حصاد 2020.. نظام الأسد يواجه أزماته بالخطابة والهروب إلى الأمام

تاريخ النشر: 31.12.2020 | 17:46 دمشق

إسطنبول ـ فؤاد عزام

أوشك العام 2020 على العبور إلى التاريخ، وقد أصبح لدى السوريين نهاية عقد تجاوز ثقل سنواته مرارة عقود سابقة جثم خلالها آل الأسد على صدورهم، وأداروا خلالها عجلتها إلى الوراء، وأخرجوها من سياق التطور الإنساني والحضاري، ليزيد العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من حجم الكارثة، ويدخل البلاد في نفقٍ يبدو الضوء في نهايته خافتاً باهتاً، لا ينفرد نظام الأسد بإعاقة رؤيته فقط، بل أيضاً جيوش عبرت الحدود والقارات من القوقاز وسيبيريا وبلاد فارس لتتمكن من عاصمة الأمويين وبيت جميع السوريين، وتمكن النظام منها، وتُدمِّر بيوت الأهالي، وتبعدهم عنها أو تقتلهم وتحبسهم، وتنهب أملاكهم وتغتصب نساءهم.

"المنتصرون" الذين يستقوي بشار الأسد بهم ويضرب السوريين بسيفهم، لم يجعلوا البلاد ركاماً بمشاركة عصابته فحسب، بل دفعه ازدياد مطالباتهم بالأثمان العينية لحمايتهم له خلال العام 2020، لأن يبحث عن مخرج لتأمين المبالغ المطلوبة بأن اتبع طريقين: الأول بأن انقض على رجال أعماله ممن أثرَوا خلال الحرب وقبلها ومن بينهم ابن خاله رامي مخلوف، وهي الثروات التي نهبوها من البلاد، والثاني زيادة الضغط على الأهالي لاستنزافهم؛ بأن ازدادت أوضاعهم المعيشية سوءاً وانهارت معه البنية العامة لمقومات الحياة الأساسية.

ولعل من أبرز ما ميز العام 2020 هو سعي بشار الأسد إلى إعادة تركيب مؤسساته والعودة إلى التفلسف والخطابة والتنظير بالقضايا المعيشية والفكرية وفصل الدين عن الدولة واللغة العربية والعروبة، بينما كان لافتاً بوضوح ترسيخه "مأسسة" الدين وإخراجه من إطاره الأخلاقي بوصفه ضامناً للقيم الاجتماعية مع البنى المجتمعية الأخلاقية الأخرى، إلى ضامن برموزه من الموالين لبقاء النظام وجعله مؤسسة بيده لحكم الناس وترهيبهم، وضبط المجتمع على إيقاع رجال الأمن الذين ظهروا خلال اجتماع وزارة الأوقاف معه كرجال دين، وهو عمل أقرب إلى الإرهاب وجريمة ترتكب بحق الدين والمجتمع.  

الهروب إلى الأمام إحدى أدوات معالجة النظام للأزمات  

طريق الهروب إلى الأمام الذي اتبعه النظام من خلال الخطابات والإكثار من التصريحات التي تهدف إلى إعطاء تصور بأن الوضع في البلاد عاد إلى ما كان عليه قبل الثورة، بل أفضل مما كان انبرى في إطاره بداية مسؤولو الصف الثاني، وقال وزير الخارجية فيصل مقداد: إن الوضع في سوريا هو أفضل بعشرات المرات من الأوضاع في دول تراها الولايات المتحدة تنعم بالازدهار والهناء، من دون أن يعطي سقفاً لهذه العشرات، في حين حددت بثينة شعبان مستشارة رأس النظام رقماً وقالت: إن الوضع هو أفضل اليوم بـ 50 مرة مما كان عليه في 2011.

واستناداً إلى سوق المزادات هذه أطلق بشار الأسد نظرية لا تقل دهشة عن تلك الأرقام، وأراد أن يطمئن ويخدر الأهالي ويكسب الوقت بأن قال: إن الأوضاع المعيشية ومكافحة الفساد والعدل كلها ستحل بعد استكمال أتمتة المعلومات وإنجاز الحكومة الإلكترونية التي تعنى بإصدار قيد النفوس وتسجيل واقعات الوفيات والولادات وورقة اللا حكم عليه.

