حيثيات الرد الأميركي على ميليشيات إيران

2024.02.06 | 07:03 دمشق

ميليشيات إيرانية على الساتر الحدودي بين العراق وسوريا – AFP
+A
حجم الخط
-A

لم تكن الولايات المتحدة الأميركية في عجلة من أمرها للرد على الهجوم الذي استهدف قاعدتها العسكرية (البرج 22) شمالي الأردن، في 28 يناير/ كانون الثاني الفائت، فبعد أقل من أسبوع شنّت قاذفاتها هجمات على عدة مواقع لميليشيات إيرانية في العراق وسوريا، ضمن إطار حملة عسكرية ضدها، قد تمتدّ أياماً، وتريد الإدارة الأميركية منها أن تظهر للعالم أن ردها ليس فقط انتقاماً على مقتل ثلاثة من جنودها وجرح عشرات آخرين، بل أيضاً من أجل التأكيد على أنها ما تزال قوة رادعة لكل من يحاول استهدافها، والنيل من قيادتها في منطقة الشرق الأوسط.

كذلك، لم تذهب الإدارة الأميركية في ردها الانتقامي، المدروس جيداً، إلى استهداف إيران بشكل مباشر، على الرغم من أن العديد من المسؤولين في الإدارة الأميركية، وجّهوا الاتهام مباشر إليها بالوقوف وراء الهجوم على القاعدة الأميركية وحملوها مسؤوليته، وتوعدوا بأن الرد العسكري الأميركي سيكون قوياً و"متعدد المستويات، ويأتي على مراحل، ويستمر بعض الوقت"، لكنهم وبُعيد تنفيذ الهجوم الانتقامي، سارعوا إلى طمأنة إيران بأن هجماتهم لن تستهدفها مباشرة.

تعكس طبيعة الرد الأميركي ارتباك إدارة الرئيس بايدن وتناقض مواقفها، فمن جهة أولى، أرادت تأكيد قيامها بالرد العسكري على مواقع الميليشيات، لكنها من جهة ثانية لا تريد أن يتطور ردها إلى مواجهة مفتوحة مع النظام الإيراني.

فالرئيس الأميركي جو بايدن، لم يفوت فرصة إلا وتحدث عن أن بلاده لا تريد اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، وبالتالي جاء ردها محسوباً، ومنزوعاً من أي تداعيات فائضة، وانحصر هدفه في إيصال رسالة للداخل الأميركي بأن إدارة بايدن ليست ضعيفة أمام إيران كما يحاول الجمهوريون تصويرها، وأنها حاسبت مَن تسبب في مقتل جنودها، خاصة أولئك الذين ينتشرون خارج الولايات المتحدة، وبما يعيد هيبتها التي تأثرت كثيراً، نظراً إلى عدم ردها بشكل قوي على الهجمات السابقة، التي طالت القوات الأميركية في سوريا والعراق، وتجاوز عددها 160 هجوماً منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي استهدفت معظم القواعد العسكرية الأميركية بينها قواعد مهمة ومحصنة مثل قاعدة "عين الأسد" الجوية غربي العراق، وقاعدتي "العمر" و"كونيكو" شرقي سوريا، وقاعدة "التنف" على المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، فضلاً عن الهجمات التي ينفّذها الحوثيون في اليمن ضد السفن والبوارج الأميركية وسواها في البحر الأحمر.

يبدو أن ما يشبه تفاهماً غير معلن جرى بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، إذ أوعز الأخير إلى الميليشيات الطائفية التابعة له في سوريا والعراق، بأن تتخذ خطوات تراجعية، عبر تعليق ميليشيا "كتائب حزب الله" عملها العسكري، والإعلان عن عدم قيامهم بالرد على أي ضربة عسكرية أميركية لها، وإشاعة سحب ضباط وعناصر لـ"الحرس الثوري" من سوريا.

كل ذلك مقابل إفراغ الرد العسكري من أنيابه، سواء في عدم استهداف إيران أو في التريث الأميركي، الذي أتاح للميليشيات إفراغ مقارها، وإعادة انتشار عناصرها، وربما أخذت العلم مسبقاً بموعد ومكان الضربات الأميركية، الأمر الذي يفسر أن معظم ضحايا الرد الأميركي كانوا من المدنيين العراقيين والسوريين..

كل ذلك مقابل إفراغ الرد العسكري من أنيابه، سواء في عدم استهداف إيران أو في التريث الأميركي، الذي أتاح للميليشيات إفراغ مقارها، وإعادة انتشار عناصرها، وربما أخذت العلم مسبقاً بموعد ومكان الضربات الأميركية، الأمر الذي يفسر أن معظم ضحايا الرد الأميركي كانوا من المدنيين العراقيين والسوريين، وبما يتسق مع أنهم كانوا على الدوام ثمن المناوشات الأميركية الإيرانية.

