خطاب الكراهية في المدارس التركية يخلق أزمة هوية لدى الأطفال السوريين

تاريخ النشر: 22.06.2022 | 07:15 دمشق

إسطنبول - مزنة عكيدي

لم تكف الأعوام الأحد عشر الماضية لتماهي الـ 3.76 مليون سوري في المجتمع التركي، ولم تكن كفيلة لتقبلهم كمكون جديد فرضته الظروف السياسية والجغرافية على تركيا. على النقيض أصبحت كلمة "سوريلي" وصمة أكثر منها هوية أو انتماءً، وعبئاً يعرض حامله للازدراء العلني من قبل المجتمع المضيف بنسبة يصعب تجاهلها ويتعذر الإنكار بأنها حالة عامة.

ولم يخف على الأطفال السوريين في تركيا رفضهم كـ "سوريين" في محيطهم، فاتخذوا إخفاء هويتهم جزئياً وسيلة لضمان أمانهم الاجتماعي والعاطفي، ولتجنب تعرضهم للإقصاء، فيجرهم الفرار من خطاب كراهية محتمل إلى الوقوع في أزمة هوية وهشاشة في الانتماء.

يعيش ما يقارب الـ 1.8 مليون طفل سوري تحت الحماية المؤقتة في تركيا وفقاً لإحصاءات دائرة الهجرة، 754 ألف طفل منهم ولدوا في مرافق الرعاية الصحية التركية وفقاً لوزير الصحة التركي وحتى تاريخ تصريحه في17 من آذار 2022.

وكشف وزير التربية التركي محمود أوزر، الشهر الفائت أن عدد الطلاب السوريين الذين يدرسون في تركيا يقارب المليون طالب.

Picture2.jpg
أعداد السوريين تحت الحماية المؤقتة في تركيا بحسب الفئات العمرية للذكور والإناث - موقع دائرة الهجرة التركية 

     

محمد طفل سوري في الصف الرابع من مدينة حلب يعيش في حي أسنيورت –أحد أكثر الأحياء اكتظاظاً بالسوريين في إسطنبول-  استغل انتقاله إلى مدرسة جديدة لإخفاء هويته عن زملائه ومعلمته، وساعده في ذلك طلاقته باللغة التركية كما تروي والدته مروة.

ويبرر محمد سلوكه أنه بذلك سيتمكن من المحافظة على صداقاته وعلاقته الطيبة مع معلمته التي يعتقد أنه سيخسرها عند الإفصاح بأنه سوري كما يقول.

ترجع مروة هذا التصرف إلى "وعي ابنها الزائد" وفهمه للأحداث المحيطة ومتابعته للأخبار على حد وصفها وتؤكد أن الأثر التراكمي لأحداث شهدها لعبت دوراً كبيراً لقيامه بإنكار هويته، وتستشهد مروة -على سبيل المثال لا الحصر- بمعايشة ابنها لأعمال عنف من قبل بعض الأتراك وتحطيم محال السوريين وهجومهم على منزل عائلة سورية مجاورة في عنتاب في الشهر السابع من عام 2017 وذلك في أثناء زيارته لأحد الأقارب. تقول مروة لموقع تلفزيون سوريا إن محمد عانى بعد هذه الحادثة من مشكلات صحية لفترة طويلة.

شهدت تركيا في فترات ومدن متفرقة هجمات لمواطنين أتراك على ممتلكات السوريين الخاصة على خلفية مشاجرات فردية أو أسباب أخرى وتحولت إلى أعمال شغب للتعبير عن رفض الوجود السوري في البلاد وانتهت بتحطيم بعض المحال السورية وإلحاق أضرار كبيرة بها.

 فتاة بهوية مزدوجة

على غرار محمد استغلت علا المقيمة في إسطنبول انتقالها إلى المرحلة الثانوية وتغير مدرستها لتقمص شخصية فتاة تركية من هاتاي، وتبرر علا لأصدقائها اسمها الغريب -كتركية- بأنه كذلك كونها من هاتاي.

توضح علا التي تبلغ 16 عاماً في حديثها لموقع تلفزيون سوريا بأن تخوفها الكبير من عدم قبولها كسورية بين زملائها جاء بعد أن سمعتهم مراراً يتحدثون بطريقة سيئة عن العرب وعن السوريين بشكل خاص، كما أنها تتابع منصات التواصل الاجتماعي وتشاهد هجوم العنصريين من الشعب التركي المستمر على السوريين.

وتقول علا: "لست مضطرة للإفصاح عن هويتي، ففي اللحظة التي سأخبرهم بأنني سورية سيتوقفون عن التعامل معي كإنسان"، وتضيف: "عندما كنت أخبر بعضهم بأنني من سوريا كانوا جميعاً يغيرون معاملتهم وكنت أقرأ تغير ملامحهم مباشرة، أما اللطفاء منهم فيخبرونني بأنني لا أبدو سورية كنوع من الإطراء".

التخلي عن الهوية في المدرسة لضمان السلامة

رغم اختلاف التفاصيل يشترك كل من محمد وعلا بالأسباب الرئيسية التي تدفعهما لإنكار هويتهما وهي الخوف من التعرض لخطاب الكراهية وازدراء الأقران لمجتمعهم الأصل والخشية من الإقصاء.

تقول الباحثة في الصدمات النفسية في مرحلة الطفولة والمعالجة النفسية في وزارة العدل التركية ستناي كافا لموقع تلفزيون سوريا إن كلاً من محمد وعلا مدرك بأن إخفاء الهوية السورية يضمن سلامته، وإن كليهما يرغبان بأن يكونا آمنين اجتماعياً وعاطفياً.

وتوضح كافا بأن كلاً منهما يهدف إلى الانتماء لمجموعة من الأصدقاء ويخشى التعرض لسوء المعاملة والاستبعاد، لذا يتخلى عن هويته جزئياً أي الوقت الذي يقضيه في المدرسة.

وتنبه كافا أن ذلك لن يكون إيجابياً على المدى البعيد، وسيلعب دوراً في ترسيخ اثنين من المعتقدات الأساسية في شخصية كل منهما مستقبلاً وهما:

  1. لا يمكن قبولي أو تقبلي من قبل الناس كما أنا
  2. لست بمأمن كما أنا - كسوري- ومن الممكن أن أتعرض للأذى

وتكمل كافا: "من المقلق تفكير أطفال بهذا السن بطريقة مماثلة، والأسوأ هو تعميم الأطفال لهذه الأفكار على أنفسهم وعلى وجودهم".

بالنسبة للأطفال تعتبر المدرسة المحيط الأساسي الذي يتعرضون فيه للتماس الدوري مع المجتمع التركي، لذلك أشارت كافا في حوارها مع موقع تلفزيون سوريا إلى دور المعلمين المهم في التخفيف من حدة خطاب الكراهية تجاه الأطفال على اعتبار أن المعلم هو الممثل الأول للسلطة في المدارس، وشددت على ضرورة عدم تجاهل المعلم لأي تنمر أو خطاب عنصري، وضمان مناقشة الموضوع مع الطفل المخطئ من دون العقاب المباشر وذلك منعاً للاحتقان والمزيد من الضغينة.

البيئة التعليمية في المرتبة الثانية لأكثر الأماكن تصديراً لخطاب الكراهية

على الرغم من أن استخدام التعليم كأداة في مواجهة خطاب الكراهية والتصدي له يعد من الالتزامات الرئيسية في استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية، يعتبر السوريون في تركيا البيئة التعليمية من أكثر الأماكن تصديراً لخطاب الكراهية، بحسب نتائج استطلاع رأي إلكتروني أجراه موقع تلفزيون سوريا، أتيحت فيه المشاركة لكلا الجنسين من السوريين المقيمن في مدينتي إسطنبول وغازي عنتاب –أكبر مدينتين من حيث تعداد السوريين في تركيا-.

وشارك في الاستطلاع 162 سورياً وسورية (أكثر من 90 في المئة منهم من النساء) وسمح للمشاركين في الاستطلاع بتحديد أكثر من إجابة عند السؤال عن أكثر الأماكن التي يكونون فيها هم أو أفراد أسرتهم عرضة لخطاب الكراهية.

ووفقاً لنتائج الاستطلاع حدد ما يقارب ربع المشاركين البيئة التعليمية كأكثر الأماكن مصدراً لخطاب الكراهية، لتكون في الترتيب الثاني بعد أن حظيت "الأماكن العامة" كالمواصلات والمتنزهات بالنسبة الأعلى.

 

Picture3.jpg

 

وفقاً لاستراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية، يعرف خطاب الكراهية على أنه "أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية".

ووفقاً للمادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "لا يجوز التمييزُ علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلاًّ أو موضوعاً تحت الوصاية أو غير متمتِّع بالحكم الذاتي أم خاضعاً لأي قيد آخر على سيادته"، كما تحظر الجزئية الثانية المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

لطالما كان خطاب الكراهية حالة مرافقة لموجات الهجرة واللجوء تحدد شدته عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية في البلد المضيف، ولكنه يبقى انتهاكاً حقوقياً خصوصاً عندما تكون ضحيته أطفالاً لم يكونوا أصحاب القرار في اللجوء أو الولادة في بلاد غير بلادهم.

 

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من "JHR" صحفيون من أجل حقوق الإنسان

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار