icon
التغطية الحية

تاريخ الأفكار وثنائيات الضياع

2022.08.24 | 05:50 دمشق

شسي
+A
حجم الخط
-A

هناك خلل معرفيّ يدعى التّفكير الثّنائي؛ كله أو لا شيء، أبيض أو أسود، حتى عبارة "أكون أو لا أكون" التي وردت على لسان هاملت في مسرحية هاملت لـ وليم شكسبير يمكن اعتبارها جزءاً من هذا الخلل المعرفي. إذا انتقلنا إلى المجتمعات فإننا نجد أن هذه النمطية من التفكير تتجلى بوضوح من خلال الثّنائيات، فكلّ جانب من جوانب الحياة له ثنائيّاته، فالرجعي يقابل التّقدمي، والحداثيّ يقابل التّقليدي، والاشتراكيّ يقابل الرّأسمالي، وفي السّياسة نجد ثنائيات (الثّورة والثّورة المضادة)، (حزب الله أو داعش)، (الأسد أو نحرق البلد).

ثنائيّات الضياع

يمكن اعتبار الثّنائية نموذجاً نظرياً افتراضياً؛ قد لا يوجد في الواقع، وهو مصمم لدراسة وجهي ظاهرة فكرية ما، فمثلا ثنائية (علمانيّ- إسلاميّ) هي حالة نظرية بحتة، فإذا أخذنا مصطلح علمانيّ فإنّنا سوف نجد طيفا واسعا من الأفراد والأحزاب، قسم يعادي الأديان، وقسم يتسامح معها، وقسم كبير يؤمن بها. وكذلك مصطلح إسلاميّ، أيضا سنجد الإسلاميّ الذي يقبل بالدّيمقراطية ونجد من ينادي بالخلافة بشكلها التّاريخي.

والثنائيات ليست وليدة الحاضر؛ فهناك ثنائيات كثيرة في تاريخنا الإسلامي منها (أهل الرّأي وأهل الحديث) فأبو حنيفة والمصنف من أهل الرّأي عندما يجد حديثا يثق بصحّته يأخذ به ولا يأخذ بالرّأي، أي أن تلك الثنائيات كانت بنّاءة، هدفها الحقيقة، لم تكن صراعيّة ولا عصبوية.

أمّا في هذا العصر فسمة هذه الثّنائيات الصّراع، ولعل ظهورها بعد حقبة الاستعمار يوحي أنها جاءت نتيجة صدمة الاحتكاك المباشر مع حضارة الآخر، فانقسم المثقفون بين من تشبث بالجذور وتعصب لها، وبين من حاول الاستفادة من المنظومة "الحضارية" للمستعمر واندمج معها؛ وبذلك تمثل الصراع بين حضارتين مختلفتين من خلال هذه الثنائيات العصبوية.

الثّنائيات المتصارعة وما يؤجّجها

ظهرت هذه الثّنائيات كصيرورة تاريخية، لكنّ المفترض أن تذوب بسرعة، لأن الثّقافة الاجتماعية والإرث الحضاري الإسلامي عبر التّاريخ حافظ على مسافة أمان بين تلك الثنائيات المتناقضة، وحوّلها لفعل حضاري بشكل تنافسي مثرٍ.

لكن ذلك لا يحدث؛ والسّبب أن هذه الثّنائيات مصطنعة وإن بدت بسياق طبيعي ولعل بعض أنواع البرامج الحوارية التّي غزت الفضائيات، تغذي هذه الثّنائيات بمزيد من المتخندقين بين طرفيها. فعندما يكون أحد الضّيوف شيخاً تقليديّاً أو قسيساً والطّرف الآخر ملحداً، فأي نتيجة ترتجى من نقاش لمدة ساعة بقضايا جدلية وحساسة غير تأجيجٍ للصراعات الكامنة واستفزازها لتظهر للعلن، وقولبة النّاس ضمن طرفي الثنائيّة؟ فالأنظمة الشمولية تستمد وجودها من هذه الثّنائيات المتصارعة.

كيف نتجاوز ثنائيات الضياع؟

هذه الثّنائيات العصابية هي فخ علينا تجاوزه، من خلال التّركيز على مشكلاتنا الحقيقية، وهذا بالضّبط ما فعله المفكر الجزائري مالك بن نبي عندما ناقش المشكلات الرّئيسية التّي تعيق النّهضة، فكانت كل كتبه تحت عنوان واسع "مشكلات الحضارة" [[1]]، ومالك بن نبي ليس وحده من تجاوز هذه الثّنائيات فعبد الوهاب المسيري أيضا ممن تجاوزوها.

ومن طبيعة الأشياء أن القضايا الصّراعية تطفو على السطح، وفكر عميق كهذا لا بد أن يكون بعيدا عن دائرة الضّوء لتبقى البرامج التّي تكرس تلك الثّنائيات القبيحة هي الأكثر انتشاراً.

وتجاوز هذه الثنائيات يتطلب لحظة صدق للمثقف المتخندق في طرفي الثنائية، ومراجعة نقدية ذاتية لتراثه الفكري، وبحث دقيق وشامل عن الأدوات التّي تغذي هذا الاستقطاب الحاد ودراسة تاريخ الأفكار المكونة لطرفي الثنائية.