الشعوذة السياسية منهج اتبعه النظام

ولا يختلف كلام بشار الأسد والموظفين لديه عن كلام المشعوذين الذين درج إعلام النظام على استدعائهم ليكملوا المشهد الإعلامي إلى جانب "خبراء" السياسة والاقتصاد والمحللين النفسيين ويقدموا نظريات غرائبية ليست أقلها الحرب الكونية، ولا أكثرها أن سوريا ستكون باريس الشرق كما تحدث المنجم اللبناني مايك فغالي الذي توقع بأن تكون أحداث سوريا هي الأغرب خلال العام الجديد.

ومايك فغالي ليس الوحيد الذي تعتمد عليه ماكينة النظام الإعلامية، بل إن قناة "سما" كانت قد استضافت المنجمة ليلى عبد اللطيف وادعت أنه لن يكون هناك تفشٍّ لوباء كورونا في سوريا ولبنان، وأرفقت حديثها بتوقعات بأن تكون نهاية الأزمة السورية قريبة جداً، وأن أي حل مستقبلي في سوريا يمر من خلال بشار الأسد، مع ولادة حكومة جديدة تضم كفاءات وشخصيات من المعارضة، وأن الليرة السورية سوف تتحسن وسيعود جميع اللاجئين.

ولم يعد اللاجئون، رغم أن الروس أولموا من أجلهم مؤتمراً دعيت إليه جميع الدول التي لا تؤوي لاجئين، وهو لم يكن ليتم لولا طلب روسيا من النظام عقده، فهو لا يرغب بعودتهم لأنه يريد مجتمعاً متجانساً كما صرح بشار الأسد، الذي دمر بيوتهم وطردهم وسهل هجرتهم. وأهداف روسيا منه اقتصادية بأبعاد سياسية، لتقول للعالم: هنا في سوريا نظام لم يسقط وقد أسندناه وما يزال قائماً، وقد حققنا نجاحاً سياسياً، وما على الدول الغربية إلا توفير أموال الدعم لإعادة الإعمار، وتخليصها من أزمة اللاجئين الذين يرهبون مجتمعاتها بإسلاميتهم.

وفي حين كشفت تسريبات لفيديو من ضمن مؤتمر اللاجئين بأنه بروباغندا استعراضية لابتزاز المجتمع الدولي، تحدث فيه بعض المشاركين بسخرية بأنه لو فتحت الأبواب لما بقي من السوريين أحد؛ ما يؤكد أن الدب القطبي ما زالت عينه على أموال المجتمع الدولي ولم يكتف بالمحميات غير الطبيعية التي اقتطعها لقطيعه من رعاع فاغنر في كل من طرطوس وحميميم، وأن الابتزاز جزء من طبخته الكبرى في سوريا، فطباخ بوتين "يفغيني بروغوزين" الذي ألحق قصر المهاجرين بمطبخ الكرملين، يريد لسيده حصة الأسد ممن يسمى بالأسد المستسلم لإرادته، والذي لا يكفي ما بقي لديه وما يفترض أنه مؤتمن عليه في البلاد لملء الثلاجة السيبيرية. 

تقلص نسبة الناجين من محرقة الأسد إلى أقل من 10%

السوريون لم يجدوا الوقت لالتقاط أنفاسهم، وبات الناجون منهم لا تتجاوز نسبتهم 10%، وهم أولئك الذين يعدون فوق خط الفقر وتتقلص أعدادهم مع انتشار فيروس كورونا وما رافقه من إغلاق قطاعات مختلفة ولا سيما في مجال التجارة، على الرغم من أن النظام يحاول بشتى الوسائل إعطاء صورة بأن هناك دولة ومؤسسات تقدم خدمات.

