انتفاضة السويداء.. الشرارة التي أعادت تجديد الثورة

2023.09.03 | 06:10 دمشق

 انتفاضة السويداء.. الشرارة التي أعادت تجديد الثورة
+A
حجم الخط
-A

تشهد محافظة السويداء منذ أكثر أسبوع تحركا شعبيا واسعا، جاء هذا الحراك ليشكل انفجارا مدويا، كمحصلة لحالة استنقاع الأزمة السورية، وتراجع الاهتمام الدولي في إيجاد حل مناسب، وإقفال السبل أمام الخروج من وضع لم يعد يطاق.

تمثل السويداء ثقلا وطنيا اجترحته خلال القرنين السابقين، في مواجهة العثمانيين وحملة إبراهيم باشا، ورفض التجنيد في صفوف جيشه. الا أن المنازلة الكبرى التي عرفتها أرض الجبل هي الثورة السورية الكبرى في عام 1925، ثورة لا تزال حاضرة في الوجدان، في مساهمتها الخلاقة في بناء الهوية السورية على أسس التضحية والعزة والكرامة.

هكذا دخل جبل العرب في عمق الوطنية السورية وسطر بدماء أبنائه ملحمة المجد بتناغم مع جميع مكونات المجتمع السوري، ودخل المشهد السياسي والعسكري بدور أساسي بعد الاستقلال وكان معيار الوطنية والنزاهة والولاء للوطن هو الأساس في هذا الدور.

حافظ الأسد والدروز في المؤسسة العسكرية[1]

إثر تصفية الأكثرية "السنة" من الجيش بعد انقلاب 8 آذار بتهم ملفقة، تم إبعاد الجميع تدريجيا فيما بعد، واحتكار الكليات العسكرية ليشكل الطلاب "العلويون" الغالبية الساحقة فيها. استغل حافظ الأسد الصراعات داخل المؤسسة العسكرية لتصفية كل من يمكنه عرقلة مشروعه في احتكار السلطة المطلقة.

كانت مشكلة حافظ الأسد مع "الدروز"، لأن أبناء جبل العرب شكلوا بعد الاستقلال ثقلا عسكريا وسياسيا في الدولة السورية، أكبر بكثير من حجمهم الديموغرافي، برضا وقبول الأكثرية "السنة" ومباركتها. هذا الدور هو محصلة لانخراط "الدروز" في مشروع وطني عروبي منذ مطلع القرن العشرين ودورهم البارز في معارك السوريين من أجل الحرية والاستقلال.

في أيلول عام 1966 قام سليم حاطوم بمحاولته الانقلابية الفاشلة، حيث تجنب سفك الدماء وفضل الهرب إلى الأردن لينادي من إذاعتها أن حافظ اسد وأعوانه يقودون سوريا إلى حرب أهلية بعد تصفية الجيش السوري من مكوناته الوطنية. استغلت القوى الطائفية هذه الأوضاع، وتم إلقاء القبض على معظم الضباط الدروز والزج بهم في المعتقلات بحجة المشاركة في "مؤامرة حاطوم"، والكثير من بينهم ليس لهم أية صلة أو معرفة بما يدور. وبلغت الاعتقالات حدا دفع قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا أن يبعث ببرقية إلى رئاسة الأركان يستنكر هذه التصفيات في الجيش لأبناء الجبل، إذ بلغ عدد الضباط المعتقلين والمطرودين من 200 إلى 300 ضابط.

تعرض أهل السويداء للتهميش والإذلال في عهد الأسدين، منعت عن السويداء أسباب التنمية، ولم يسمح ببروز شخصيات وازنة في مراكز السلطة الأسدية.

أهل السويداء، مثلهم مثل كل الشعب السوري، يكرهون الظلم بالفطرة، توارثوا العزة والأنفة ومكارم الأخلاق، لكن معاناتهم من النظام القمعي الشمولي كانت مضاعفة، حاول إعادة صياغة هويتهم على مقاسه بالقهر والابتزاز وبكل أساليب الأنظمة البوليسية الشمولية. لكنهم ظلوا مسكونين بتاريخهم كجماعة رافضة للظلم، مقاومة للعدوان، مقاومة تأتي من شعور متأصل لدى بني معروف أنهم أسياد أرضهم ومصيرهم لا أقلية ولا تابعين.

ثورة الحرية والكرامة

منذ انفجار الثورة السورية، لم تكن السويداء ببعيدة عن حدث مزلزل بهذا الحجم، تفاعلت ووقفت وانخرط أبناؤها في صفوف الثورة عند بداية الانشقاق في الجيش سيرت المظاهرات في عدة مناسبات. عمل النظام والثورة المضادة على تحييد السويداء عن مسرح المواجهة. لكنها تصرفت بحكمة وتعقل، وشقت طريقها لملاقاة أحرار سوريا، حسب الظروف الموضوعية المحيطة، وأنتجت حركتها المقاومة للنظام، خصوصا حركة رجال الكرامة بقيادة الشهيد وحيد البلعوس، هذه الحركة التي أعلنت رفض الخدمة في جيش الأسد الذي خان الأمانة ووجه السلاح إلى صدور الشعب.

دفعت السويداء ثمنا لمواقفها الوطنية ورفضها تطييف المواجهة وتحويلها من قضية شعب يطالب بحقوقه المشروعة في مواجهة نظام سلالي وفاسد، إلى قضية صراع طائفي سني – شيعي. وتعرضت المحافظة للعدوان في عدة مناسبات، من داعش وأجهزة النظام وحلفائه.

ثورة السويداء أعادت الروح لثورة الحرية والكرامة

انطلقت في منتصف شهر آب 2023، لتعيد الروح إلى الثورة السورية، وألقها الأول وشعاراتها "الشعب السوري واحد" والشعب يريد إسقاط النظام، وإعلان العصيان المدني واستمرار الاحتجاجات حتى تحقيق الانتقال السياسي وتطبيق القرار الأممي 2254 بإشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية. تميزت هذه الانتفاضة عما سبقها بخصائص عدة منها، حجم المشاركة الشعبية والإجماع الجماهيري واحتضان المحتجين ومساندتهم، كما تميزت باتخاذها موقف لا رجعة فيه في القطيعة مع نظام الاستبداد الأسدي. صدحت حناجر حرائر وأحرار السويداء مطالبة بالحرية وإخراج المعتقلين "يلا أرحل يا بشار"، والانتقال إلى دولة المواطنة ووضع حد لنظام النهب والفساد والاستبداد.

هبت السويداء وقامت تنفض غبار التعب لتعلن قيامة سوريا وبداية معركة الاستقلال الثاني. بعد أن فرط الأسد الوريث بالاستقلال الذي صنعه شعبنا ودفع الدماء الزكية، من أجل حرية سوريا واستقلالها، عندما وضع البلاد تحت الاحتلالات متعددة الجنسيات، مقابل البقاء في الكرسي.

أدرك الشعب السوري، كما أهل السويداء، أن الأسد باع ثروات سوريا ومرافقها الحيوية، الموانئ والمطارات والكثير من المؤسسات. بعد تدمير البلاد وتحطيم البنى التحتية الاقتصادية، وعدم توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة. لم يخجل في مقابلته الشهيرة مع سكاي نيوز، من إقفال السبل أمام الطريق نحو إخراج سوريا وشعبها عبر مبادرة الجامعة العربية، ويعقب ذلك رفع الدعم عن المواد الأساسية لترتفع الأسعار 300% لشعب دفعه نظام النهب والفساد إلى أن يعيش تحت خط الفقر، بما لا يقاس في أي بلد من العالم.

أمام هذا الواقع المرير، أدركت السويداء التي قامت بدور كبير في صناعة الاستقلال الأول، أن البلاد في وضع خطير وتعيش تهديدا وجوديا. أوصلها "الرئيس المنتصر" إلى حالة من التشظي والتقسيم، وبعد تهجير نصف شعبها، حكم على النصف المتبقي بالموت جوعا. انتفضت السويداء لتشكل من جديد رأس حربة في مواجهة هذا التهديد الوجودي، أعادت الأمل لقيامة سوريا وتجديد ثورتها لاقتلاع الاستبداد والانتقال إلى دولة المواطنة.

حملة إعلامية لتشويه الانتفاضة

في الأيام الأولى التي أعقبت الانتفاضة، التزمت أبواق النظام الصمت، مما يوضح المأزق الكبير الذي شكله حدث السويداء المجلجل والرعب من أن يطلق شرارة الثورة من جديد في كل أنحاء الوطن السوري المكلوم. بعد أيام بدأت الوساطات وتقديم العروض في توفير الماء والكهرباء وتحسين ظروف المحافظة، قوبلت هذه العروض برفض قاطع، كل المقترحات استنفدت، لا عودة عن مطالبنا الأساسية برحيل النظام وتطبيق القرار الدولي 2254، والانتقال إلى دولة المواطنة والعدالة والمساواة.

تطورت الاحتجاجات وانتقلت، في الأيام الأخيرة نقلة نوعية في إغلاق مقار حزب السلطة وإزالة جميع الحواجز الأمنية والعسكرية. علما أن المقار الأمنية مغلقة ومحاصرة، وهذا يفسر حالة الأمن والأمان التي خيمت على المحافظة في ظل غياب هذه الأجهزة، لم تسجل حوادث سطو ولا اختطاف ولا سرقة سيارات، في حين كانت هذه الحوادث تتكرر يوميا في المحافظة، عندما كان للأجهزة الأمنية حرية الحركة، فالجميع يعرف أنها كانت في شراكة مع عصابات الخطف والسطو وتهريب المخدرات، تتقاسم معها العوائد المالية المتحصلة من هذه الجرائم.

تستند دعاية النظام والأبواق المأجورة، كعادتها، إلى تخوين أهل السويداء وارتباطهم بالخارج "المؤامرة الكونية" وعمالتهم لإسرائيل. لكن هذه المرة لم يعد ذلك مجديا. بدأ الترويج أن الاحتجاجات تهدف إلى الانفصال أو إلى إقامة "حكم ذاتي"، يستخدم في ذلك حجة غياب الأعلام الوطنية، ورفع العلم الخماسي من قبل المحتجين.

العلم الخماسي أو (علم الخمسة حدود)

كل الحروب والمواجهات الدامية التي عرفها الموحدون كانت تحت راية هذا العلم خماسي الألوان، علم ترسخت رمزيته عبر التاريخ ليصبح رمزا لمعارك الحرية، وبيرقا يحفز الجميع للمشاركة في الدفاع عن النفس، أصبح هذا العلم رمزا لحشد الناس والوحدة في مواجهة الظلم، عند تعرض المجتمع للخطر. كان بنو معروف، كغيرهم من القبائل العربية، يشاركون في المعارك تحت رايات قبلية أو عائلية، كل عائلة تتقدم ببيرقها المميز. في القرن الماضي تم الاتفاق على توحيد هذه البيارق في العلم الخماسي، الذي أصبح رمزا لمعارك الحرية ومواجهة الغزاة.

يهدف تبني هذا العلم من قبل المحتجين، توسيع المشاركة الشعبية بما يتجاوز ثنائية المعارضة والموالاة وضمان مشاركة أوسع قاعدة مجتمعية في هذه الاحتجاجات.

وجهت أبواق النظام اتهامات بالانفصال لأن هذا العلم محلي وليس علما وطنيا. لكن الصورة والصوت كذبت هذه المزاعم وتحقق الجميع من أن المطالب الأساسية هي وحدة سوريا أرضا وشعبا ورحيل النظام والانتقال السياسي.

في الجمعة الماضية، نزل أحرار سوريا إلى الساحات لمساندة أبطال السويداء حاملين علم الاستقلال والعلم الخماسي الذي يرمز إلى معارك الحرية عند بني معروف، في رد واضح على استراتيجية آل الأسد: فرق تسد، في رسالة واضحة للقول إن الشعب السوري يبارك ويساند ويتبنى انتفاضة السويداء.

 


[1] - فايز القنطار، الهوية الوطنية والمسألة الطائفية، مجلة رواق ميسلون، العدد الأول. كانون الثاني 2021.