بلسان القائمين عليها.. دور وأثر مراكز الدراسات السورية في الثورة

تاريخ النشر: 18.09.2019 | 12:09 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:48 دمشق

تيم الحاج - تلفزيون سوريا

تُعتبر الأزمات الخطيرة والحروب والثورات التي تضرب أي بلد في العالم، نواة لظهور مراكز للدراسات والأبحاث والتفكير كي تعمل على مجاراة الأحداث محاولةً وضع تصورات لحل تلك المشكلات والاضطرابات عبر تقديم توصياتها ومخرجاتها لصناع القرار وأصحاب الشأن.

ولعل مايجري في سوريا منذ آذار 2011 كان محفزاً وبيئة خصبة لنشوء العديد من تلك المراكز بشقيها الموالي لنظام الأسد والمعارض له فهذه المراكز بحثت وكتبت بلا ريب منذ سنوات في جميع جوانب حياة السوريين وما ترتب من تغيّرات في البنية الأساسية للمجتمع والدولة على حد سواء.

فأين وصل عمل هذه المراكز بعد كل هذه السنوات؟ وهل تمكنت من إنجاز أبحاث ودراسات تحاكي الواقع السوري المرير؟ وماهي الصعوبات التي تواجه عملها؟ ولمن تنتج دراساتها وأبحاثها؟

موقع تلفزيون سوريا، بحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها ووقف على عمل تلك المراكز عبر إجراء حوارات مع ممثلين لـ ثلاثة مراكز تقف إلى جانب الثورة السورية وتعمل من تركيا.

النشأة

يرى مدير وحدة دراسة السياسات في "مركز حرمون للدراسات المعاصرة" الدكتور (عبدالله تركماني) أنه بعد اندلاع الثورة السورية وتحديداً بعد ما آلت إليه مع انتهاء المرحلة السلمية وتصاعد العمل العسكري والعنف ضد المدنيين أصبحت الحاجة ملحة جداً لوجود مراكز تفكير.

لكنه أكد أن هذه المراكز لاتنشأ فقط نتيجة الأزمات، لأنه في العالم المتقدم وفق قوله، لا يوجد أي صانع قرار يصدر قراره دون العودة إلى ماتقدمه مراكز التفكير والدراسات في المجالات المختلفة. موضحاً أن في الحالة السورية لا يوجد إدراك لأهمية صناعة القرار إن كان سياسياً أو اقتصادياً أوغيره. قاصداً بذلك مؤسسات المعارضة التي اعتبر أنها لم تفكر منذ البداية في أهمية ما تقدمه مراكز التفكير.

وأرجع سبب ذلك إلى عدم وجود خبرة تراكمية لدى السوريين في هذا المجال نتيجة سيطرة أجهزة الأمن التابعة لنظام الأسد على جميع مراكز الأبحاث والدراسات قبل الثورة.

وفي هذه النقطة، يتفق الباحث في "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية" (ساشا العلو) مع (تركماني). ويضيف أن مراكز الأبحاث في سوريا قبل الثورة كانت وظيفتها الاهتمام بالشأن الإسرائيلي حيث يٌمنع عليها الاقتراب من السياسات الداخلية.

ولفت إلى أن نظام الأسد بات الآن يمتلك أربعة مراكز للتفكير أهمها "مركز أوراق دمشق" الذي يطرح إشكاليات مختلفة كـ الهوية ومفاهيم جديدة للمواطنة. كما ينشر دراسات وبحوثا لنخبة أساتذة جامعيين، إضافة إلى وجود مراكز جديدة على ارتباط مباشر بأجهزة المخابرات.

أما مدير "مركز نورس للدراسات" (إياد أبو عمر) فقسّم مراكز التفكير والدراسات بعد الثورة السورية إلى ثلاثة، أولها مراكز نفعية تم إنشاؤها بغرض تشتيت جهود الثورة والثانية مسيسة تساهم في رسم سياسات ملائمة لإيديولوجيات أو اتجاهات دول معينة والثالث مراكز دراسات تساهم في تحليل المشكلات ومحاولة إحداث ثورة فكرية للشعوب بشكل عام، وفق قوله.

