icon
التغطية الحية

رفض تجديد إقامات السوريين في تركيا يمزق شمل عائلات ويتركها لخيارات تهدد حياتهم

2022.12.31 | 18:23 دمشق

تجديد الإقامات للسوريين في تركيا
رفض تجديد إقامات السوريين في تركيا
إسطنبول - مزنة عكيدي
+A
حجم الخط
-A

شاع في الفترة الأخيرة بين أوساط السوريين من حملة الإقامات رفض تجديد إقاماتهم في تركيا على الرغم من بلوغ بعضها عدة سنوات كانت تتم فيها عملية التجديد من دون أية مشكلات، وتختلف الملفات المرفوضة بجميع تفاصيلها وتشترك بأن أصحابها سوريون، وهذا ما يتركهم لخيارات العودة إلى سوريا وتعرضهم لمخاطر تهدد سلامتهم وحياتهم، أو يتمزق شمل العائلات التي قبلت تركيا تجديد إقامات أفراد منها ورفضت تجديد إقامات آخرين.

ومع انتهاء قانونية إقامتهم في تركيا وجوازات سفرهم التي تغلق في وجهها معظم دول العالم، يحكم على هذه الشريحة العودة إلى بلد أنهكته اقتصادياً وزعزعه أمنياً أكثر من 11 عاما من نزاع لم يفض حتى الآن، أو البقاء في تركيا بطريقة غير شرعية وتعرضهم للمساءلات والاحتجاز في حال لم يتم ترحيلهم.

حلم بالإقامة الدائمة ينتهي بإنهاء حق البقاء

نصف عام كانت المدة المتبقية ليتم أنس الشاب الثلاثيني أعوامه الثمانية في تركيا ويستحق فيها الإقامة الدائمة كما كان يأمل إلى أن جاءه الرد بالرفض على تجديد إقامته السياحية ويفقد الحق في البقاء في تركيا ويتبدد حلمه بالاستقرار، كما قال في حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا.

ومع غياب المال الذي يسهل عليه اللجوء إلى بلد آخر على حد قوله بقي أنس عالقاً في تركيا وعاطلاً عن العمل مع غياب تصاريح وأوراق رسمية تمكنه من التجوال من تاريخ رفض تجديد إقامته في الشهر السادس من هذا العام وحتى الآن.

تتقاطع قصة أحمد مع قصة أنس برفض طلبه لتجديد تصريح الإقامة في تركيا على الرغم من تجديدها على مدار سنوات، إلا أنها تختلف بكثرة روابط أحمد بتركيا التي تضرب منطقية الرفض، على حد قوله.

فيقول أحمد لموقع تلفزيون سوريا إنه منذ بداية قدومه إلى تركيا عام 2016 استخرج إذن الإقامة من دون التخلف عن تجديده دورياً له ولأفراد عائلته، إلى أن جاء رد طلبه الأخير بالتجديد سلبياً. ويستنكر أحمد قرار الرفض على اعتبار ارتباطه بتركيا الوثيق لامتلاكه شركة تجارية كان قد افتتحها منذ عامين، بالإضافة لاستمرار فعالية إقامات أفراد عائلته في تركيا حتى الآن.

تجديد الإقامات هاجس ينتقل لمنصات التواصل الاجتماعي

أجرى موقع تلفزيون سوريا استطلاعاً إلكترونياً شمل 34 حالة طلب تجديد إقامة في العام الأخير، ووفقاً لنتائج الاستطلاع فإن ما يقارب ربع الطلبات (23.5%) جاء الرد عليها بالرفض.

سيب
رفض تجديد إقامات السوريين في تركيا يمزق شمل عائلات

 

وتأكيداً لشيوع الحالة رصد موقع تلفزيون سوريا على إحدى مجموعات الفيس بوك التي ينشط عليها السوريون منشوراً أو أكثر يومياً في الشهر الأخير يتناول موضوع رفض تجديد الإقامات.

