بعض مفارقات "المضحك المبكي" في الشأن السوري

2024.04.01 | 04:32 دمشق

 بعض مفارقات "المضحك المبكي" في الشأن السوري
+A
حجم الخط
-A

هل تذكرون البرنامج الإذاعي الشهير (حكم العدالة)؟ والذي اشتهرت فيه شخصية المساعد جميل كرمز للقمع السلطوي ومعه طبعاً شخصية الرائد هشام.

هنا في أوروبا الكثير من سلوكيات اللاجئين تقلّد وأحياناً بشكل حرفي محتوى معاملة المساعد جميل مع المتهمين، مع فارق بسيط أننا هنا متهمون من قبل بعضنا البعض. وبدون أي ذنب أو تهمة وما إن تحن فرصة التعارف الخاضع للمصادفة بين لاجئ وآخر حتى يبدأ التحقيق، الذي يبدأ بالتعرف على الاسم ويستمر بالسؤال حتى معرفة دين الشخص أو مذهبه، وهنا يتنهد المساعد جميل في داخل اللاجئ تنهد المنتصر، وكأنه عرف سر الجريمة ومن هو المجرم!

والمفارقة الأخرى التي يعيشها كثير من اللاجئين، خاصة عشاق العمل بالأسود، والسفر بالأسود، أي العمل بالسرّ بدون دفع الضرائب وهذه تعتبر جريمة في عموم الغرب. أما السفر بالأسود وهو السفر بدون شراء بطاقة السفر، حيث يختبئ بعض هؤلاء في مرحاض القطار ويقفل على نفسه ويمنع بذلك جميع الراكبين من الدخول للمرحاض. وقد أصبح لدى المفتشين في القطارات خبرة في التعامل مع هؤلاء حيث يطرقون على باب المرحاض حتى يضطر المختبئ للظهور.

عشاق العمل بالأسود اكتشفوا أن أوروبا ليس لها فضل في استقبال اللاجئين خاصة موجات أعوام 2015 و2016 وأنّ هدفهم هو الحصول على الأطفال، "دعونا نلاحظ عقلية المؤامرة" ويعتقدون جازمين أنّ ألمانيا مثلاً تحصل على أموال عن كل لاجئ يدخل أراضيها. وهم طبعاً لا يميّزون بين دعم ألمانيا وتمويلها "للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" وبرامج إعادة التوطين، وبين وصول اللاجئين عن طريق التهريب غير الشرعي، حيث تتكفل الحكومات الأوروبية بدفع النفقات والتكاليف للاجئين من لحظة دخولهم أراضي البلد، لأنّ عموم الغرب ملتزم بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

يشتمون الغرب الإمبريالي الاستعماري المتآمر عليهم وعلى أطفالهم. ويرون في البيروقراطية الغربية كل السلبيات خاصة إذا تأخر ولو ليوم واحد راتب المساعدة

وهؤلاء الذين يعيلهم دافعو الضرائب "عشاق العمل بالأسود" يسهرون طوال الليل وينامون معظم النهار، ويقتنون سيارات ويلعبون ورق الشدة، وبين جولتي لعب طرنيب يشتمون الغرب الإمبريالي الاستعماري المتآمر عليهم وعلى أطفالهم. ويرون في البيروقراطية الغربية كل السلبيات خاصة إذا تأخر ولو ليوم واحد راتب المساعدة.

في جوار عشاق العمل الأسود هناك شريحة تزعم الثقافة والتثاقف لكنها تلتقي مع بشار الأسد في عدائها للغرب ولليبرالية المتوحشة، لا بل تتقاطع عموم قناعاتها السياسية مع عموم قناعات البعثيين والإخوان المسلمين، ومع ذلك تدّعي المعارضة وربما تظن نفسها هي الوكيل الحصري للثورة السورية، حيث تخوّن من تريد وتحرق من تريد وذلك على حساباتها الفيسبوكية.

هؤلاء المضطربون ثقافياً وأخلاقياً يشتمون الغرب في الليل والنهار ولا يميّزون بين السياسة وبين الثقافة، ويظنون أنفسهم فلاسفة ومفكرين ومتنورين ولكن الرأسمالية المتوحشة هي من تمنعهم من الصعود إعلامياً في سلم الشهرة، وغالبية هؤلاء يعيشون متطفلين على حساب دافعي الضرائب، حتى أن معظمهم لا يفكر بالمشاركة الجدية في أي عمل تطوعي مفيد للمجتمع الذي احتضنه وقدّم له كل شيء.

المبكي والمضحك في آن معاً، أن الناس العاملة هنا تعمل وتنتظر إجازاتها بفارغ الصبر لتعيد تنشيط طاقاتها النفسية بينما مدعو الثقافة هؤلاء يقيّمون الغرب وقيمه وسياساته ومنظوماته، مع أنّ أغلبهم لا يستطيع فكّ الحرف باللغات الأجنبية، وآخر كتاب قرؤوه كان، ربما "التربية القومية" في منهاج الثالث ثانوي أدبي.

ومن هؤلاء من يشتم الغرب، خاصة أوروبا ويرى أنها لعبة بيد بالولايات المتحدة الأميركية، والمبكي أنهم يدعمون في السرّ وربما في العلن الزعيم بوتين الذي يغزو ويحتل قسماً من أراضي أوكرانيا منذ أكثر من عامين.

وبعضهم وبعد أن يدخن علبة تبغ كاملة، وكل ذلك على حساب دافعي الضرائب، يبدأ بتعداد عيوب وأخطاء السياسات الأميركية في الشرق الأوسط. ويشتم كل الرؤساء الغربيين، ويختم بسخريته العنصرية قائلاً: لقد انكشف نفاق الغرب! وانكشف زيف الديمقراطيات الغربية.

أتساءل قائلاً: هل يعتقد هؤلاء أنّ على الغرب وحكوماته تبني قضاياه؟ وهل يعتقد هؤلاء أنهم يفهون بالسياسة حينما يدمجون قاموسهم السياسي بمفردات القاموس الأخلاقي. وهل هؤلاء حقاً يؤمنون بالديمقراطية؟

ذات يوم مضى شبّهت المشهد السوري السياسي بالعصفورية، "مع احترامي لكل إنسان في أي مشفى نفسي" لكن إلى أين يسير هؤلاء بجنونهم السياسي وثقافتهم المهترئة وقناعتهم العنصرية الكارهة لكل أسباب الفهم والحياة والمنطق؟

إلى أين يسير من يريد بناء دولة الخلافة في أوروبا من اللاجئين؟ وهل يعتقد هؤلاء أنّ المجتمعات الغربية غافلة عما يفعلون؟ هل يعتقد هؤلاء أنهم يدعمون القضية السورية حين يتعاملون مع السياسة كما يتعامل طفل مدلّل نزق مع لعبته فيكسرها.

الحرية رائعة وأتاحت للجميع التعبير عن آرائهم. ولكن علينا جميعاً أن نتعلم أنّ الكراهية ليست وجهة نظر، والعنصرية كذلك

وأطرف ما في الأمر حين تتعامل بعض المواقع الإعلامية الناطقة بالعربية مع نجاحات بعض الأسماء السورية أو المهاجرة بعناوين فانتازية من عيار: الطالب السوري الذي سحق الألمان في مادة الرياضيات! أو الطالبة السوري التي خدرّت الألمان في مادة الغناء!

المشهد السوري معتم وقاتم، لكن فيه بعض الأمل، وهو أن الحرية رائعة وأتاحت للجميع التعبير عن آرائهم. ولكن علينا جميعاً أن نتعلم أنّ الكراهية ليست وجهة نظر، والعنصرية كذلك.

في برنامج "حكم العدالة" الشهير إياه، يقبضون على المجرم في البرنامج، بينما المجرم الحقيقي في الواقع هو الحاكم الفعلي. هنا في أوروبا بعضهم، وهذا البعض ربما بالآلاف، يتصرفون تصرف الشبيحة ويعتقدون أنهم قضاة.