بيدرسون وفشل اللجنة الدستورية

تاريخ النشر: 12.02.2021 | 00:15 دمشق

ربما كانت كلمات المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون في إحاطته لمجلس الأمن واضحة في إعلانها فشل التجربة القائمة على مفاوضات اللجنة الدستورية، وأعقب ذلك بيان دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في مجلس الأمن الذي دان فشل العملية بعد عام ونصف من بدايتها.

يمكن القول إنها تشكل نهاية البداية لعملية كتبنا مبكرا أن مصيرها الفشل على المستوى التقني والسياسي، فقد صرح المبعوث الأممي أن نتائج هذه الجولة مخيبة للآمال وهو ما كرره بالمناسبة بعد كل الجولات السابقة التي انتهت بالسيناريو نفسه، وهو عدم جدية نظام الأسد في أي نقاش ذي معنى حول الدستور وتطبيق القرار 2254 من أجل تحقيق الحل السياسي في سوريا.  

هذه الجولة تتوج عمليا فشل كل الجولات السابقة التي بدأت منذ عام ونصف تقريبا عندما قرر المبعوث الدولي استيفان ديمستورا الاستقالة في منتصف عام 2018 من دون أن يحرز أي تقدم على مستوى تطبيق القرار 2254 فجرى تعيين المبعوث الأممي الجديد بيدرسون الذي اعتبر أن اللجنة الدستورية هي الفكرة الوحيدة التي تحظى بالدعم من الأطراف الدولية رغم قناعة المعارضة السورية أن ذلك يعد خروجا عن قرار مجلس الأمن الذي ينص على تشكيل حكومة انتقالية وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة.

واحتاج الأمر أكثر من عام كي تولد هذه اللجنة الدستورية التي لا تحظى بأي دعم سياسي حقيقي وعقدت أول اجتماعاتها في أكتوبر 2019 وشارك النظام السوري بوفد اعتاد على تبديد الاجتماعات بإثارة تفاصيل جانبية دون أي قرار سياسي بإنجاح نتائج هذه الاجتماعات، وعقدت الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة الدستورية في نوفمبر 2019 والثالثة في آب 2020 دون إحراز أي تقدم يمكن الإشارة إليه. والرابعة هذه في كانون الثاني 2021 حيث انتهت من دون التوصل حتى على اتفاق حول جدول الأعمال.

المشكلة أن النظام لم يدفع ثمنا أبدا نتيجة تعطيله للمفاوضات في اللجنة الدستورية ليس من قبل الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي وحتى المعارضة للأسف لم تقم بأية خطوة كرد فعل على هذا الفشل

باختصار بعد مرور تسع سنوات من بدء مفاوضات جنيف وأكثر من 12 جلسة الحصيلة كانت صفر، المعارضة السورية تعرف ذلك والمجتمع الدولي بما فيها الولايات المتحدة تعرف ذلك، والأهم أن النظام السوري كان سعيدا دوما بهذه الحصيلة الصفرية.

المشكلة أن النظام لم يدفع ثمنا أبدا نتيجة تعطيله للمفاوضات في اللجنة الدستورية ليس من قبل الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي وحتى المعارضة للأسف لم تقم بأية خطوة كرد فعل على هذا الفشل.

أعتقد أن هذه الفرصة سانحة اليوم مع تسمية فريق بايدن للسياسة الخارجية وعلى رأسهم بلينكن الذي يتوقع منه السوريون اليوم أن يفعل الدبلوماسية الأميركية من أجل إصلاح أخطاء الماضي، ونقل التركيز من اللجنة الدستورية إلى إعادة النظر للأزمة السورية كأولوية  للتعامل مع الملفات الثلاث الرئيسية:

الإرهاب: بروز التنظيمات الإرهابية في سوريا واتخاذها كملجأ آمن كداعش والقاعدة.

اللجوء: فرار عدد كبير من اللاجئين إلى دول الجوار وعبورهم إلى أوروبا.

الانتقال السياسي: الحاجة إلى استقرار سياسي ينبع من أهمية تحقيق الانتقال السياسي الذي يتيح للسوريين اختيار رئيسهم ونظامهم السياسي بحرية.

للأسف ركزت إدارة أوباما السابقة على القضاء على داعش وفشلت في فهم الربط بين الأزمات الثلاث ولبها الاستقرار السياسي، التي تركتها للمفاوضات السياسية التي أظهرت أن المفاوضات التي عقدت في جنيف لم تحرز أي تقدم سياسي على الإطلاق.

اليوم وبعد مرور عشر سنوات تقريباً على بداية الثورة السلمية في سوريا تظهر الحاجة في أكثر من أي وقت مضى، إلى رسم خطة استراتيجية كبرى تربط هذه الأزمات الثلاث معاً وتدرك أنه لن تكون هناك إمكانية للقضاء على الإرهاب في سوريا بشكل كامل وعودة لملايين اللاجئين من دون دفع عجلة الانتقال السياسي وممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية على نظام الأسد من تحقيق هذا الانتقال.

لابد من تحقيق انتقال سياسي كامل في سوريا ينقلها من نظام تسلطي طائفي إلى نظام ديمقراطي تعددي غير طائفي يعتمد على مبدأ المواطنية ومساواة كل السوريين أمام القانون، كما لابد من خروج كل الميليشيات الأجنبية والطائفية ممثلة في القاعدة وميليشيا حزب الله والميليشيات الإيرانية المتحالفة معها ومع نظام الأسد (زينبيون وفاطميون وحركة النجباء العراقية). ولذلك لا يمكن تصور ضمان تحقيق الانتقال السياسي من دون ممارسة أقصى الضغوط على نظام الأسد سياسيا وعسكريا حتى يتم تنفيذ القرار 2254 على أرض الواقع.