ئءؤرئ
رفض تجديد إقامات السوريين في تركيا

المرفوضون ضحية إعادة تفعيل العمل بقانون مجمّد لسنوات

يوضح الدكتور في القانون ومسؤول القسم العربي في "شركة إيتشر" للمحاماة حسام الدين آغا أوغلو لموقع تلفزيون سوريا أسباب رفض الإقامات في الآونة الأخيرة، ويقول إنه بعد العاشر من شباط 2022 اتخذت وزارة الداخلية قرارات جديدة بما يتعلق باستخراج تصاريح الإقامة للأجانب، فقبل التاريخ المذكور كان الشائع سهولة الحصول على الإقامة وتجديدها، أما بعد القرارت فقد أصبحت القوانين أكثر صرامة وأصبح الحصول على إقامة أكثر صعوبة.

ويضيف آغا أوغلو أنه في حالات الأشخاص المقيمين في تركيا لعدة سنوات كما في حالتي أنس وأحمد يفترض أن يكون الشخص يمارس عملاً ما أو يدرس في تركيا، وهذا يوجب عليه تحويل إقامته السياحية لإقامة عمل أو إقامة طلابية، وهذا ما كان يُتغاضى عنه سابقاً ولم يعد كذلك اليوم.

ينفي أنس كون إعادة العمل بهذا القانون هي السبب الوحيد لرفض الإقامات الشائع حالياً، نظراً لمعرفته بعدة أشخاص من حملة إقامات العمل جاءهم الرد مؤخراً بالرفض على طلبات تجديد إقاماتهم على الرغم من امتلاكهم لنشاطات تجارية فعالة.

ويرى أحمد أنه من غير المنطقي قبول تجديد إقامته السياحية لعدة سنوات من دون أية مشكلات، ثم يأتي الرفض من دون سابق إنذار بحجة إعادة العمل بقانون منسي لسنوات، خاصة أن الرفض في حالته أتى قبل انتهاء مدة إقامته بمدة قصيرة لا تسمح له باستخراج إقامة العمل التي تتطلب حياز طالبها على إقامة صالحة لمدة ستة أشهر على الأقل.

كما يستنكر أحمد المهلة القصيرة المعطاة للأشخاص المرفوضين لمغادرة الأراضي التركية من دون إعطائهم مهلة كافية لتصفية التزاماتهم أو تسوية وضعهم.

رفض تجديد الإقامة يمزق الشمل الأسري من جديد

وفقاً للمقابلات التي أجراها موقع تلفزيون سوريا، لم يراعَ في عمليات تقييم طلبات تجديد الإقامة الحفاظ على لم شمل الأسر، ففي كثير من الأحيان أنهيت إقامات أفراد مع سريان مفعول تصاريح إقامة أفراد آخرين من نفس العائلة، كما حدث مع أحمد.

وعلى غرار أحمد رفضت طلبات تجديد إقامات ريم وبناتها الثلاث، وصدر قرار ترحيل بحقهن على الرغم من حيازة زوجها على بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) واستمرار حق بقائه في تركيا، وتكمن المفارقة بأن بنات ريم كن قد حصلن على فيزا "لم شمل" للدخول إلى تركيا بعد أن تقدم زوجها بدعوة استقدام لعائلته بموجب بطاقة حمايته المؤقتة، كما روت ريم في لقائها مع موقع تلفزيون سوريا.

وتوضح ريم أن زوجها قدم إلى تركيا عام 2017 بمفرده عابراً الحدود بطريقة غير شرعية ونظراً لصعوبة الطريق لم تستطع ريم القدوم معه بسبب حملها آنذاك، وبعد وصوله حصل زوج ريم على بطاقة الحماية المؤقتة وعمل لعدة السنوات ليتمكن من تقديم دعوة لعائلته إليه، والتي بموجبها دخلت ريم وبناتها إلى تركيا من ستة أشهر.

ونظراً لدخولهن من المعابر النظامية لم تتمكن ريم وبناتها من الحصول على الحماية المؤقتة فكان خيارها الوحيد الحصول على إقامة سياحية تضمن لها ولبناتها حق البقاء في تركيا، وتكمل ريم بأن طلبهن للحصول على إقامات كان إيجابياً وحصلن على تصريح إقامة لمدة ستة أشهر إلى أن جاء موعد التجديد الذي قوبل بالرفض.

مع استحالة عودة زوج ريم إلى سوريا لأسباب أمنية سيكتب على أسرة ريم تمزق شملهم من جديد بعد ستة أشهر فقط من التئامه.

ؤر
تجديد إقامات السوريين في تركيا

اعتراضات قانونية عديمة الجدوى

بعد أن رفع أنس دعوى اعتراضاً على قرار رفض إقامته يقول إن الأمور ما زالت في أخذ ورد بين محاميه والمحكمة.

أما في حالة ريم وبناتها اللاتي رُفضت إقامتهن حديثاً، فقد لجأ زوج ريم لمناشدة مسؤول في الداخلية التركية للنظر في وضعهم، ليأتي الرد منه: "الإقامات مرفوضة حتى ولو استقدمتهن بفيزا لم شمل، ليس من المنطقي أن يأتي كل واحد فيكم بأمه وأخته وزوجته، لماذا لا تأخذ عائلتك وتذهبون إلى لبنان فالأوضاع هناك جيدة". وبعد الرد السلبي من الأمنيات أصبح خيارهم الوحيد الآن اللجوء إلى محامي يتابع ملفهم كما قالت ريم. 

بينما وصل أحمد لأبعد من ذلك فرفع قضية عن طريق المحكمة الإدارية التي طلبت سبب الرفض ما يسلتزم ذهابه إلى إدارة الهجرة في حي بيازيد بمدينة إسطنبول، الذي يترتب عليه التوقيع على تعهد بمغادرة الأراضي التركية خلال عشرة أيام، لذلك أرسل أحمد عريضة إلى مكتب رئاسة الجمهورية يطلب فيها التماساً لوضعه، وما زال ينتظر الرد.

عن الجدوى من اتخاذ إجراءات قانونية في حالات رفض الإقامة، يوضح الدكتور في القانون ومسؤول القسم العربي في "شركة إيتشر" للمحاماة حسام الدين آغا أوغلو أن الدعاوى القضائية من هذا النوع هي دعاوى طويلة الأمد وتتراوح مدتها من الستة أشهر للثمانية وقد تصل أحياناً للسنة كما أن نسبة نجاحها منخفضة، وتلعب فيها العوامل الإنسانية دوراً مهماً في التأثير على قرار القاضي الإداري.

ويشير إلى أنه في حالة ريم وبناتها اللاتي قدمن بفيزا لم الشمل فإن فرصة كسب الدعوى مرتفعة.

العودة ليست خياراً والبقاء قد يؤدي للاحتجاز

مع ظروف أمنية معقدة وشروط معيشية غير إنسانية يغيب عن أذهان ذوي الإقامات المنتهية خيار العودة إلى سوريا، فيستبعد أنس المتخلف عن الخدمة الاحتياطية في صفوف جيش النظام السوري عودته، ويعتبر أن تخلفه عن الجيش يعد سبباً كافياً لتهديد سلامته، ولنفس السبب نفت ريم إمكانية عودة زوجها المتخلف عن الخدمة الإلزامية أيضاً إلى سوريا.

أما أحمد فعند سؤاله عما إذا كان يواجه تهديداً أمنياً في حال عودته إلى مدينته الواقعة تحت سيطرة النظام، فإنه أكد على انعدام الأمان في سوريا وغياب القانون، وقال: "مشكلة صغيرة لأي أحد مع عسكري في جيش النظام كفيلة باختفائه مباشرة".

تستمر الشبكة السورية لحقوق الإنسان برصد وتوثيق حالات اعتقال تعسفي للمدنيين من دون مذكرات قضائية تتحول بعضها إلى اختفاء قسري، كما يحدد تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا الصادر عن عام 2021 الاحتجاز التعسفي وما يتصل به من انتهاكات كأحد الأسباب الجذرية للنزاع المندلع منذ 11 عاماً، ومن دوافعه وسماته المستمرة، ووفقاً للتقرير تتصدر قوات النظام السوري قائمة أطراف النزاع الممارسة للاحتجاز التعسفي استنادا لشهادات امتدت من 2011 حتى عام 2020.

ويزيد صعوبة العودة تردي الوضع الاقصادي وسوء ظروف المعيشة، فيختصر أحمد الوضع بقوله: "سوريا لا تصلح للعيش والناس هناك في حالة الموت البطيء".

ووفقاً لتقارير أممية يعيش 90% من سكان سوريا حالياً تحت خط الفقر، مع محدودية الوصول إلى الغذاء والمياه والكهرباء والمأوى ووقود الطهي والتدفئة والمواصلات والرعاية الصحية.

وعلى الرغم من احتمالية تعرضهم للمساءلات القانونية أو التوقيف يفضل أصحاب الإقامات المنتهية البقاء في تركيا آملين أن تحل مشكلتهم بطريقة ما، وكأحد عواقب البقاء من دون تصريح إقامة يتحدث أحمد عن تجربته في الاحتجاز بإحدى مراكز الترحيل التي نقل منها إلى إحدى المخيمات بعد أن أوقفته دورية شرطية واكتشفوا انتهاء إقامته.

ويقول أحمد إن إجراءات ترحيله توقفت بعد أن أبرز أوراق شركته التي ما زالت قائمة في تركيا وأوراق المحكمة المتعلقة بدعوى الاعتراض على إيقاف الإقامة بالإضافة لأوراق تثبت إقامة عائلته في تركيا وهذا ما سهل خروجه من المخيم.

أما خيار الترحيل إلى مناطق سيطرة المعارضة في شمال غربي سوريا، فأكدت التقارير الصادرة عن المنظمات الإنسانية والحقوقية أن المنطقة ليست آمنة رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، حيث أكد الدفاع المدني أن قوات النظام وروسيا لم تتوقف عن مهاجمة المدنيين والمراكز الحيوية. ومنذ دخول قرار وقف إطلاق النار بإدلب في آذار 2020 حتى بداية العام الحالي، وثق الدفاع المدني أكثر من 2200 هجوم جوي ومدفعي على الشمال السوري، تسببت تلك الهجمات بمقتل أكثر من 340 شخصاً، من بينهم أكثر من 70 طفلاً، في حين أصيب من جراء تلك الهجمات أكثر من 1000 شخص.

ءؤرلاؤر
أكثر من ثلث أرباع الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر

حقوق إنسان

وفقاً لاتفاقية 1951 الخاصة بشأن اللاجئين يُعَرَّف اللاجئ على أنه "كل شخص يوجد خارج دولة جنسيته بسبب تخوف مبرر من التعرض للاضطهاد لأسباب ترجع إلى عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه لعضوية فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، وأصبح بسبب ذلك التخوف يفتقر إلى القدرة على أن يستظل بحماية دولته أو لم تعد لديه الرغبة في ذلك".

كما يتمثل المبدأ الأساسي للاتفاقية في عدم الإعادة القسرية، والذي يؤكد على أنه لا ينبغي إعادة اللاجئ إلى بلد يمكن أن يواجه فيه تهديداً خطيراً لحياته أو حريته، ويعتبر ذلك الآن قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي. بالإضافة إلى المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على حق كلِّ فرد في التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتُّع به خلاصًا من الاضطهاد.

واستناداً إلى ذلك يعتبر أي سوري في تركيا لاجئاً إليها بغض النظر عن نوع الإقامة أو الحماية التي يحملها طالما قد لجأ إليها بسبب تهديدات ما زالت قائمة بغض النظر عن نوع الإقامة أو الحماية التي يحملها.

وعن جهود منظمات المجتمع المدني، لم يرصد موقع تلفزيون سوريا أية حملات مناصرة لتسوية أوضاع المتضررين أو جهة تقدم الدعم القانوني لمتابعة قضايا رفض تجديد الإقامات، واقتصرت خدمات المنظمات على الاستشارات القانونية فقط التي لا تكفي لحل المشكلة.

وفي حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا طلب أنس إيصال صوته والعمل على حل المشكلة وليس الاكتفاء بجمع المعلومات وطرحها فقط كما هو حال قضايا السوريين على مدار 11 عاماً، وتضع قلة الثقة التي وصل إليها أنس وكثير من السوريين منظمات المجتمع المدني أمام مسؤولية ومساءلة تتطلب تحركهم الجدي لإيصال صوت المتضررين لصناع القرار وخلق الحلول.

تم إنتاج هذا التقرير بدعم من "JHR - صحفيون من أجل حقوق الإنسان"