وازدادت أوضاع الأهالي صعوبة، تجاوزت حدتها ما عاشه السوريون في المناطق التي يسيطر عليها النظام طوال سنوات الحرب التسع الماضية، ولم تستطع مؤسسات النظام الانتقال من اقتصاديات الحرب والعنف إلى اقتصاديات منتجة، ومن تحويل الموارد من عسكرية إلى إنتاجية، وبقيت تلك المؤسسات مرتكزة على شبكات المافيا التابعة لأثرياء الحرب، في وقت توقفت فيه عجلة الإنتاج، ليضاف إلى هذه الأزمات تراجع سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي، مع استمرار الحلول الأمنية والعسكرية للقضايا الاقتصادية، والضغط على الأهالي لتحمل الواقع المعيشي.

انهيار قيمي وتفكك في الروابط الاجتماعية والأسرية

وكنتيجة طبيعية للانهيار القيمي للمجتمع مدفوعاً بالفقر وممارسات النظام وتفكك الروابط الاجتماعية والأسرية، بفعل الضغوط المعيشية التي تعرضت لها الأسرة السورية في أثناء الحرب، وانتشار السلاح العشوائي بين عناصر الميليشيات الموالية للنظام؛ فقد ازدادت معدلات الجريمة في العام 2020، كذلك حالات الانتحار والتسول والدعارة وتعاطي المخدرات وترويجها، وصولاً إلى جرائم أكثر خصوصية كإقدام امرأة في مدينة جبلة على بيع طفلها حديث الولادة مقابل مبلغ 50 ألف ليرة سورية. في حين وثقت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" ما لا يقل عن 43 حالة تخلٍّ عن أطفال حديثي الولادة في محافظات سورية مختلفة.

حلول الأزمات جميعها تندرج ضمن دائرة "الكلام بكلام وبيع الأوهام"، وإذا كانت الجريمة هي تجاوز لأعلى مراحل النصب والاحتيال، فإن الأخيرة تأتي في مرحلة متقدمة من صفة الكذب التي يتبعها أركان النظام، في حين صدق أحد الإعلاميين ادعاء بشار الأسد بضرورة أن يقوم الإعلام بدوره في محاربة الفساد، ولا سيما في قضايا التحقيقات، وأورد تحقيقاً نشرته صحيفة البعث وألمح فيه إلى تورط مافيات مرتبطة بالنظام في تجارة الأعضاء البشرية إلا أن التحقيق لم يدم طويلاً وسرعان ما تم حذفه من موقع الصحيفة.

أزمة الفلاحين تتحول في مجلس الشعب إلى خلاف بين النصب والرفع 

وعن دور مجلس الشعب، فقد واصل إعطاء صورة حقيقية لما يريده النظام من أعضائه؛ وهو ما عكسته إحدى جلساته، إذ انحصر فيها النقاش الحاد بين عدد من الأعضاء ليس من أجل مطالب معيشية أو قضايا وطنية، بل تفجرت تلك النقاشات حين تحدث أحد الأعضاء عن أوضاع العمال والفلاحين ليتحول النقاش إلى صخب بين مؤيد لنصب كلمة الفلاح حين تأتي بصيغة الجمع في أول الكلام وبين من يقول إنها يجب أن تكون مرفوعة، لينتهي الجدل عند مسألة يصح الوجهان، في حين كان دور رئيس المجلس حمودة الصباغ بأن وزع الحديث عن اللغة بين الأعضاء المتحدثين بالتساوي.

والصباغ كان قد ألقى خطاباً نارياً لدى حديثه عن منتقدي تدهور الأوضاع المعيشية وقال: إنهم ينفّذون حملات على الفيسبوك تدار من الخارج ولا سيما من قبل إسرائيل، بعد موجة من احتجاجات وشكاوى عدد من مشاهير وفنانين وفنانات من بينهم شكران مرتجى وأيمن زيدان والمذيعة ماجدة زنبقة، وسرعان ما تصدى لهم فنانون آخرون من بينهم زهير عبد الكريم واتهموهم بقبض عشرات آلاف الدولارات من الخارج، وبحرف بوصلة المسؤولية نحو الرئاسة وليس الوزراء المعنيين.

