثل حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديموقراطية وتيار القيادي المنشق عن حركة فتح المقيم في أبو ظبي محمد دحلان بدا الأمر برمته لافتاً ومريباً وأقرب إلى النفاق والانتهازية خاصة مع ترسيخ المنحى الوطني المباشر للحوارات الفلسطينية خلال الشهور الماضية بعيداً عن الوساطات العربية والإقليمية والدولية.

بدا النشاط الروسي وكأنه رد مباشر على حوار إسطنبول الثنائي بين فتح وحماس منتصف شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، علماً أن تركيا استضافت اللقاء في القنصلية الفلسطينية بإسطنبول دون أي تدخل أو تطفل منها اللهم إلا دعم ما يتفق عليه الفلسطينيون أنفسهم. كما أن النشاط الروسي جاء رغم انتهاء زمن الوساطات الخارجية فلسطينياً، خاصة بعد التواصل المباشر الأخير بين حماس وفتح للتوافق على إجراء الحزمة الانتخابية الكاملة، علماً أن قصة الضمانات التي حضرت فيها روسيا أيضاً إلى جانب تركيا وقطر ومصر من أجل نزاهة واستمرارية العملية الانتخابية كانت رمزية إلى حد بعيد، وفي أفضل الأحوال شكلت غطاء ودعما خارجيا لعمل وجهد وتواصل فلسطيني مباشر.

ومع ذلك كله يمكن تفهم استقبال روسيا لوفود حمساوية وفتحاوية للبقاء في الصورة والاطلاع المباشر على ما جرى أو حتى لتشجيع  فكرة الذهاب إلى الانتخابات كمدخل لإنهاء الانقسام وترسيخ الوحدة الوطنية.

يمثل استقبال وفد تيار محمد دحلان تعويماً دولياً له. ومن جهة أخرى سعيا لفرضه على الساحة السياسية الفلسطينية

لكن بدا لافتاً ومريباً تخصيص موسكو وقتاً لاستقبال فصائل فلسطينية صغيرة أخرى، علماً أن قصة الانتخابات نفسها أثبتت ما نعرفه حميعاً عن مركزية ثنائية حماس وفتح، وأن التوافق بينهما كفيل بحلّ الأزمات ومواجهة التحديات في ظل الحضور والتأثير الهامشي للآخرين على ثنائية الانقسام والمصالحة، ومن ثم قرار إجراء الانتخابات الذي كان نتاجاً مباشراً لحوارات وتفاهمات حماس وفتح. والأمر هنا لا يعبر أبداً عن مزاج إقصائي وإنما ديموقراطي بامتياز قياساً لنتائج الانتخابات التشريعية الماضية، كما استطلاعات الرأي الراهنة التي تتحدث عن غالبية ساحقة للحركتين معاً وتضاءل شعبية وتأثير الآخرين.

إلى ذلك يمثل استقبال وفد تيار محمد دحلان تعويماً دولياً له. ومن جهة أخرى سعيا لفرضه على الساحة السياسية الفلسطينية، علماً أن هذا أول نشاط سياسى خارجي علني للتيار الذي يملك علاقات واتصالات أمنية مع عواصم الثورة المضادة أبو ظبي والقاهرة، ولا شك أن القصة برمتها حصلت بالتنسيق والتفاهم بين موسكو وأبو ظبي راعية وعرّابة التيار باعتباره النسخة الفلسطينية من الثورة المضادة والفلول الجدد. وفي المجمل كان ثمة إحساس وكأن العراضة الروسية هدفت أساساً إلى التغطية على استقبال تيار القيادي الفتحاوي المنشق تمهيداً لإشراكه في الحوارات الفلسطينية القادمة.

كان لافتاً ومريباً أيضاً وتحت لافتة العمل على مساعدة الفلسطينيين لإجراء الانتخابات باتجاه إنهاء الانقسام وإعادة ترتيب البيت الوطني استقبال موسكو وفد المجلس الانتقالي الانفصالي اليمني وسط الوفود الفلسطينية الزائرة وتحديداً بين استقبال وفود دحلان والجهاد وحماس، علماً أننا أمام أول نشاط سياسي خارجي للمجلس – كما هو الحال مع تيار دحلان - ما يمثل شرعنة له ولمطالبه الانفصالية حيث استغل رئيس الوفد  عيدروس الزبيدي المنبر الروسي للتعبير عن رغبات ومواقف انفصالية صريحة وفجة، والأسوأ من ذلك ربطها مباشرة بالتطبيع مع إسرائيل. والرسالة مباشرة وصريحة مفادها أن مساعدة المجلس على انفصال جنوب اليمن سيؤدي مباشرة إلى تطبيع الكيان الوليد مع الكيان الإسرائيلي.

