حيادية المجتمع المدني؟

تاريخ النشر: 28.04.2018 | 12:04 دمشق

خلال السنوات الماضية من عمر الصراع السوري، روّج ناشطون فاعلون في مؤسسات المجتمع المدني السورية لفكرة حيادية عمل مؤسسات المجتمع المدني عن السياسة، كما آثر بعض النشطاء السياسيين، ممن لهم تجربة لا بأس بها في العمل السياسي، قبل الثورة، الانسحاب من العمل السياسي، والانخراط في بناء منظمات مجتمع مدني، انطلاقاً من قناعة لديهم بأن العمل السياسي خلال الحرب محكوم بشرط الحرب نفسه، وبالتالي فإنه لا جدوى فعلياً من العمل السياسي، خصوصاً بعد انخراط القوى الإقليمية والدولية في المسألة السورية، وتحوّلها من مسألة وطنية صرفة، هدفها التغيير الديمقراطي، إلى لعبة أمم، اتخذت من الأرض السورية مسرحاً لها، وحوّلت السوريين إلى مجرد بيادق محلية.

انضم إلى مؤسسات المجتمع المدني السورية نشطاء كانوا قد عملوا في التنسيقيات خلال الأعوام الثلاث الأولى من عمر الثورة، وهم من الذين تركوا الساحة السورية، بفعل قمع النظام، واعتقاله لأعداد كبيرة من نشطاء التنسيقيات، وقد استقر الناشطون الخارجون من سوريا في دول الجوار (لبنان، الأردن، تركيا)، ووجدوا في مؤسسات المجتمع المدني الناشئة حديثاً تعويضاً عن نضالهم السابق داخل البلاد، خصوصاً في ظل الاحتياجات الكبيرة على المستوى المدني، من مثل مؤسسات الإغاثة، والتوثيق، وتمكين المرأة، والقضايا الحقوقية، والتعليم، وغيرها من القضايا المرتبطة بأزمنة الحرب.

وليس خافياً على أحد من العاملين في الشأن العام السوري أن تمويل منظمات المجتمع المدني السورية هو من جهات أممية وأوروبية وأمريكية، لكل جهة منها تصور خاص بالقضية السورية، وبعيداً عن الدخول في تفاصيل شروط التمويل التي تفرضها الجهات المانحة، إلا أنَّ فكرة التمويل الخارجي، تفنّد بشكل أو بآخر مسألة الحياد الكلي لمنظمات المجتمع المدني، مع عدم إغفال نقطة موضوعية في هذا السياق، وهي أن المجتمع الدولي لديه مسؤولية كبرى عما يجري في سوريا، لكن هذه النقطة هي الأخرى لا تصب في دعم رأي من يعتبرون منظمات المجتمع المدني حيادية، إذ لا يمكن من حيث المبدأ القول بأن المجتمع الدولي الذي يغذي عبر تناقضاته استمرار الكارثة السورية هو ذاته من يسعى إلى تخفيف آلامها، إلا إذا اتسمنا بنوع من السذاجة التي يمكن أن تقنعنا بالفصل بين الأجندات لدى أصحاب القرار في الدول الكبرى، أو إمكانية الفصل بين الشقين السياسي والإنساني فصلاً مطلقاً.

"هل الدعوات التي تظهر بين حين وآخر، والداعية لحيادية المجتمع المدني، هي دعوات بريئة، أم يراد من خلالها الاعتراف بضرورة تبني نوع من أنواع الواقعية السياسية"

إنَّ الخلط المتعمد بين المجتمع المدني وبين مؤسسات المجتمع المدني لمصلحة المؤسسات هو خلط هدفه الرئيس تأكيد حيادية تلك المؤسسات، لكن من الناحية النظرية/ المعرفية فيه تقزيم كبير للمجتمع المدني بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الفضاء العام، أي فضاء نقاش القضايا الأساسية لأي مجتمع، فالأساس هو الفضاء العام المؤسس للحياة العامة بشقها السياسي والمدني في آن، والمؤسسات ما هي إلا تعبير من تعبيرات مستوى الجدل الفكري والسياسي والقانوني للمجتمع المدني.

وإذا عدنا للتاريخ السوري القريب جداً، وواحدة من لحظاته المفصلية، المتمثلة بالتوريث، وقدوم بشار الأسد إلى سدّة الحكم، وإطلاق خطاب، سُمي إصلاحياً وقتها، تضمن إشارة إلى الحوار والديمقراطية وضرورة التغيير، فإن تلك اللحظة شهدت انخراطاً واسعاً من قبل سياسيين وناشطين ليبراليين وأكاديميين من أجل نقاش القضايا الأساسية في حقل الشأن العام السوري، وقد أتت المنتديات لتكون الصيغة الأبرز لذلك النشاط، والتي شهدت حوارات جدية حول ضرورات التغيير وآلياته، والعلاقة بين السلطة والمعارضة، وكيفية الانتقال المتدرج من نظام قائم على حكم الحزب الواحد إلى نظام ديمقراطي تعددي.

على الرغم من كون تلك المنتديات هي إحدى صيغ المجتمع المدني، بل يمكن اعتبار بعضها مؤسسات، بعد أن شهدت نوعاً من الهيكلة، كما في منتديي "رياض سيف" و"الأتاسي"، إلا أنها لم تكن منتديات حيادية، بل كانت ذات أهداف واضحة، بل يمكن القول من دون أية مبالغة، أنها كانت منحازة لطرف دون طرف، فقد وقفت بشكل واضح مع مطالب واستحقاقات التغيير، والتي ناضلت من أجلها الأحزاب المعارضة، منذ سبعينيات القرن الماضي.

كان الحراك المدني لناشطي "ربيع دمشق" بداية تأسيسية جديدة للمجتمع المدني، والذي هيمنت السلطة على نقاباته واتحاداته وجمعياته، وعرقلة نموه، وحوّلته إلى تابع من توابع السلطة التنفيذية، وخادماً للنخبة الحاكمة، وللبيروقراطية السورية، وجاء "ربيع دمشق" ليحدث خرقاً في الفضاء العام، وليطرح من جديد أهمية بناء المجتمع المدني، ليكون مقدمة للتغيير السياسي، وهو ما أخاف السلطة السياسية، وجعلها تتخذ خطوات سريعة لوأد المجتمع المدني الناشئ، وزج بعض قياداته في السجون.

إذن، هل الدعوات التي تظهر بين حين وآخر، والداعية لحيادية المجتمع المدني، هي دعوات بريئة، أم يراد من خلالها الاعتراف بضرورة تبني نوع من أنواع الواقعية السياسية، التي يمكن أن تتعامل مع استمرار السلطة السياسية في الحكم؟

إن منظمات المجتمع المدني السورية، وهي منظمات غير حكومية، لكنها أيضاً ليست طوعية، بل إنَّ معظم أعضائها يتقاضون رواتب منتظمة، بوصفهم موظفين فيها، وليس بوصفهم متطوعين، إذن كيف يمكن لتلك المؤسسات أن ترفض ميلاً سياسياً دولياً، قد يتبنى في لحظة من لحظات التوافق الدولي، بقاء السلطة السياسية في الحكم؟

إن حيادية منظمات المجتمع المدني هي مقولة ساذجة، وتعبّر بشكل من الأشكال عن ميل انتهازي، خصوصاً في ظرف معقد كما الظرف السوري، حيث أصبح السوريون، من أحزاب وهيئات ومؤسسات وغيرها من هياكل، مجرد أدوات وظيفية لقوى إقليمية ودولية، لكن هذا لا ينفي وجود تراكمات حدثت في بعض مؤسسات المجتمع المدني السورية يمكن البناء عليها، كما لا يجب أن يفهم من مناقشة حيادية مؤسسات المجتمع المدني ميلاً نحو التخوين، بل على العكس من ذلك، هي دعوة لإعادة طرح المفاهيم، وإعادة فرز العمل في الفضاء العام، وإعادة الاعتبار للسياسة وقضاياها العامة الكبرى، والتي سرقت لمصلحة الحرب والعسكرة والمجتمع المدني، فالسلطة السياسية الحاكمة في سوريا، كما كل السلطات الاستبدادية، لا تعادي أي شيء قدر معاداتها للسياسة.