icon
التغطية الحية

حملة "حتى آخر خيمة" أكبر من هدم 500 خيمة.. دروس وعبر مستخلصة

2022.01.28 | 10:45 دمشق

fj3m6l6xeaapcrc.jpg
حلب - ثائر المحمد
+A
حجم الخط
-A

لم يكن أفراد "فريق ملهم التطوعي" يتوقعون هذا النجاح اللافت لحملة "حتى آخر خيمة" الهادفة إلى نقل العائلات النازحة من خيام لا تقي برد الشتاء أو حر الصيف، إلى منازل يمكن أن تعوضهم شيئاً من حقهم الطبيعي بالعيش في منزل، وتنسيهم مرارة ما كابدوه خلال سنوات مضت.

فريق ملهم لم يحضر للحملة بالمطلق، ولم يكن بوارد إطلاقها لولا مناشدة سيدة سبعينية ترفع أكفها للسماء، قائلة "يا ابني الله أرحم الكل"، بعد أن تهدمت خيمتها وحوصرت بالثلوج. هذه المناشدة كانت شرارة للحملة التي ستغير حياة 500 عائلة نحو الأفضل، لتكون عازلاً يفصل بين الثلوج وأجساد الأطفال النحيلة المنهكة.

مضوا تاركين أسباب تعاستهم

من داخل خيمة منصوبة في مخيم بريف حلب الشمالي، هو المخيم ذاته الذي كانت تقطن فيه الحاجة نديمة صاحبة المناشدة، أطلق فريق ملهم التطوعي بثاً مباشراً على صفحته في فيسبوك لجمع 400 ألف دولار تكفي لنقل 100 عائلة، لكن الإقبال الشديد على التبرع شجع الفريق لتمديد الحملة حتى المليون دولار.

 

IMG_20220124_122344-logo.jpg

 

انتقلت خيمة البث مع عشرات العائلات التي تقطن في المخيم إلى قرية أوتاد السكنية.

 

 

بعد جمع المليون تابع الفريق حملته ليصل إلى الهدف النهائي فجر اليوم الجمعة، ويجمع مليوني دولار أميركي بعد 5 ليال من البث المباشر المستمر، الذي استضاف فيه الفريق فنانون ومؤثرون على السوشال ميديا وناشطون وشخصيات سورية وعربية.

 

 

يكفي المبلغ المجموع لنقل 500 عائلة من الخيام إلى منازل مجهزة بكل ما يلزم.

 

 

بث فريق ملهم مشاهد لنقل العائلات من مخيم بريف حلب الشمالي إلى منازل يمكن أن يعيشوا فيها حياة كريمة، وكانت علامات الفرح واضحة على وجوه هؤلاء الأشخاص، صغاراً وكباراً، أطفالاً ونساء.

 

 

ونشر الفريق صورة لطفل يحمل معه لعبته فقط، وعلق بالقول: "حتى الأطفال.. ما حملت معها غير أسباب سعادتها، وتركت التعاسة وراها ومشيت".

 

 

وقال في منشور آخر "اليوم في أطفال عرفت معنى البيت لأول مرة، اليوم ما رح تنام على أرض ترابية، وما رح تخاف من عاصفة تسبب هدم خيمتها فوق راسها..عملنا المستمر من سنة وللآن بالمشاريع السكنية وقسم المأوى، نتيجته العظيمة هي اليوم بفضل الله ودعمكم وجهود كل شخص أسهم ببناء المشروع".

وأضاف "كم مرّة ناموا يتخيّلون هذا اليوم؟ كم مرّة ظنّوه مستحيلاً؟ كم مرة طلبوه؟.. هذه هي المرة الأولى، التي لا تشكّل فيها أجوبة الأسئلة حزناً لنا، بل أملاً وفخراً، لأن ذلك كله انتهى!".

التفاعل والتكاتف.. وقود الحملة

كانت هذه الحملة الأولى من نوعها في الداخل السوري من ناحية الفكرة والتنفيذ والهدف، لذلك كان التعاطي معها إيجابياً بنسبة كبيرة، لأن هدفها واضح وأثرها ملموس وفعّال، وفيها الدواء لداء لطالما عانت منه كل عائلة اتخذت من الخيام مسكناً لها.

الدعم الذي حظيت به الحملة من الفنانين السوريين كان أيضاً عاملَ نجاح كبير، خاصة أن من دعهما هم فنانون عرف عنهم الوقوف إلى جانب السوريين، ودعم مطالبهم في الحرية والكرامة، والمساهمة في مختلف الحملات المتضامنة مع المهجرين والمعتقلين، ومنهم الفنان عبد الحكيم قطيفان، والفنان مكسيم خليل وزوجته الفنانة سوسن أرشيد، والفنان جهاد عبدو، والفنانة يارا صبري.

ترحيب وحفاوة بإنجاز "ملهم"

احتفى الآلاف من السوريين بالإنجاز الذي حققه فريق ملهم التطوعي، ومنهم الصحفي مسلم السيد عيسى، حيث قال: "كشفت حملة فريق ملهم تماسك المجتمع السوري وأنّ البحصة تسند جرّة فعلاً".

وأضاف في منشور على صفحته في فيسبوك "قرابة 11 ألف متبرع أسهموا بتذليل صعوبة (المليون دولار) عبر مساهمات بسيطة بدأت من 5 دولار! لكن الحملة بالمقابل كشفت، أو ربما أكّدت أن غالبية المؤثّرين السوريين عالقون في عروشهم الوهمية.. بعيدون عن آلام أهلهم... يخافون كلّ شيء.. يعيشون في وهمٍ عظيم صَنَعه المتبرِّعون والمتبَرّع لهم أنفسهم".

 

 

المصور السوري عمر حاج قدور، قال بدوره "فريق ملهم التطوعي من أهم وأبرز الفرق والمنظمات العاملة في المجال الإنساني، استطاع أن يرسم البسمة ويحفظ ويصون كرامة الإنسان.. أبدع من يعمل في هذا الفريق في اختيار المشاريع التي تساعد الإنسان المحتاج المتضرر جراء الحرب بطرق رسمت البسمة على وجه من قَدَمَ التبرع ومن قُدِمَ له. هالصفات يلي ذكرتها اجتمعت بروح الشباب الثائرين الأحرار العاملين بهالفريق".

 

 

دروس مستخلصة

  • قدرة الشباب السوري الفائقة على الحشد والتنظيم والمناصرة لقضيتهم، وهذا مؤشر مهم للمستقبل الذي يتطلب الكثير من ذلك.
  • الشعوب العربية ما زالت تنبض بالقضية السورية والأزمة الإنسانية الحاصلة فيها، وبدا ذلك واضحاً جلياً بحجم التبرعات المقدمة من الفلسطينيين الذين تصدروا قائمة الأعلى تبرعاً.
  • التبرعات الصغيرة تصنع فارقاً وتحدث أثراً عندما تكون منظّمة وغير عشوائية.
  • السوريون قادرون على تبديد الصعوبات وابتكار حلول تنهي مأساة مئات آلاف النازحين، وتطبيقها على أرض الواقع.
  • التكاتف والتناغم بين سورييّ الداخل والخارج يمكنه أن يذلل الكثير من الصعاب ويكسر حاجز المستحيل.
  • اللهفة وحب المساعدة ما زالت متجذرة في نفوس اللاجئين السوريين في الخارج، لكنهم بحاجة لآلية عمل واضحة شفافة لترجمة هذه النوايا إلى أعمال يستفيد منها مئات الآلاف.
  • وجود فرق تطوعية ذات شفافية عالية وسمعة مميزة ونجاحات واضحة، تشجع المتبرعين للوصول إلى المستفيدين.
  • الانتقاد والتعليقات السلبية بل وحتى التخوين لا يسلم منها أحد، لذا الأفضل التركيز على الهدف والمشروع طالما أن القائمين عليه والمتبرعين له مؤمنون بجدواه، ولم يقدم أي من المعترضين أصغر الدلائل على ادعاءاتهم.
  • يجب التركيز على الحراك المدني المجتمعي بعيداً عن بيروقراطية المؤسسات والمنظمات الدولية، التي تذهب غالبية أموال المتبرعين فيها لمصاريف تشغيلية، وكأنها شركات استثمارية.
  • "لا يحن على العود إلا قشره" و"البحصة تسند جرة".

رصيد كبير غير مفعّل 

يقول الناشط والمدون السوري معتز ناصر، إن اللاجئين والمغتربين السوريين، هم رصيد كبير غير مفعّل، مضيفاً "ما يزال لدينا ورقة رابحة أظن أنها لمّا تأخذ دورها بعد في دعم الثورة، ألا وهي ورقة المغتربين".

وتابع "لا يزال كثير ممَّن يؤمن بفكرة الثورة السورية موجود في دول الخليج وتركيا وأوروبا، ويمتلك دخلاً جيداً جداً مقارنة بمن هو في الداخل، ولو أن كل شخص من المغتربين الثوريين تبرَّع بمعدل خمسة بالمئة من دخله لصالح شخص يثق به داخل سوريا، لأسهم ذلك في دعم صمود الشعب السوري الحر المكلوم".

ونوه ناصر إلى ثلاث نقاط بهذا الخصوص:

  •  المعني الأول بإنهاء عذابات السوريين ليس المنظمات الإنسانية التي لا ننكر جهدها، إنما الفصائل العسكرية التي يحتم واجبها واختصاصها عليها تحرير البلد، بما يضمن إسقاط النظام وإيقاف آلة القتل والتهجير، ثم السياسيون الثوريون الذين يجب عليهم صون ثمرة النضال العسكري واستثمارها كأفضل ما يمكن.
  •  مشكلة السوريين في الشمال السوري المحرر قسم كبير منها حوكمي، وهذا أمر يمكن تجاوز جزء لا بأس منه عبر توصيف العلاقة مع الحليف التركي، وإنهاء شرذمة التبعيات الإدارية الخارجية، وإيجاد منظومة حوكمية تنافس التي عند النظام وتسلبها شرعيتها.
  •  للمغتربين السوريين دور كبير في دعم أهلهم بالداخل اقتصاديا، ولوجستيا، وحتى علميا عبر تأمين منح دراسية، وافتتاح مدارس ومعاهد وجامعات في الداخل، وأيضا افتتاح مشاريع صناعية، وزراعية كبيرة، والضغط على الدول للسماح بتصدير منتجات المحرر للعالم الخارجي.

بدوره ذكر الباحث محمد السكري، أن ‏حملة فريق ملهم تعيد الآمال بقدرة السوريين على التحرر من رأسمال الدول التي تلعب بالملف السوري.

وقال: "ربما سيأتي اليوم الذي نرى فيه حملات لدعم جبهة سورية وطنية مستقلة ولها استقلال اقتصادي يمنحها قدرة على فرض واقع جديد أو التأثير به".

ماذا عن الحملات الكلاميّة ضد المبادرات التطوعية؟

قال الكاتب والباحث محمد خير موسى، إن الأصل في الذين يتصدّون لأعمال الإغاثة لا سيما في أوقات الأزمات أنّهم على ثغرٍ عظيمٍ وعملهم مع إخلاص النيّة هو من أجلّ الأعمال وأعظم القربات.

وأضاف في تغريدات على تويتر "وجود خلل في أعمال بعض الجهات الإغاثيّة أو سوء إدارة أو سوء أمانة في بعضها الآخر لا يُحلّ ولا يبيحُ مهاجمة الجهود الإغاثية عموماً أو اتهامها أو التشكيك في نزاهتها، ولا يفعل ذلك أهل المروءات والصدق، ومن ينتهج هذا النهج التشويهي فقد جمع بين منع الخير والعدوان بالباطل والإثم".

 

 

وأشار إلى أن التقليل من جهد الفرق الإغاثيّة، والسخرية من أفعالهم، والتّشكيك بنياتهم، هو من أبشع الأعمال المحرّمة، وهو دلالة على مرض أخلاقي خطير، موضحاً أن "من طعنَ فريقاً أو مبادرة معيّنة في نزاهتها أو أمانتها أو أدائها فالواجب عليه شرعاً أن يقدّم على كلامه أدلّةً ناصعةَ الوضوح كالشمس.

وأردف: "من وجّه التهم دون أن يبرز أدلة واضحة فإن كلامه يندرج تحت قول الزور وشهادة الزور وهذا من أكبر الكبائر"، كما أشار إلى أنه "من حق الناس أن تسأل الفرق الإغاثية أين ذهبت الأموال التي جمعوها، لكن على أن يكون السؤال للاستفهام والاستعلام الذي دافعه الحرص وتقدير الجهد والحرقة على الناس المستهدفين بحملات التبرع، أما الأسئلة التشكيكية فهي نوع من الطعن واللمز الذي يرفضه الإسلام وتأباه النّفوس الرّاقية والطباع السليمة".

وختم: "من واجب الفرق والجمعيات والمبادرات الإغاثية أن تكون ذات شفافية عالية في عملها، وتقدم للجمهور خلاصات أعمالها وحملاتِها، وأقترح على هذه الجهات أن تقوم بما يشبه مؤتمراً صحفيّاً عقب الانتهاء من أية حملة تستعرض فيه أهداف حملتها وأهم ما وصلها من دعم وكيف تم إنفاقه من باب التبيين دون الدخول في أية مهاترات مع المشككين والطاعنين، وأوصيهم أن تتسع صدورهم وأن يصبروا على الأذى فإن ذلك من عزم الأمور".