صانع القرار

يؤكد الباحث (ساشا العلو) أن هناك أزمة بين مراكز التفكير والدراسات وبين صنّاع القرار في مكونات المعارضة السورية. وكشف في هذا السياق أن صنّاع القرار لا يقرؤون توصياتهم. مشيراً إلى أنهم في أحيان كثيرة يتنبؤون بنتائج معينة وتحدث ويكونون قد أوصوا بها من قبل ولكن لم يتم الأخذ بها.

وتابع "هناك أشخاص بالملف السوري وأصحاب مسؤولية في مناصب سياسية وعسكرية وأمنية في المعارضة لا يهتمون لمراكز التفكير"، واصفاً ذلك بـ "الأزمة".

وأضاف أن الحالة السياسية في سوريا غلب عليها إما الاستقطاب الدولي والإقليمي وهنا يتم التحرك بأجندات وأولويات غير أولويات صانع القرار أوالحالة الثانية وهي قلة الوعي وعدم المسؤولية والتشتت.

وأردف قائلاً "في كل الحالات نحن –مراكز التفكير- لا نستطيع تحمل المسؤولية حالنا حال المؤسسات الإعلامية التي في لحظة من اللحظات تعطي معلومة وتحليلا أوّليا، كذلك مراكز التفكير تكتب وتعطي توصيات لكن حالة صنع القرار ليست بيدنا لا أحد يصغي. نحن نقوم بعملنا وأحيانا صانع القرار يقرأ ويستمع لكن يقول هذه التوصية مغلوطة أنا أرى كذا وهو صاحب القرار في النهاية".

وفي مسألة العلاقة مع صانعي القرار أيضاً، يقول الباحث (إياد أبو عمر) إنهم يحاولون تقديم مواد ملائمة للثورة ويعملون على تجنّب الصراعات الداخلية والتركيز على هدف واحد وهو كشف المشكلات الحقيقية التي أدت للثورة وتجريد الأنظمة الوظيفية من أجندتها "الخلبية" التي استخدمتها لتخدير الشعوب.

ولفت إلى أن أكثر مايؤثر على عملهم هو ما يطرحونه من أفكار لا تلائم الكيانات والدول، موضحاً بالقول "هذه الدول والكيانات تحاول جعلنا لانفكر خارج الصندوق، لأننا نقوم بإثارة مواضيع حساسة بالنسبة لهم وبالتالي يوجد تهديدات مستمرة من كيانات صغيرة بالإضافة إلى رقابة أمنية مستمرة".

الإعلام الغربي

تُجمع معظم مراكز التفكير التي تحدث إليها موقع تلفزيون سوريا على أنها توصل توصياتها لصنّاع القرار دون استجابة حقيقية، لكن هل تمكنت هذه المراكز من مخاطبة الآلة الإعلامية الغربية واستطاعت سد الثغرات التي تخلفها المؤسسات الإعلامية المحسوبة على الثورة  عبر تقديم مواد معمقة عن الواقع السوري؟

يجيب الدكتور (عبدالله التركماني) بالقول إن "الأزمات هي التي تحرك النخب لدعم الشعب عبر توجه هذه النخب لنسج علاقات مع البرلمانات والأحزاب الغربية لإيصال معاناة شعبهم".

وأكد أن لديهم طموحاً لنسج علاقات مع بعض مراكز التفكير الغربية والأمريكية "وذلك بعد أن نرتب بيتنا الداخلي"، وفق تعبيره.

وأردف "بقدر ما تكون نشيطاً تستطيع الوصول إلى الإعلام الغربي ونحن لم ننجح في ذلك. ليس الكل بل البعض".

في حين، يؤكد الباحث (إياد أبو عمر) أن كثيرا من مراكز البحث الغربية حاولت التواصل معهم بغرض الاستفادة مما يملكونه من معلومات مترابطة حول الثورة السورية تحديداً، لافتاً إلى أن هذه الاتصالات كانت بهدف إعطاء تصريحات حول مواضيع معينة أو حضور مؤتمرات لمناقشة موضوع معين، لكنه شدد على أنهم لم يجدوا أي فائدة من إثراء مراكز البحث الغربية، ولم ينجحوا في محاولة إقناع هذه المراكز بتقديم مواد يحصلون عليها من حكوماتهم لكي يستفيدوا منها هم.

وأشار إلى أن دراساتهم يتم متابعتها بعناية من قبل مراكز بحث وباحثين روس وإيرانيين وإسرائيليين وأمريكان وإماراتيين وأتراك، لكن معظم هذه المراكز أو الباحثين لايملكون الروح البحثية الحقيقية حيث أنها مسيسة باتجاهات معينة بحسب دعمها، وفق قوله.

من جانبه، شدد الباحث (ساشا العلو) على مسألة التواصل مع المراكز الغربية وأن لديهم شراكات مع بعضها، لكنه أوضح أن هذه المراكز تدرس وتبحث لمصلحة دولها.

وأردف قائلاً "مشكلة الباحثين، خاصة في مجالات السياسية والعلاقات الدولية وما يتعلق فيهما من تحليل، في النهاية تكمن في عملية صناعة القرار في الشرق الأوسط وليس في سوريا فحسب. فصناعة القرار تجاوزتنا جميعاً، وأنا كباحث مهما كنت أمتلك من أدوات ومعلومات فهي تبقى منقوصة ومرهونة بإطار التحليلات والاستشراف، لأنها بعيدة فعلياً عن دوائر صنع القرار".

الجمهور

طرحنا خلال إعداد هذه المادة، مجموعة من الأسئلة على بعض الصحفيين العاملين في مؤسسات إعلامية في تركيا إضافة إلى عدد من المثقفين السوريين في الداخل وفي دول اللجوء، وكان لافتاً إجماع من تحدثنا إليهم أن نتاج مؤسسات التفكير المناصرة للثورة السورية لا يصلهم بالطريقة الصحيحة واعتبروا أن بعض ما يتم تقديمه من دراسات وأبحاث يستهدف شريحة معينة من المجتمع، إلا أن الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام المحسوبة على الثورة رأوا أن نتاج مؤسسات التفكير لا يتم تسويقها بطريقة صحيحة من قبل تلك المراكز وخاصة في وسائل الإعلام حتى أن بعض الأبحاث تبقى طي أجهزة الحاسوب التي تكتب بداخلها، بحسب تعبيرهم.

أما المثقفون الذين استطلعنا آراءهم فأشاروا إلى أن مراكز التفكير في الحقيقة لا تستهدف الإنسان السوري العادي ولذلك ليس لها انتشار بين السوريين، مستدركين بالقول إن "هذه الثقافة لم تكن لدى معظم الشعب السوري وهنا يكمن الخلل".

توجهنا بسؤالنا لمراكز الأبحاث التي التقيناها حول الجمهور الذي يستهدفونه بدراساتهم وأبحاثهم وهل من تفاعل؟ 

وعلّق الباحث (عبدالله تركماني) قائلاً إن "مراكز التفكير فيها جانب نخبوي وهذا ينطبق على جميع المراكز في العالم ولذلك وظيفتها تقديم رؤى لصناع القرار". مشدداً في الوقت ذاته، على أنه يجب عليها (أي مراكز التفكير) الترويج لنفسها حتى يصبح لديها متابعون وتصل لأوسع قطاع من الناس وقال "هذا ما نعمل عليه في المرحلة القادمة". 

وأضاف "نحن نتمنى أن نخاطب الإنسان العادي ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن مراكز التفكير والبحوث ليست أحزابا سياسية حتى تخاطب الناس".

وكشف (تركماني) لموقع تلفزيون سوريا، أنهم الآن يحضرون لمرحلة جديدة في "مركز حرمون" مستندين على التجربة السابقة. ولفت إلى أنهم في وحدة الدراسات سيعملون على استشراف مستقبل الثورة وإنجاز دراسات وبحوث وفعاليات تتعلق بمستقل السوريين من الناحية الاجتماية والاقتصادية والتعليمية والسياسية وحين الانتهاء من أي دراسة سيتم تقديمها لوسائل الإعلام على شكل حوارات لتشكيل وعي عند السوريين لأن سوريا المستقبل بحاجة لكل أبنائها، وفق تعبيره.

في حين أكد الباحث (ساشا العلو) على فكرة أن جمهور مراكز التفكير هم صناع القرار فهم الذين من المفترض أن يقرؤوا لتلك المراكز، وقال "جمهورنا هم صناع القرار والسياسيون لأن هؤلاء هم فعلياً من يتابع مخرجاتنا".

وضرب (العلو) مثالاً على ذلك قائلاً إن "منطقة شرق الفرات منطقة إشكالية فيها لاعبون متشابكون جداً ومتقاطعون بمصالحهم يجب أن أفكر كيف أفكك هذه الإشكالية وأنظر هذه المصالح أين تتقاطع وأين تتضارب وإلى أي مكان يمكن أن تتجه المنطقة وأرسم توصيات على أساسها لصانع القرار أن تتحرك بهذا الاتجاه ولا تتحرك بالاتجاه الثاني وبحكم أن صانع القرار هو جمهوري فإن جزءا من مخرجاتنا غير قابل للنشر".

الاستمرارية والأثر

حول ضرورة استمراية مراكز التفكير التي نشأت بعد الثورة كان لكل باحث رأي في هذه المسألة لجهة عملها وتنظيمها، لكنهم اتفقوا على ضرورة استمرارها بعد أن تستقر الأوضاع في سوريا ويحدث فيها تغيير حقيقي يلبي مطالب الشعب.

ويؤكد الباحث (عبدالله تركماني) أن هناك مراكز قدمت شيئا مهما بما يخص الثورة. لكن المشكلة ليست في ما تقدمه هذه المراكز المشكلة في المستفيد منها لأنه إن لم يتم توظيف ما يتم العمل عليه في هذه المراكز في الفعل السياسي أو الفعل الذي يخدم قضية الثورة فلن يكون لهذه المراكز أثر، وفق قوله.

وأضاف أن هناك أكثر من ضرورة لاستمرارها خاصة بعد هذا الخراب الكبير الذي حل في سوريا، فـ لمراكز التفكير دور من أجل إعادة إعمار سوريا من كل النواحي الاجتماية والاقتصادية والعمرانية والثقافية والتعليمية والسياسية والخدمية حيث لا يمكن إعادة بناء سوريا المستقبل دون الاعتماد على مراكز التفكير التي تهدينا إلى الطريق الصحيح إضافة إلى توظيف الإمكانيات  المتوفرة والاستفادة من العلاقات والشراكات مع أوروبا ودول الخليج وغيرها.

لكنه شدد على ضرورة أن تكون المراكز مستقلة وأن يلتزم صانع القرار بما تقدمه، وقال "إن لم تكن كذلك فإننا سنعيد تجربة البعث وحكم الأسد".

في حين، لفت الباحث (إياد أبو عمر) إلى أنهم باتوا يمتلكون خبرة عميقة في فهم الواقع السوري، لكنهم مازالوا في بداية الطريق، بسبب ترابط الواقع السوري مع الواقع الإقليمي والدولي، وقال "هنا المجال الذي نحاول التوسع فيه، مع ضعف الإمكانات سواء من ناحية وجود كفاءات أو من ناحية الحصول على المعلومات من خارج الواقع السوري".

وأكد بالقول "لإنتاجاتنا أثر كبير على القارئ السوري والعربي، فنحن نريد الوصول مع القارئ لأن يفهم ويفكر لا أن يتّبع ويتأدلج. ولا نريد نشر إيديولوجيا بل حث القارئ على التفكير وتفعيل عقله ليصل هو للنتيجة".

من جانبه، رأى الباحث (ساشا العلو) أن استمرارية عمل مراكز التفكير يعتمد على حالة الانتقال السياسي للسلطة في سوريا. ونبّه إلى ضرورة تنظيم عمل تلك المراكز وإلا ستشكل خطراً على بنية الدولة

وأوضح قائلاً "يجب أن تنظم هذه المراكز بإطار جامعي وتشملها قوانين وزارية لها علاقة بالبحث العلمي بمختلف مجالاته ويتم الإشراف على مخرجاتها وهذه هي الحالة الصحية. أو تنظم بإطار أمني وطني، أما أن تبقى منفلتة بهذه الطريقة فهي ستكون خطرا على الدولة وبنيتها حسب وجهة نظري الشخصية. لكن وجود هذه المراكز في الفترة الحالية مهم لأننا بحالة فوضى".