اليمين الإسرائيلي يركز استهدافاته نحو القدس والأقصى

تاريخ النشر: 12.05.2021 | 06:57 دمشق

آخر تحديث: 12.05.2021 | 07:21 دمشق

فرض الهجوم الفلسطيني المسلح الأخير بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وأسفر عن مقتل أحد المستوطنين الإسرائيليين، نفسه على الأحداث الدائرة في القدس المحتلة خلال الأيام الأخيرة، باعتباره علامة تحذير من المقاومة الفلسطينية قبل نهاية شهر رمضان، ولذلك أعربت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن قلقها إزاء التوترات المتزايدة، وقررت تعزيز قواتها بالضفة الغربية، مع خشية من تنفيذ هجمات "دفع الثمن" من المستوطنين اليهود.

يعتقد الإسرائيليون أننا أمام تهديد لحماس بإشعال المنطقة، خاصة مع ما شهدته الأيام الماضية من تصعيد أمني مدروس، ولذلك تقرر تعزيز قوات الاحتلال وسط تحذيرات بانفجار الأوضاع في حال جرى الاقتحام الجماعي لليهود للمسجد الأقصى، بزعم أنه إذا حدث هذا الاقتحام، فإن الفلسطينيين سيحاولون زيادة زخم الأحداث، من خلال تفجير الأوضاع بالضفة الغربية.

نقلت الأوساط العسكرية الإسرائيلية أن لديها مخاوف من قيام ناشطي اليمين المتطرف بتنفيذ عمليات دفع الثمن ضد الفلسطينيين

تزامن ذلك مع تجدد إطلاق الصواريخ من قطاع غزة في إطار الجهود المبذولة للتصعيد العسكري؛ مما دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لزيادة اليقظة في جميع أنحاء دولة الاحتلال، لأن ما يحصل يثير مخاوفها من تصعيد محتمل في الضفة الغربية؛ وفي مستوطنات غلاف غزة، يخشون من تصعيد جديد، بعد عدة ليال صعبة وعنيفة هناك في الأسابيع الأخيرة، خاصة أننا نشهد أواخر شهر رمضان.

وقد نقلت الأوساط العسكرية الإسرائيلية أن لديها مخاوف من قيام ناشطي اليمين المتطرف بتنفيذ عمليات دفع الثمن ضد الفلسطينيين، وفي هذه الحالة نتوقع أن تؤدي الأحداث لزيادة سخونة القطاع بأكمله، وهذا أمر مخيف، ويستعد له الجيش والأجهزة الأمنية.

تطورات الأحداث الأمنية الأخيرة كان آخرها الهجوم على مفرق تفوح، عندما أطلقت أعيرة نارية على مستوطنين، قتل أحدهم، والثاني في حالة حرجة، والثالث بجروح طفيفة، وفي وقت سابق، وقعت محاولة طعن في مفرق غوش عتصيون نفذتها شابة فلسطينية مسلحة بسكين طعن ضد جنود إسرائيليين، كما وقعت محاولة تنفيذ عملية طعن ضد شرطي وجندي عند المدخل الجنوبي لبيت لحم، مع العلم أن أحداث غزة الأخيرة اعتمدت على ما يحدث في القدس، وكأنها ذريعة حماس لإطلاق الصواريخ على الغلاف، وكان من المستحيل عدم تفسير هذه الدعوة على أنها اصطفاف إسرائيلي مخيف مع رواية حماس للأحداث، ثم جاء الطي المخيف للحواجز على درج باب العامود، وقدم لحماس صورة انتصار، وتمت الموافقة على طلبها بأن إطلاق النار في غزة مصدره سلوك إسرائيل في القدس.

لقد عبرت السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين عن "حظيرة صامتة وخاضعة"، وقدمت قيادتها سلوكا أشبه بـ"عار الاستسلام أمام التنمر الفلسطيني"، واستسلمت دون أن تطرف عينها، ودون أن تأخذ في الاعتبار أن حماس قد تجد ذريعة جديدة لتحريض المنطقة، مع العلم أن إسرائيل وحماس تلقتا تذكيرًا هذا الأسبوع بمدى سهولة الانزلاق لمواجهة أخرى في قطاع غزة، وهي تشكل فرصة لإحصاء عدد الجولات التي خاضها الجانبان في السنوات الماضية، وفي كل جولة كادتا تقتربان من حافة الهاوية، ما يؤكد مدى عمق الأزمة بينهما.

في الوقت ذاته، تزعم محافل يمينية إسرائيلية أن الحكومة تحني رأسها أمام صواريخ غزة، بعد أن استسلمت في قضية الحواجز في باب العامود بالقدس، وأعطت الفلسطينيين إنجازًا أخلاقيًا آخر من شأنه أن يجلب على الإسرائيليين مزيدا من المواجهات، فما يمكن رؤيته من نتيجة نهائية في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية والقدس والعالم العربي بأسره، عنوانه "هُزمت إسرائيل".

لقد تمت إضافة موضوع الحواجز عند باب العامود في القدس، إلى البوابات الإلكترونية في الحرم القدسي، وصفقات تبادل الأسرى مع الفصائل الفلسطينية، والانتفاضتان الأولى والثانية، وغيرها من المعالم الكئيبة في أيام "الاستسلام" الإسرائيلي، وهي أحداث دفع الإسرائيليون أثمانها باهظة، رغم ما تم تسويقه من الكثير من المعلومات الخاطئة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وكان لافتا أن الاحتفالات التي شهدها باب العامود بعد إزالة الحواجز الإسرائيلية مباشرة، تمثلت بهتافات مئات من الشبان الفلسطينيين، تأييدا لمحمد الضيف وكتائب عز الدين القسام، وأنشدوا "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود"، وهذا يعني أن الهزيمة والاستسلام الإسرائيلي أمام النصر الفلسطيني البطولي، أعطيا الفلسطينيين إنجازًا أخلاقيًا آخر، من شأنه أن يجلب الكثير من العنف في المستقبل.

