النقد الإبداع والمقاومة

2023.08.13 | 06:07 دمشق

النقد الإبداع والمقاومة
+A
حجم الخط
-A

وجهتا نظر تتقاسمان الفكر السائد حول ما يعنيه النقد في المجال الثقافي والسياسي، تنظر الأولى للنقد على أنه عمل إيجابي، يُحرك المستنقعات الراكدة ويُسائِل المعايير المسيطرة ويفنّد الأفكار الخاطئة إلخ، وبالتالي فهو حركة صحّية وضرورية للفكر في كل المجتمعات. بينما تقول وجهة النظر الثانية إن النقد هو عمل سلبي، غير إبداعي، هدمي وغير توليفي، وذلك على اعتبار أن النقد هو مجرّد تفنيد لما هو موجود أصلاً، وينصبّ على ما سبق وتم إبداعه، وبالتالي فهو بناء نص على نص، وهذا ما يجعله مجرّد تابع ومُضاف لما تمّ قوله في النص أو الفكر المنقود. وهذا الوضع بالمجمل هو ما يحدد الخلاف بين النقد والإبداع عند تلك الفئة، فالنقد هو حركة ثانية غير أصيلة، تعمل ضد الحركة الأولى الأكثر أصالة والتي تتجلى في الإبداع والخلق.

لكن عند النظر في كلا الرؤيتين السائدتين والمعروضتين أعلاه، سنجد أن الأطروحتين لا تختلفان عن بعضهما بعضا إلى الدرجة التي يظنها أصحابها، بل هما رؤيتان مكملتان لبعضهما، ومحكومتان بذات المنهج الضعيف أو الناقص لرؤية النقد. فإذا كانت الأولى ترى أن النقد هو توجّه نحو آخر، فإن الثانية لا تعي أهمية الآخر في كل إبداع ممكن، وإذا كانت الأولى تعزز أهمية الفعل النقدي، فإن الثانية تكتفي بنزع الإبداع عن ذلك الفعل دون أن تهمل أهميته في نزع الشرعية عن الحس المشترك والسائد من الأفكار.

النقد الحقيقي أو النقد الفاعل هو بذاته إبداع، والنقد الفاعل ليس اعتراضاً، ولا ينقد بالضرورة أشخاصا ولا حالات، ولا  أفكارا، بل ينقد الفكر كلّه، الفكر الذي حمل تلك الأفكار

"إبداع الجديد" و"الخلق من عدم" و"كتابة الأفكار والنصوص الفردية والفريدة" هو ما تراه وجهة النظر الثانية مهماً وقيّماً، لكن عندما تكون الكتابة ذاتية تماماً وإبداعاً من عدم فهي لا تنتقد أحداً في الواقع، لأنه إذا كان المبدع فعلياً يخلق نصّه من العدم، أو عبر "وحي يوحى" فهذا معناه أنه لا يحاكي أو يحاور أحداً في التاريخ أو في الحاضر، وبالتالي فهو لا يطرح مشكلة على أحد، فليس هناك مشكلة فكرية أو سياسية بلا تاريخ أو خارج التاريخ (التاريخ ليس فقط ما مضى، بل ما يعاش في الحاضر). وعندما لا يزعج الإبداع سلطة الأفكار المهيمنة في زمنها، أو كل السلطات القائمة "السياسية والدينية والمعرفية وغيرها"، فهو لن يخلو من الروح النقدية فحسب، بل سيفقد معناه كإبداع لجديد، لأنه ليس هناك جديد إلا ويضرب صلاحية قديم موجود، أو يخترق القديم، أو يفكك القديم ويقوضه ويهدم امتداده وسلطته في واقع مُعاش أو فكر قائم أو تاريخ مشترك.

ما نريد طرحه ضداً على الرؤيتين السابقتين هو أن النقد الحقيقي أو النقد الفاعل هو بذاته إبداع، والنقد الفاعل ليس اعتراضاً، ولا ينقد بالضرورة أشخاصا ولا حالات، ولا  أفكارا، بل ينقد الفكر كلّه، الفكر الذي حمل تلك الأفكار، الفكر الذي أدى بأشخاص لأن يقولوا ما يقولونه، الفكر القابع خلف حماقة ما يُقال أو ما يُكتب، الفكر الذي جعل من الخطأ أو الوهم السائد ممكناً.

معظم ما كتبه ماركس مثلاً يبدأ بكلمة نقد، وينتهي كممارسة للنقد كفعل فكري خالص، وعندما طرح ماركس "نقد الاقتصاد السياسي" أو كتب كانط "نقد العقل المحض"، كان الأول يغير آلية فهمنا كلّه للاقتصاد الرأسمالي وليس مجرّد نقد أفكار آدم سميث أو ريكاردو عن الاقتصاد. كما أراد الثاني تغيير منهج الفكر كلّه في فهم العالم وليس مجرد تفنيد منهج هيوم أو إثبات رؤية نيوتن، ولذلك انتهى ماركس بخلق نظام جديد للتفكير في معنى العمل والقيمة ورأس المال، بينما انتهى كانط بوضع حدود جديدة للعقل وآليات جديدة للحكم ومعايير جديدة للأخلاق. 

