icon
التغطية الحية

دمشق القديمة.. عمق حضاري وحاضر مُنفلت

2020.12.15 | 07:01 دمشق

swrt1.jpg
دمشق ـ خاص
+A
حجم الخط
-A

"لا تخافوا على دمشق من شارع شيكاغو بل خافوا عليها من دمشق 2020".

 هذا ما كتبه أحد الصحفيين السوريين في مقالٍ له على موقع "رصيف 22" بعد أيّام من صدور الصورة الدعائية لمسلسل "شارع شيكاغو".

المسلسل الذي اختزل مدينة دمشق في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي إلى شارعٍ واحدٍ يضجّ بالخمّارات والمشارب التي تكثر فيها أنماط الخلاعة والسلوكيات المستوردة ما أدّى إلى عكس صورة مشوّهة للهوية الثقافية والدينية الحقيقية للمدينة وسكّانها.

اقرأ أيضاً: بي بي سي و"حياة الليل" في دمشق

ولربّما لم يأتِ المتخيَّل الدرامي على هذه الشاكلة في المسلسل إلا ليعكس واقعاً من السطو والتعتيم والتهميش الذي تشهده الهوية الثقافية والدينية والمعمارية للمدينة الأقدم على وجه الأرض، ويأتي ذلك على إثر انتشار الملاهي الليلية و"البوبات" وعشرات البارات والخمّارات في مختلف أحيائها وشوارعها، لاسيّما تلك المشارب المتراصّة على طول الطريق الواصلة بين "باب توما" و"باب شرقي" (جوهرة دمشق القديمة وإحدى أقدم طُرقها)؛ طريق اشتهرت تاريخياً بازدهار سوق الشرقيات من نحاسيات وموزاييك ومشغولات يدوية، أمّا اليوم فيبدو أنّ هذه السوق التاريخية آخذة بالاندثار لحساب سوق جديدة يعتمد قوامها أشدّ ما يعتمد على بيع المسكّرات بأنواعها. فما أوجه هذا التحوّل الدمشقي؟ وكيف ينعكس على حياة أهالي المدينة؟ وهل تتحوّل عشرات المحال من بيع التحف والشرقيات إلى حانات وحوانيت لبيع المسكرات بمحض الصدفة؟

التحوّل.. "كي لا يكون محلّي نشازاً"

على مدّ عينيك والنظر ترى البارات والمشارب على جانبي الطريق الواصلة إلى عمق الأحياء الدمشقية انطلاقاً من قوس باب شرقي وصولاً إلى ساحة باب توما، يبيع القائمون عليها الكحول علانيةً للمارّة في الطرقات وعلى الأرصفة أو ضمن المحال في الداخل، تباع لمختلف الأعمار دون مراعاة للقوانين الرادعة؛ فتبدو تلك المحال، بالرغم من كثرتها وتشابه الخدمات التي تقدّمها، كقبلة للشباب والمراهقين المتكاثفين عليها بصورة غريبة.

 

 

قبل تسع سنوات من اليوم كانت هذه الطريق مقصداً لكلّ سائح أو زائر أو عابر سبيل مرّ صدفة في دمشق؛ فتكاد تعكس روح المدينة لما فيها من تنوّع معماري وثقافي: مساجد، كنائس، معالم سياحية، مكتبات، محال لبيع التحف الشرقية والنحاسيات، بيوت أثرية وتراثية. أمّا اليوم فباتت مقصداً للسكارى والمنحلّين وللشباب الهارب من ويلات الحرب المستمرّة والقمع الأمني.

ولمساءلة هذا التحوّل وفهم أسبابه وما يخفيه من أوجه وتحوّلات أخرى خفية، التقى موقع تلفزيون سوريا بـ "نادر" (58 عاماً)، مدرّس سابق في مدرسة المنصور الإعدادية، وصاحب مشرب/ بار، في باب شرقي. قبل أربعة أعوام فقط كان المشرب محلّاً لبيع التحف الشرقية (الأنتيكا). 

شاهد: هل ينجح النظام بتغيير ديموغرافية دمشق؟

عن سبب التحول يقول نادر: "قبل نحو عشرة أعوام كانت هذه المنطقة، التي تُعْرَف باسم دمشق القديمة وباب شرقي جزء منها، عامرة بنشاطات السياحة والسيّاح، ومنطقة جذب للأجانب خاصّة الذين يجيئون إلى هنا بغرض الدراسات الأثرية والإسلامية، أو الشرقية عموماً. وكان محلّ كمحلّي، يبيع مختلف أنواع الشرقيات والمشغولات اليدوية (موزاييك، بروكار، نحاسيات)، يَشهدُ يومياً عشرات الزيارات، ونادراً ما كان يخرج الزبون غير راض من هنا لما في المحلّ من تشكيلة تُحف نادرة ومتنوّعة".

يتابع نادر: "أمّا بعدَ اندلاع الحرب فقد تباطأت حركة السيّاح والدارسين الأجانب، حتّى انقطعت نهائياً في عام 2013، هذا عدا عن العقوبات التي أخذت تعرقل تجارة هذه التحف والتي كانت مزدهرة في السابق ولا سيّما التصدير إلى أوروبا والخليج. ولهذا كنت مضطراً إلى قَلْبَ المحلّ من محلّ لبيع الشرقيات إلى بار".

لماذا وقع الاختيار على البار؟

يعلل نادر بالقول: "أردت ألّا يكون محلّي نشازاً بين مُجمَّع البارات و(البوبات) هنا، وأعتقد أن هذا التكتّل للبارات في منطقة واحدة عاملاً مساعداً على الجذب كما كان الحال قبل سنوات مع محال بيع الشرقيات، إضافة إلى أنّ المشروبات الروحية مطلوبة هنا وبشدّة".

يبدو أنّ للواقع السوري دوراً أساسياً في دفع مُلّاك هذه المحال إلى تبديل مهنهم والاستعاضة عنها ببيع المسكرات ضمن بارات ونوادٍ وملاهٍ ليلية، بالإضافة لانتشار ثقافة شرب الخمور بين الشباب والمراهقين الذين يتعرّضون يومياً إلى جملة من الإيحاءات غير السوية التي تصوّر لهم شرب الخمور على أنّه فعل اعتيادي ومرغوب سواء في المسلسلات أو في البرامج التي تعرضها قنوات النظام.

باب شرقي.. باب "البارات"!

لم يكتف أصحاب "البوبات" والمشارب والمراقص في بباب شرقي بالحدود الطبيعية لمحلّاتهم؛ فأخذوا بنشر طاولاتهم على الأرصفة والشوارع في أيّام العُطل التي يكثر فيها الطلب من الزائرين على هذه المحال. كما ويضطرّ المارّة من هناك إلى معايشة دقائق معدودة من أجواء هذه السهرات؛ فمكبّرات الصوت تتكفّل في نشر موسيقا الاحتفال الضوضائية إلى أمتارٍ خارج المحلّ.

ومع تقدّم ساعات الليل وخروج السهارى من أماكن سهرهم، تبدو الشوارع الغاصّة بجلبتهم وصياحهم كما لو أنّها ما تزال في ساعات المساء الأولى، هذا إذا لم تدبّ المشكلات بين السكارى وتبدأ الجلبة بالتحوّل إلى صراخ وسباب يوقظ الموتى من موتهم.