ديناميكيات التقارب التركي الخليجي

تاريخ النشر: 17.09.2021 | 06:40 دمشق

آخر تحديث: 17.09.2021 | 06:41 دمشق

بعد فترة طويلة من التوتر منذ عام 2013 بسبب المواقف المختلفة من الربيع العربي وبسبب أزمة حصار قطر في عام 2017 ومشكلات أخرى نشاهد خلال الأسابيع الأخيرة حالة تتطور إيجابيا من التفاهم على اللقاءات والاتصالات التليفونية وتبادل السفراء والوعود الاستثمارية بين تركيا ودولة الإمارات على وجه التحديد.

كما أن التصريحات التي أعلنها الجانبان كانت تكرس هذه الإيجابية وعلى سبيل المثال تصريحات أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية حينها، في شهر يناير والتي أبرزت الرغبة الإماراتية في تحسين العلاقات "ما نريد أن نقوله لتركيا هو أننا نريد تطبيع علاقاتنا في إطار الاحترام المتبادل للسيادة".

كما صرح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بعد ذلك بالقول: "لا يوجد سبب يمنع تركيا من إصلاح العلاقات مع المملكة العربية السعودية. إذا اتخذوا خطوة إيجابية، سنفعل ذلك أيضًا، الأمر نفسه ينطبق على الإمارات".

كما تحدث وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة، عبد الله بن زايد آل نهيان، مع نظيره التركي في أول مكالمة من هذا النوع منذ نصف عقد.

في الحقيقة لم يكن الأمر مفاجئا لأن مسار الأحداث منذ اتفاقية العلا بين قطر وبقية دول الخليج الأخرى في يناير 2021 كان يؤشر نحو إمكانية حدوث اللقاء

وقد وقع أبرز حدث في هذا السياق في 18 من أغسطس، عندما التقى طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات، في تركيا بالرئيس رجب طيب أردوغان، وقد تتوج هذا الأمر في 31 من أغسطس/ آب، وتحدث أردوغان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان في مكالمة هاتفية نادرة. ووصف قرقاش، الذي يشغل الآن منصب مستشار دبلوماسي رئاسي، المكالمة بأنها "إيجابية جداً وودودة".

تفاجأ كثيرون بلقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، وفي الحقيقة لم يكن الأمر مفاجئا لأن مسار الأحداث منذ اتفاقية العلا بين قطر وبقية دول الخليج الأخرى في يناير 2021 كان يؤشر إلى إمكانية حدوث اللقاء.

وكان احتمال اللقاء وارداً بالرغم من الخلاف في عدة مناطق بين البلدين.

في البداية لنقسم مستوى التحليل إلى 3 مستويات، الأول المستوى الدولي، والثاني المستوى الإقليمي، والثالث هو مستوى الوحدة (الدولة).

إذا نظرنا إلى المستوى الدولي فإن هناك إدارة جديدة في الولايات المتحدة بقيادة بايدن وفريقه، وتحمل هذه الإدارة رؤية جديدة ومختلفة عن رؤية ترامب في عدد من الملفات وخاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط، ولعل اتفاقية العلا بين قطر وجيرانها كانت أحد أسرع الانعكاسات التي جاءت منسجمة مع رؤى الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. وقد كانت دولة الإمارات جزءا من هذه المصالحة الخليجية. حتى إن المحادثات السعودية الإيرانية السرية التي بدأت في بغداد قبل أشهر تأتي في هذا السياق.

هناك أمران مهمان فيما يتعلق بالإدارة الأميركية، الأول هو أن الإدارة الأميركية تريد تحقيق الهدوء والاستقرار في الشرق الأوسط، لأنها تريد التفرغ لما تراه تهديدا أكبر في شرق آسيا. ولهذا فإن الولايات المتحدة معنية بحصول المصالحات بين دول المنطقة وخاصة بين أصدقائها. وقد أدركت هذه الدول رؤية الولايات المتحدة بهذا الخصوص، وهو أمر تلاقى مع مصالح هذه الدول بتحقيق الهدوء.

التوجه لدى الولايات المتحدة يجعل الدول تعيد حساباتها من جديد، سواء الدول الإقليمية المعنية بدور أكبر في المنطقة أو الدول الصغيرة التي تعتمد على الولايات المتحدة للحفاظ على أمنها

أما الأمر الآخر فهو أن هناك توجهاً انسحابياً

من المنطقة للولايات المتحدة. وهو في الواقع لا يعد أمرا جديدا فهو قد رأيناه في عهد باراك أوباما وفي عهد دونالد ترامب. وقد رآه العالم كله بصورة أكثر وضوحا في أفغانستان في ظل قرار بايدن الانسحاب من أفغانستان حتى دون تحقق هدف إيجاد حكومة صديقة هناك. وقد أظهر هذا الانسحاب الأخير كم أن واشنطن حليف لا يمكن الوثوق به. ولهذا فإن هذا التوجه لدى الولايات المتحدة يجعل الدول تعيد حساباتها من جديد، سواء الدول الإقليمية المعنية بدور أكبر في المنطقة أو الدول الصغيرة التي تعتمد على الولايات المتحدة للحفاظ على أمنها. (وهنا ربما يوجد تداخل بين المستوى الإقليمي والدولي).

على المستوى الإقليمي يمكننا أن نقول إن حدة التنافس الإقليمي بين تركيا ودول الخليج قد تراجعت في العديد من الدول، وقد رأينا ذلك في عدة أماكن بسبب استعصاء انتصار طرف على الآخر وبسبب تعب جميع الدول من طول المنافسة. في ليبيا على سبيل المثال لم يستطع حفتر المدعوم من الإمارات السيطرة على طرابلس بسبب الدعم التركي القوي لحكومة الوفاق.

على مستوى المنافسة الإقليمية أيضا تخشى دول الخليج أن تؤدي عودة العمل بالاتفاق النووي إلى جعل يد إيران أقوى في الإقليم وبالتالي يدفعها هذا الأمر إلى إعادة التفكير في التقارب مع تركيا في ظل الانسحاب الأميركي الذي ذكرناه في المستوى الدولي.

إقليميا أيضا يمكن أن تفسر السرعة الإماراتية في التواصل مع تركيا لتهدئة العلاقات في سياق التنافس السعودي الإماراتي على التمثيل في الخليج الذي ظهرت ملامحه في عدة قضايا من أوبك إلى الموقف في اليمن إلى المراكز الإقليمية للشركات العالمية في الخليج.

وعلى مستوى الوحدة، هناك دوافع داخلية تدعو لترتيب الأوضاع الإقليمية ففي تركيا يسعى الرئيس التركي إلى تحسين الاقتصاد وهنا فإن دول الخليج تعتبر وجهة صحيحة حيث يوجد مليارات الدولارات التي يمكن أن تجد طريقها للاستثمار في تركيا. وفي الوقت نفسه فإن دول الخليج التي تراجع اقتصادها بسبب أزمة كورونا تبحث عن شركاء اقتصاديين مثل تركيا.

في الختام هناك عدة ديناميكيات سياسية وأمنية واقتصادية تدفع نحو التقارب بين تركيا ودول الخليج. هناك أجواء إيجابية بالفعل. لكن مازالت الثقة في مستويات منخفضة ويمكن أن تتحسن بالاجراءات العملية والخطوات المتبادلة على أرض الواقع.