النقد المبدع ليس تقديم معلومات جديدة أو تفنيد قديمة، فبالمعنى السياسي مثلاً لا يبدو أن تفنيد رواية سائدة أو تقديم معلومات جديدة قد أزعج أي سلطة ديكتاتورية عبر التاريخ، لم يزعج هتلر أو ستالين المعلومات التي كانت تتسرب حول المحارق أو الكولاغ، بل إن جزءاً من استراتيجياتهم كانت تسريب تلك المعلومات لنشر الخوف، ولم يزعج الأسد إطلاقاً كل النقد المحلي والدولي الذي طاله بخصوص استخدام الأسلحة الكيماوية، لأن تلك الأنواع من الانتقادات لا تعمل إلا بالنفي والتضاد، ولا ينتج عنها إلا السلب الذي يعتمده الفاعل ليقفز فوقه أو الاعتراض الذي يقوي المطروح الذي يعترض عليه، ولذلك لم تكن إلا كالعثرة التي جعلت الخطوة أكثر ثباتاً والاختبار أكثر فاعلية.

ليس النقد شيئا والإبداع شيئا آخر بالنسبة لوجهة النظر التي نطرحها، بل إن النقد هو ذاته إبداع، والإبداع هو ذاته نقدي. ليس هناك نقد فعّال إن لم يطرح تصوراً جديداً للموضوع كله، ومنظوراً جديداً لكل الفكر المنقود، لكن الإبداع لا يأتي من العدم بل من جعل الموجود ذاته يتفجّر بطاقات جديدة لم تكن ظاهرة فيه.

الإبداع هو دائماً مقاومة لما هو سائد وطاغٍ، لكنه ليس مقاومة من النوع السلبي المقيت والميت والقائم على إكمال النقص. ليست مقاومة حزب الله مثلاً إلا مقاومة من ذلك النوع السلبي المقيت، نوع من الموت الذي يدفع الجميع معه إلى الموت. حزب الله ليس مقاومة باسم الحياة، بل مقاومة باسم الموت ومن أجل الموت، وكل شكل للمقاومة من هذا النوع هو شكل للموت. فعندما ينتقد حزب الله إسرائيل مثلاً، فهو ينتقدها/ يقاومها باليد اليمنى، ليعود ويتشبّه بها باليسرى، يقاومها لأنه أقل منها، ينقص عنها ويريد أن يمتلئ بأن يصبح مثلها، يحل محلّها، يمتلك القوة التي تملكها. ولذلك فإن التجلّي الأول لحزب الله في لبنان أو في المنطقة كلها تمثّل في أنه أصبح "إسرائيلها"، أراد أن يحتل الموقع الذي تحتله إسرائيل لا بالنسبة "لداخلها الفلسطيني" بل لخارجها العربي أيضاً.

انظروا لما يتفوّه به أي ديكتاتور، أو للمعيار العام الذي تفرضه أي سلطة سائدة لن تجدوا إلا الحماقات. حماقات يدفع بشر من لحم ودم أثمانها في بلادنا، وتدفع ملايين البشر إلى اليأس الكامل وفقدان المستقبل

المقاومة التي نعنيها عندما نقول إن الإبداع مقاومة، لم يوضحها أحد مثلما فعل جيل دولوز في حواراته مع كلير بارنيت عندما تحدّث عن كيف أن الإبداع يجعل من الحماقة أمراً مخجلاً، الإبداع الفلسفي والفنّي وفي شتى مجالات الحياة إذاً هو مقاومة للحماقة والبشاعة، مقاومة لسيادة الحمقى وسيطرة الحماقة البشرية. انظروا لما يتفوّه به أي ديكتاتور، أو للمعيار العام الذي تفرضه أي سلطة سائدة لن تجدوا إلا الحماقات. حماقات يدفع بشر من لحم ودم أثمانها في بلادنا، وتدفع ملايين البشر إلى اليأس الكامل وفقدان المستقبل، وتقتل الأمل والحياة في مجتمعات نابضة برغبة الحياة.

النقد إبداع، والإبداع مقاومة، يصدق ذلك في الفلسفة مثلما في السياسة، وفي الحياة مثلما في الفكر، ولا بد من نفض الغبار عن تلك المفاهيم التي سرق معانيها "محور المقاومة" عبر تاريخه الطويل في السيطرة على المجتمع والسياسة والفكر، ليملأ المنطقة وشعوبها بالموت والتخلّف والحماقة، تلك الحماقة التي يجب مقاومتها ونقدها جذرياً، وإبداع البديل عنها باسم الحياة.