فالأفكار ناتجة ضمن ظروف زمانية ومكانية معينة، وبالتّالي ما نفهمه من بعض النّصوص قد لا يكون المقصود لحظة إنتاج النّص، فالقراءة عمليّة ذاتيّة، لا يمكن أن تكون تاريخيّة، أي أنها تنطلق من ظروف القارئ وهي ظروف بكل تأكيد مختلفة عن الظروف التّي أنتجت النّص.

وهذا ما ذهب إليه كوينتن سكينر بمقاله الشّهير "المعنى والفهم في تاريخ الأفكار" حيث يؤكد على ضرورة تأريخ الأفكار في سياقها التّاريخي وضرورة فهم السّياقات الاجتماعية والسّياسية واللغوية التّي أنتجت النّصوص. [[2]]

مثال تطبيقي: ثنائية (داعش والدراسات التّنويرية)

‏ما هو التّنوير؟ سؤال طُرح على كانط وأجاب بمقاله المشهور "ما هو التّنوير" ويمكن تلخيص تعريف كانط للتنوير بأنه خروج الإنسان من قصوره الذاتي، والتحرر من أي تبعية، مع ضرورة وجود ضوابط معينة فكانط كان يدعو لتنوير منضبط غير متفلّت ولا متمرّد.

وبالعودة لتاريخ الأفكار لابدّ من الإيضاح أن التّنوير صناعة مستوردة لظروف مختلفة عن ظروفنا ولأفكار مختلفة عن الفكر السائد بأوطاننا، وهذا لا يمنع من الاستفادة من التّجربة شريطة أن نفهم سياقاتها التّاريخية ونفهم وضعنا الرّاهن، ونحدد مشكلاتنا بدقة؛ لنقرر بعد ذلك إن كنا بحاجة للتنوير وفقا للوصفة الغربية الجاهزة أم لا.

عند استقراء أغلب الدراسات التنويرية نجد أنها تقع في فخ محاكمة الماضي من خلال قيم الحاضر، وخصوصا عند دراسة الخلافات السّياسيّة بين الصّحابة، ونشأة العلوم الإسلامية ولا سيما علم الحديث وكذلك الخلافة العباسية والأموية.

وهذا يطرح السؤال: هل يجوز منهجيا أن نحاكم قيم الماضي وفقاً لقيم الحاضر مع اختلاف السّياقات النّاتجة لكل منهما؟ غالباً سيكون الجواب أنّنا لا نحاكم الماضي بقيم الحاضر إنما نحاكم الماضي بقيم القرآن والتّنزيل الحكيم.

وهذا يطرح سؤالاً أكثر دقة أيضا: هل يجوز أن نحاكم الأحداث التّاريخية من زاوية قيمنا الأخلاقية المتبلورة في هذا العصر؟ وهل الباحث مؤهل لإجراء مثل هذه المحاكمة؟

بالطبع؛ لا يجوز أن نحاكم الأمم السابقة بما نملكه من معرفة وإمكانيات، فمعارفهم وإمكانيتهم بشروطها الزمانية والمكانية كانت متواضعة، ومحاكمتهم بهذه الطريقة المباشرة عمل غير أخلاقي أصلا، ويخل بتأريخ الأفكار. يمكن أن ننتقد بعض السابقين ونبين الزلل والثغرات التي وقعوا بها؛ لكن يجب أن ندرس هذا الخلل وفقا للمعارف والأدوات المتوفرة آنذاك.

تنتزع الدراسات التّنويرية بعض الأحداث التاريخية من سياقها الزماني والمكاني، وتحاكمها وفق منطق الحاضر ونتيجة لهذه المحاكمة تدان بعض الأفعال أو الأقوال لعدم ملائمتها مع قيم الحاضر وتُقبل أخرى لملائمتها.

فعندما يتناولون فكرة العبودية فإنهم يدينونها في ظل أنظمة حكمت تحت عباءة الإسلام، دون دراسة السياق التاريخي للعبودية عند جميع الأمم بتلك العصور الغابرة.

إن ما يفعله التنويريون هو بالضّبط ما يفعله الفكر الدّاعشيّ شريكه في الثّنائية المدروسة، إنهما متناقضان فكريا، متشابهان بالمنهجية، واقعان بالخطأ ذاته المتمثل بإهمال السياق التاريخي للأفكار.

فكما أن التّنويري المعاصر يقتطع مجموعة من الأحداث من سياقها الزمني، ويحاكمها من خلال منطق وقيم الحاضر؛ فإن الداعشي يستجلب منظومة حكم تاريخية ويسقطها على الحاضر، فهو ينتزع الحاضر من سياقة الزّماني والمكاني ويطبق عليه خوارزميات حكم قديمة، كانت لها مبرراتها وأسبابها بشرطها الزماني والمكاني؛ وبذلك نجد أن الخطأ المنهجي بين طرفي الثّنائية هو ذاته.

يمكننا أن نطبق ذات الإشكالية على طرفي أي ثنائية وسنجد النّتيجة ذاتها؛ أن طرفيّ الثّنائية لديهما خلل في دراسة السّياقات الاجتماعية والسّياسية والاقتصادية التّي أنتجت تلك الأفكار.


[[1]]  قد يكون كتاب ”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” من الكتب التّي تعالج ضمنياً مشكلة الثّنائيات الفكرية دون تماس مباشر معها.
[[2]]  يمكن الاستفاضة بالرّجوع لمقال كوينتن سكينر"المعنى والفهم في تاريخ الأفكار" المنشور عام 1969.