واضح هنا طبعاً أن ثمة أصابع إماراتية تسعى بالتعاون والتواطؤ مع روسيا ليس فقط للترويج للانفصال من أجل إضعاف اليمن ككل والسيطرة على الكيان الجنوبي الوليد وثرواته الطبيعية، وإنما أيضا لتوسيع مسيرة التطبيع مع إسرائيل حيث تمثل أبو ظبى رأس الحربة فيها، علماً أن المجلس يمثل النسخة اليمنية من تيار دحلان أي من الثورة العربية المضادة وطبقة الفلول الجدد التي تضم الانقلابيين عبد الفتاح السيسي وخليفة حفتر وكذلك بشار الأسد.

في كل الأحوال كان الجهد السياسي الروسي برمته منافقاً وانتهازياً، والغرض منه واضح بالتأكيد ويتمثل ببث انطباع مبالغ فيه ودعائي عن الحضور الروسي في القضية الفلسطينية لاستثمار ذلك في ترتيب العلاقة المضطربة مع الإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت نيتها العودة مجدداً للاهتمام بالقضية ما يعني أننا أمام محاولة روسية لتقديم أوراق اعتماد للانخراط في السياسة الأميركية الجديدة. وهنا لا بد من التذكير بحقيقة أن روسيا لم تحرك ساكناً تجاه ممارسات إدارة دونالد ترامب المنصرفة الكارثية تجاه القضية الفلسطينية، واكتفت بمواقف خجولة جداً خاصة تجاه صفقة القرن - رؤية ترامب - التي هدفت أساساً إلى تصفية القضية الفلسطينية وإزالتها عن جدول الأعمال الإقليمي والدولي. كما أيّدت التطبيع العربي مع إسرائيل حتى مع اتخاذه شكل التحالف في الحالة الإماراتية وهو ما اعتبره الفلسطينيون بحق طعنة نجلاء لقضيتهم العادلة.

تسعى روسيا كما دائماً لاستغلال القضية الفلسطينية والتعاطف العربي الشعبي الواسع معها للتغطية على ممارساتها الإجرامية في قضايا عربية أخرى عادلة

تجب الإشارة كذلك إلى العلاقات الروسية القوية والراسخة مع إسرائيل التي لا تبدي أي انزعاج تجاه الانخراط الروسي في القضية الفلسطينية فيما بدا تعبيراً عن الاطمئنان إلى أنه لا يمثل تهديداً جدياً للسياسات والمصالح الإسرائيلية أو يؤثر على موازين القوى المختلة في فلسطين.

إضافة إلى ما سبق تسعى روسيا كما دائماً لاستغلال القضية الفلسطينية والتعاطف العربي الشعبي الواسع معها للتغطية على ممارساتها الإجرامية في قضايا عربية أخرى عادلة، ولكون الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أخرى لا تتوقف عن اتهام روسيا مباشرة بارتكاب جرائم حرب موصوفة في سوريا، كما غير مباشرة عبر دعم نظام بشار الأسد، وهي تفعل الشيء نفسه في ليبيا أيضاً عبر مرتزقتها، كما بدعم ومساندة خليفة حفتر بصفته النسخة المحلية لبشار الأسد.

في كل الأحوال على الفصائل الفلسطينية أن تعتمد على نفسها ، وتفهم أن روسيا التي دعمت صراحة عبر وزير خارجيتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة – 2014 - باعتبارها حرباً ضد الإرهاب ودفاعاً مشروعاً عن النفس، والتي ارتكبت مباشرة أو غير مباشرة جرائم حرب موصوفة في سوريا وليبيا، وتواطأت وتساوقت مع السياسة الكارثية للإدارة الأميركية السابقة ليست في وضع يسمح لها أخلاقياً وسياسياً بالانخراط بالشأن الفلسطيني، ورغم الحملة الدعائية فهي لا تملك الإرادة لتقديم مساعدة جدية للفلسطينيين من أجل تحقيق آمالهم ونيل حقوقهم الوطنية المشروعة في السيادة والاستقلال وتقرير المصير، وعموماً فلا شيء ينسف البروباغندا الروسية تجاه دعم الانتخابات وترتيب البيت الداخلي الفلسطيني أكثر من التنكيل بالمعارضين والمتظاهرين الروس المطالبين بالديموقراطية وسيادة القانون على مرأى ومسمع من الوفود الفلسطينية الزائرة لموسكو.