"جدار برلين" التاريخ المزيّف 2

2022.12.22 | 06:17 دمشق

"جدار برلين" التاريخ المزيّف 2
+A
حجم الخط
-A

بعد عرض بعض مما يحتويه من معلومات سرّية عن فترة قيام جدار برلين. حتماً جميعكم يخطر لكم السؤال الذي راودني أيضاً: إذاً ماذا يخبئ الأرشيف القومي الأميركي السرّي حول دولٍ أخرى، ومن بينها سوريا؟ سؤال مرير، على الأرجح لن يتعرف على إجابته حتى أحفادنا، فهو ما زال يعتبر أمراً راهناً. رغم مرور أكثر من نصف قرن على انقلاب الأسد ووصوله للسلطة، ما زال وسيبقى بالغ السريّة.

جميعنا يعلم، أنه في ظاهر الأمر هناك "مواقف أميركية" حاسمة من نظام الأسد. ورغم وجود عقوبات أميركية مؤثرة، إلا أن هناك، بلا أدنى شك، (سفيراً) ما يشبه "طومسون"، يحدد لحكومته الحدود التي يجب أن تقف عندها، كي لا يسقط الأسد، وهو ما لا يلائم مصالح أميركا والغرب، راهناً على الأقل.

قبل أقل من أسبوعين من إقامة جدار برلين، أدلى السيناتور جيمس فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي بتصريح مثير خلال مقابلة تلفزيونية: "الروس لديهم القوة لإغلاق الحدود، دون انتهاك أي معاهدة. علاوة على ذلك، فإن الألمان الشرقيين لهم الحق في إغلاق حدودهم". تذكر إحدى الوثائق، بأن تعليق فولبرايت أثار ضجة في برلين الغربية. لم يصدق ويلي برانت عمدة برلين الغربية (المستشار الألماني فيما بعد) أن فولبرايت قال ذلك. أما سلطات ألمانيا الشرقية فقد رأت في التصريح إشارة، بل ورسالة طمأنة واضحة، إلى أن الغرب سيتسامح مع إغلاق الحدود.

كانت تلك الرسالة وقبلها الكثير، تعني أن أميركا ليست بصدد المواجهة مع نظام الأسد، ولكن عليها فقط أن تتخذ تلك الخطوة "المحدودة"

في نيسان عام 2017، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستوجه ضربة عسكرية "محدودة" ضد قوات الأسد، بمثابة عقوبة على استخدامه غاز السارين وقتل قرابة 100 من المدنيين، في بلدة "خان شيخون" السورية. نعم استخدم التهديد تعبير "محدودة"، كانت تلك الرسالة وقبلها الكثير، تعني أن أميركا ليست بصدد المواجهة مع نظام الأسد، ولكن عليها فقط أن تتخذ تلك الخطوة "المحدودة".

التصريح الأميركي، بكل الأعراف السياسية والدبلوماسية، كان رسالة طمأنة. طبعاً كما تعلمون تم ضرب مطار "الشعيرات" قرب مدينة حمص، بعد إبلاغ الروس بالموعد والمكان. في اليوم التالي للقصف، عاودت الطائرات الإقلاع من المطار، لتتابع مهمتها في تدمير البلدات السورية.

لم تتخذ واشنطن وحكومات الحلفاء الآخرين، أية تدابير ضد إقامة جدار برلين وإغلاق الحدود، لأن مصالح الحلفاء الأساسية لم تكن على المحك. أبلغت وزارة الخارجية الدبلوماسيين الأميركيين في بون أن "الولايات المتحدة سوف تستفيد من بعض عدم الاستقرار في ألمانيا الشرقية، لأنه قد يجبر السوفييت على تخفيف الضغط عن برلين الغربية، لكن لا نرغب في رؤية ثورة على غرار ثورة عام 1953، في هذا الوقت".

مثل هذا تماماً، أو ما يشبهه إلى حدٍّ كبير، كان يجري طوال العقد الأخير في الحالة السورية، وأهمها مواقف الغرب السريّة من نظام الأسد، ومن موت السوريين ونزوحهم الجماعي. مواقف محفوظة حتماً في وثائق الأرشيف القومي الأميركي ولدى دول أخرى. ربما سيطّلع عليها جيل قادم، وحينها قد لا يصدق أحد أن المواقف السياسية للغرب كانت على تلك الدرجة من الوضاعة والنفاق. أو ربما سيصدّقها الكثيرون، فهذه طبائع السياسة.

في 26 حزيران/يونيو 1963، بعد عامين من بناء جدار برلين تقريباً، وقبل اغتياله بخمسة شهور، قام الرئيس الأميركي جون كينيدي بزيارة المدينة. أمام مبنى بلدية شونبيرج، ألقى ما سيصبح أحد أشهر خطاباته، حيث أعلن بحماس شديد: "أنا برليني". بالنسبة لسكان برلين الذين شعروا بالتخلي عنهم من قِبل الحلفاء والحكومة الألمانية، كانت تلك الكلمات بمثابة جرعة إنعاش مؤقتة.

تشير إحدى الوثائق إلى تقييم السفير الأميركي في ألمانيا الغربية حول رد فعل الألمان على إغلاق الحدود. لم يكن السفير قلقاً على الإطلاق، لكنه رأى بدايات "أزمة ثقة" في برلين الغربية، معتبراً أن على واشنطن اتخاذ "خطوات دراماتيكية" لتحسين "المناخ النفسي" هناك، حيث أدّت صدمة إغلاق الحدود دون ردّ فعل غربي ملموس، إلى مشكلة معنوية كبيرة في ألمانيا، وخاصة في برلين الغربية.