في المقابل، يتسق الرد الأميركي المدروس مع توجهات في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لا تحبذ فتح مواجهات عسكرية جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ولا توسيع الصراع الدائر فيها، وذلك في ظل النقاش الأميركي حول استكمال الانسحاب العسكري من المنطقة، خاصة من العراق وسوريا.

إضافة إلى أن عدم توسيع دائرة الصراع، يعني أن توفر الولايات المتحدة لإسرائيل كل ما يلزمها كي تركز جهودها في الحرب على غزة، من أجل أن تمعن في إبادة وتهجير الفلسطينيين فيها، وهو أمر يسعى النظام الإيراني التكسب من ورائه، عبر لجم "حزب الله" اللبناني، ومنعه من الخروج عن قواعد المناوشات على الجبهة اللبنانية مع إسرائيل، وترك حماس وحدها، خارج وحدة الساحات الزائفة، في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أميركياً.

إضافة إلى أن النظام الإيراني تبرّأ، وعلى لسان مرشده الأعلى، من مسؤولية أي هجمات تفعلها الميليشيات التابعة له، وأصرّ على أن هذه الميليشيات التي يمولها ويسلحها ويدربها، مستقلة القرار السياسي والعسكري، وأن ما تفعله مرتبط بشكل مباشر بالموقف الأميركي من الحرب الإسرائيلية على غزة، وكرد فعل على الدعم الأميركي لما ترتكبه إسرائيل من جرائم فيها، حيث يقدم انحياز الولايات المتحدة المطلق إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي الأرضية، والذريعة، للنظام الإيراني كي يحقق مكاسب في المنطقة على حساب دماء أهل غزة، في حين أن مناوشاته وتحرشاته بالوجود الأميركي في المنطقة لا علاقة لها بالحرب الإسرائيلية الإجرامية على غزة، بل بمشروعه التوسعي بالمنطقة، والذي تتواطَأ معه إدارة بايدن في هذا المسعى.

تذهب معظم التكهنات والتقديرات إلى أن الإدارة الأميركية في مأزق حقيقي، لأن ردها لا يتوقع أن تترتب عليه إحداث معادلات جديدة في المنطقة، وقد لا تتغير الأمور كثيراً بالنظر إلى عدم اختلافه كثيراً عن ردودها السابقة، حتى وإن نفّذت الولايات المتحدة ضربات جديدة على الشاكلة نفسها، الأمر الذي يعني العودة إلى سلوك قواعد التحرشات والاشتباكات القديمة نفسها، واستمرار استهداف أماكن وجودها العسكري في المنطقة، لأن إيران تحاول الدفع باتجاه تعجيل انسحاب أميركي محتمل من سوريا والعراق، بغية إحلال ميليشيات تابعة لها محله.

يمكن القول إن حيثيات الرد الأميركي المدروس جاءت متوافقة مع التوظيفات التي أرادتها إدارة بايدن، ولن تشكّل تداعياته أي إحراج للنظام الإيراني، فالطرفان مستفيدان مما يجري في المنطقة، لذلك سيستمران فيما حرصا عليه سابقاً..

ويشهد على ذلك أن فراغات القوة التي حصلت سابقاً في المواقع التي انسحبت منها في كل من العراق وسوريا، استفادت منها إيران كي تشغلها بميليشياتها، لذلك لم يكن الهجوم على القاعدة العسكرية في الأردن، بعيداً عن أجواء النقاش الدائر في الأوساط السياسية الأميركية حول استكمال سحب القوات الأميركية من العراق، والمفاوضات التي تجري بين الإدارة الأميركية والحكومة العراقية لاستكمال الانسحاب الأميركي.

يمكن القول إن حيثيات الرد الأميركي المدروس جاءت متوافقة مع التوظيفات التي أرادتها إدارة بايدن، ولن تشكّل تداعياته أي إحراج للنظام الإيراني، فالطرفان مستفيدان مما يجري في المنطقة، لذلك سيستمران فيما حرصا عليه سابقاً، ومواصلة الحرص على عدم الاشتباك المباشر، وخاصة من طرف نظام الملالي الإيراني، رغم أنه لن يكفّ عن استخدام أدواته الميليشياوية في المنطقة لتنفيذ مخططاته، والتي يستخدمها وقوداً لمشروعه التوسعي في المنطقة.