لقد شكلت أحداث القدس الفرصة المناسبة لإشعال مزيد من الأحداث في غزة والضفة الغربية، وكل المدخلات والمؤشرات بدت ملحوظة حقًا، وقد تكون مثل تلك الهجمات بمثابة وقود لهجمات لاحقة، من خلال محاكاة هذه الهجمات، أو كجزء من مخطط تصعيد متطور.

رصد الإسرائيليون مباشرة بعد الهجمات الأخيرة في الضفة الغربية، كيف بدأت آلة الدعاية لحماس بالعمل على مدار الساعة، ورحب المتحدثون باسمها بهذه الهجمات، وربطوا على الفور بينها وبين الأحداث العنيفة التي وقعت في القدس حتى وقت قريب، علما بأن الحركة تدرك أن الأسبوعين المقبلين مليئان بالمواعيد والتواريخ الحساسة، وتحاول ركوبها لزيادة التوترات، ودفع عجلة التصعيد إلى الأمام.

عاش الفلسطينيون والإسرائيليون في الأيام الأخيرة جملة من التواريخ الحساسة، فقد مرت الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، كما تصادف ليلة القدر، ليلة السابع والعشرين من رمضان، وفي 28 من رمضان حل ما يسمى "يوم القدس اليهودي"، وهو ما شهد محاولات اقتحام يهودية مكثفة، واشتباكات عنيفة مع المرابطين في القدس، وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فبعد أيام قليلة سيأتي ذكرى يوم النكبة، وكل ذلك من شأنه أن يجعل من الاضطرابات في القدس أحداثا قابلة للاشتعال بين حين وآخر.

لم يتوقف التصعيد الأمني العسكري على القدس المحتلة، بل تطورت على صعيد الهجمات المسلحة الأخيرة في الضفة الغربية، وإطلاق الصواريخ من غزة، مما يعني أن جهود الجيش الإسرائيلي لمنع موجة جديدة من العمليات العسكرية لم تنجح بعد، خاصة مع التهديدات الأخيرة التي أطلقها قائد كتائب القسام.

يتحرك الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع كالعادة بين التكتيكي والاستراتيجي، وتبحث حماس عن طريقة لإبقاء اسمها في العناوين الرئيسية، ولا يوجد شيء مثل القدس كفيلة بتزويدها بالبضاعة اللازمة، إذ إن حماس تدرك جيدا أن القدس أمر مختلف تمامًا، حيث إن العاطفة الدينية تزداد في رمضان.

هذا بالضبط ما حاول فعله محمد ضيف، قائد الجناح العسكري لحماس، حين سعى لردع إسرائيل عن الاستمرار بقراراتها ضد المقدسيين، حيث أرادت حماس أن تظل ذات صلة، وحاملة لنجمة القدس، وتأمل أن يكون ذلك كافياً لإثارة الروح المعنوية خلال الأعياد، خاصة أيام القدس والنكبة.

وهكذا يستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال استئناف إطلاق النار في غزة، أما في الضفة الغربية، فترفع العمليات الفلسطينية المسلحة ذات الطابع الشعبي، وسط ربط واضح بينها وبين أحداث القدس، من خلال هجمات فردية على الأرض، لذلك قرر الجيش تعزيز قواته الإضافية، على افتراض أن الهجمات هي محاولات ملهمة ومحاكاة، وبحلول نهاية رمضان في منتصف مايو، ستكون المنطقة شديدة الانفجار.

يبذل جيش الاحتلال جهودًا كبيرة للحد من العمليات، وقد انتقد كبار الضباط سلوك الجنود في المنطقة، حيث يُعرف مفترق "تفوح" في الضفة الغربية الذي وقعت فيها العملية الفدائية الأخيرة بأنها نقطة إشكالية، وواضح أن سياسة الجيش جاءت، ومزعجة في الغالب، لأن ما ينتهجه الجيش ليس طريقة للتغلب على الهجمات الفلسطينية المسلحة.

جاء تهديد الضيف الذي بقي صامتاً منذ حرب غزة 2014، مما حمل تحذيرا لإسرائيل بأنها إذا تجرأت على إخلاء المقدسيين من منازلهم، فلن يمر ذلك دون إجابة على الأرض

كل ذلك يؤكد أن الإسرائيليين يجدون أنفسهم أمام برميل من المتفجرات، حيث يستعد الفلسطينيون لنشاطات كبيرة في القدس، وستكون محور الأحداث في حي الشيخ جراح، بسبب ما قد تصدره المحكمة العليا، بعد عقود من الصراع القانوني والأحكام التي لا تنتهي، من أحكام نهائية بشأن إخلاء الفلسطينيين من المنازل، حتى جاء تهديد الضيف الذي بقي صامتاً منذ حرب غزة 2014، مما حمل تحذيرا لإسرائيل بأنها إذا تجرأت على إخلاء المقدسيين من منازلهم، فلن يمر ذلك دون إجابة على الأرض.

الخلاصة أننا أمام تطورات متلاحقة على مدار الساعة، ولعل ما تكتسبه القدس المحتلة، والمسجد الأقصى، من أهمية استثنائية، يختلط فيهما البعد السياسي مع الديني، يجعل الأحداث قابلة للانفجار في أي لحظة، دون أن يمتلك الإسرائيليون بوليصة تأمين لئلا تندلع الأوضاع الأمنية بحيث تصل إلى انتفاضة ثالثة عنوانها القدس المحتلة.