حاولت إدارة كينيدي معالجة الأمر سريعاً. في 20 آب/أغسطس، بعد أسبوع من إنشاء الجدار، وصل لواء تابع لفرقة المشاة الأميركية الثامنة عشرة، لتعزيز حامية الدفاع عن برلين الغربية. كذلك فعل ليندون جونسون نائب الرئيس الأميركي، الذي زار المدينة في التوقيت ذاته. للمفارقة، احتج السوفييت على زيارة جونسون، متهمين الغرب بالقيام بأنشطة استفزازية في برلين.

يوم 12 حزيران/يونيو عام 1987، قرب نهاية الحرب الباردة، وقف الرئيس الأميركي رونالد ريغان عند "بوابة براندنبورغ" قرب الجدار الفاصل بين غرب وشرق برلين، وطالب الرئيس السوفييتي بفتح البوابة بين شطري المدينة "يا سيد غورباتشوف، افتح هذه البوابة. يا سيد غورباتشوف، اهدم هذا الجدار".

في تلك الفترة، بفعل اليأس من أي تحرك غربي فعّال لإعادة توحيد المدينة، وكان قد مضى 26 عاماً على تقسيمها، كانت علاقة سكان برلين بالأميركيين، الذين أنقذوا المدينة عام 1948، قد تغيرت عما كانت عليه يوم زار جون كينيدي المدينة. قوبلت زيارة ريغان بحماس من قبل البعض، ولكن أيضا بمظاهرات مناهضة وكثير من الشك المُحقّ من آخرين. أقول "شك محق" لأن وثائق سريّة أخرى ستكشف أن موقف الغرب من هدم الجدار وفتح الحدود، كان كموقفهم من إقامته، معاكساً لمعظم ما صرحوا به في العلن.

الأميركيون لا يريدون أن يروا ثورة على غرار 1953، ولذلك كانوا مرتاحين للحالة القمعية التي تروّع السكان في ألمانيا الشرقية

في وثيقة حملت توصيف (سري للغاية)، تم تلخيص ختام اجتماع اللجنة الفرعية الخاصة بمجلس الاستخبارات الأمريكي (USIB) بشأن حالة برلين بعد إقامة الجدار بيومين. اعتقدت اللجنة أنه تم الوصول إلى مرحلة حرجة، يمكن أن تؤدي إلى "مظاهرات محلية في الشرق"، لكن اللجنة قللت من احتمال اندلاع انتفاضة "على عكس الوضع في حزيران/يونيو 1953. اتخذت حكومة ألمانيا الشرقية زمام المبادرة، وقامت ببذل جهود واسعة، لترويع السكان". هكذا إذاً، الأميركيون لا يريدون أن يروا ثورة على غرار 1953، ولذلك كانوا مرتاحين للحالة القمعية التي تروّع السكان في ألمانيا الشرقية.

على سبيل السخرية، كان الاعتراض الأميركي الحقيقي الوحيد بعد إقامة الجدار قد صدر عن الرئيس كينيدي، وهو اعتراض داخلي على كل حال. الحقيقة هو لم يكن اعتراضاً على الجدار، بقدر ما كان شعوراً بالإحباط من أداء وكالة المخابرات المركزية، التي لم تزود الرئيس بإحاطات كافية، بأن ألمانيا الشرقية كانت ستتخذ تلك الخطوة الحاسمة على هيئة جدار.

تشير الوثائق إلى أن الرئيس، في معرض احتجاجه على أداء الوكالة، احتج أيضاً أنه لم يتلقَّ تحذيراً كافياً عن الانقلاب الذي وقع في سوريا في 28 أيلول/سبتمبر 1961 (الانفصال بين سوريا ومصر)، وهو ما اعتبره إخفاقاً استخبارياً. طلب الرئيس من مستشاري المخابرات مراجعة أداء الوكالة لاستخلاص الدروس. تؤكد إحدى الوثائق أنه "في كلتا الحادثتين يبدو أن المؤشرات على تطورات مهمة وشيكة، قد غابت عن الأنظار في مجموعة تقارير المخابرات".

إثر ارتفاع الجدار، سارع مكتب دين راسك وزير الخارجية الأميركي، فأصدر بياناً جاء فيه إن "إغلاق الحدود انتهاك صارخ لحق حرية التنقل. السلطات الشيوعية تنكر على الأفراد حق الوجود في عالم من الاختيار الحر، بدلاً من عالم الإكراه". نعم احتوى البيان على كل تلك الصفاقة والنفاق.

إن كان التاريخ المعلن للمواقف من بناء جدار برلين هو ركامٌ من التزييف والكذب والنفاق السياسي، لدى القادة الغربيين. فإن تاريخه الحقيقي، سواء حين شطرَ برلين أو حين أطاح به البرلينيون، هو تاريخ الناس. سنوات سجنهم خلفه، وموتهم وهم يحاولون تسلقه للنجاة من الاستبداد، والفرار نحو الحريّة. حرية لن ينالوها سوى يوم اقترعوا على خيارهم بأقدامهم وهي تعبر نحو غرب البلاد، بعد أن هدموا الجدار.