الطبل والزمر وشيكاغو في خدمة النظام  

ومن ذاك المجلس ظهر بطل أميّ، شخصية كاريكاتورية، هو صاحب نظرية الطبل والزمر محمد قبنض، الذي قال يوماً: إنه موجود في المجلس ليمثل على الشعب، وقد انضم إلى جوقته الممثل التاريخي على الشعب دريد لحام ودخل حقله من باب الحارة الذي أعلن أن حلقاته ستتواصل إلى جانب مسلسل شارع شيكاغو، ليضاف العملان إلى أعمال فنية أخرى هدفها جميعاً إعطاء صورة بأن البلاد عادت كما كانت، بل أفضل بعشرات المرات مما كانت عليه، وهو ما ينجح في تجسيده تمثيلاً دريد لحام الذي استفاد في صناعة نجوميته من قلة الأعمال وغياب المقارنة، ولم تلمع تلك النجومية إلا من خلال تصريحاته السياسية الداعمة للنظام، فقد أطل في العام 2016 ليخاطب علي الخامنئي ويقول له: “في روحك القداسة، في عينيك الأمل، وفي يديك العمل، وفي كلامك أمر يُلبّى، وازدادت قدسية ترابنا حين ارتقى بعض من رجالاتك إلى عليائها”.

وسيسجل التاريخ أن البويهيين أو الإيرانيين أو الفرس الذين لم يحظوا خلال سيطرتهم على الحكم العربي قبل نحو ألف عام بمثقف عربي قام بـ تقديس سلطانهم، وتبرير أعمال قتلهم العرب، كما يحظون الآن بأشخاص من أمثال دريد لحام الذي تبعه أيضاً زميله عضو مجلس الشعب نجدت أنزور ووصف المقاتلين الإيرانيين بأنهم أصبحوا سادة في البلاد، وخاطب حسن نصر الله بقوله: “من كلماتك نستمد الأمل، ومن عزمك نستمد القوة، رجالك هم رجال الله”. كذلك انتقد الممثل فايز قزق بشدة من يصف إيران بأنها بلاد العجم، ويقول: إن هذا اللفظ يُراد منه تكريس الكراهية لها.

العام 2020 بعد ساعات إلى أفول، ولن تمحى لحظاته من ذاكرة السوريين، وقد وسعت آلامه من الرغبة في العبور إلى العام الجديد، على أمل الخروج منها إلى فضاءات خالية من أسباب جراحهم، وصوب أفق يلملمون معه أشلاء عناوين بقائهم وانتمائهم تكاد عقود آل الآسد أن تُجهز على ما تبقى منها بعد أن أحالتها إلى مفردات، تجزأت إلى حروف، باتت لملمتها بعيدة إلى درجة يصعب معها لفظ كلمة كانت تسمى "وطن"، وتهاوت ملفات القضية لتغلق على واقعٍ رسمت طائرات وصواريخ المنتصرين خريطة حدودٍ تغيرت معها هوية البلاد مع وجود قطعان من مختلف الجنسيات تجوبها من أدناها إلى أقصاها ومن شرقها إلى غربها.

ولكن.. يبقى تصفيق أتباع الأسد للإيرانيين ومديحهم للروس في دائرة استهلاك الذاكرة، فالعلاقة بين المحتل والعميل مرهونة بزوال المصلحة، ولن تخرج من ذاكرة السوريين بعد أن ترافقت مع كل قطرة دم سالت من جراحهم، وهي لعنة على آل الأسد وعلى تلك الجيوش التي عبرت الحدود والقارات من القوقاز وسيبيريا وبلاد فارس، ربما يحمل العام القادم معها أملاً ينبثق من ليل ركامها، فثورات الربيع قد تخبو ويخفت زهوها، لكنها سرعان ما تعود من جديد، كما ثورات ربيع الشعوب الأوروبية في العام 1848 التي أيضاً سحقها في البداية جيش القيصر الروسي بطلب من أباطرة أوروبا وملوكها.

مقالات مقترحة
المطاعم السورية تعود لاستقبال روّادها في غازي عنتاب والوالي يحذر
كورونا.. استعداد لخطة الطوارئ في مناطق سيطرة النظام
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا