"الناس تأكل بعضها".. كيف تغير سكان اللاذقية مع تدهور الاقتصاد؟

تاريخ النشر: 23.08.2020 | 18:52 دمشق

اللاذقية - حسام جبلاوي

يعيش الساحل السوري منذ سنوات حالة انفلات أمني وانتشار للجريمة المنظمة بسبب سيطرة الميليشيات والمقربين من عائلة الأسد على مفاصل الأمور فيه، لكن تدهور الأوضاع المعيشية خلال الفترة الأخيرة فاقم من سوء الأوضاع على نحو أوسع مع انتشار أكبر للسرقات وعمليات التشليح والخطف بهدف جني الأموال بشكل أوسع.

قبل عدة أيام عثر على جثة شاب ثلاثيني منتحر داخل مدينة جبلة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وعجزه عن تأمين قوت عياله، سبقها بأيام قليلة فقط العثور على جثة رجل في العقد الخامس من عمره مرمياً على شاطئ "عرب الملك" قرب مدينة بانياس لأسباب مجهولة.

ومع فقدان الأمن في عموم مناطق الساحل السوري بما فيها قرى النظام الموالية له، أصبحت ظاهرة الجثث المرمية قرب حاويات القمامة خبراً شبه يومي، بعضهم لضباط من قبل النظام وآخرون قتلوا بهدف سلب سياراتهم، في حين انتشرت ظاهرة الخطف بهدف الفدية المالية بشكل أوسع كما يؤكد أهالٍ في اللاذقية، وطال بعضها نساء خلال الآونة الأخيرة.

ولعل لقب "شيكاغو سوريا" الذي بات يطلق محلياً على محافظة اللاذقية بسبب انعدام الأمن وانتشار العصابات المنظمة هو تعبير يحمل الكثير من الدلالة حول الوضع الذي تعيشه المحافظة هذه الآونة.

سرقات من نوع جديد في اللاذقية

في مدينة جبلة جنوب اللاذقية خسر رضوان خلال عشرِ دقائقَ قضاها في شراء لوازم منزله دراجته النارية بعد شهر من شرائها.

واللافت في الأمر هو انتشار ظاهرة السرقات الصغيرة بشكل أوسع، وغياب الأمن بشكل شبه كامل بين الطرقات لاسيما الخارجية، بسبب انتشار عصابات التشليح والخطف وسط غياب دور أجهزة النظام الأمنية.

أبو أحمد هو تاجر آخر في نفس المدينة يملك متجراً صغيراً لبيع المواد الغذائية لا يكاد يمضي يوم إلا ويتعرض لبعض السرقات الخفيفة كما يصفها، علب سردين، ودخان وربطة خبز وأي شيء خفيف يمكن أن ينشل بسهولة.

يعزو التاجر الأربعيني سبب انتشار مثل هذه السرقات بشكل أوسع إلى حالة "المجاعة" التي يعيشها الناس، مضيفاً: "بعضهم يستغل وجود عدة زبائن يسأل عن الأسعار ثم يمضي لأكتشف لاحقاً أنَّ بضائع خفيفة الحمل سرقت لكن ماذا أفعل؟".

في مدينة اللاذقية انتشرت أيضاً أنواع أخرى من السرقات لم تكن معتادة سابقاً وهي سرقة مضخات المياه من الأبنية وبيعها، وسرقة بضائع عربات الخضار ليلاً، وانتشال محافظ النساء وسرقة هواتف وأموال من أصحابها.

وقبل أيام قليلة ذكرت وسائل إعلام النظام في اللاذقية أن جهات أمنية قبضت على مجموعة شبان في سوق "الحرامية" بمدينة اللاذقية أثناء بيعهم مولدات مياه مستعملة وأدوات منزلية، مشيرة إلى أن هذه المجموعة اعترفت بـ 12 عملية سرقة من بينها محال تجارية ونشل نساء وعمليات احتيال وتشليح.

وبحسب الناشط الإعلامي في مدينة اللاذقية محمود عبد الله فإن عمليات السطو تتركز في معظم أحياء مدينة اللاذقية لاسيما الشعبية منها كالرمل الجنوبي وقنينص والطابيات وغيرها، مضيفاً: "الناس بدأت تأكل بعضها الغش منتشر في كل مكان وكأننا أصبحنا في غابة الكل يريد تأمين قوت عياله بأي طريقة لم يكن مجتمعنا هكذا أبداً ".

ويرى الناشط أن حوادث السرقة والاحتيال والخطف لم تعد حوادث متفرقة تحدث بين الفترة والأخرى بل أصبحت ظاهرة منتشرة في شتى أرجاء المحافظة، مشيراً إلى غياب الأمان وزيادة حالات القتل لأسباب بسيطة.

من جانب آخر تحدث أبو أيمن وهو صاحب مطعم شعبي لبيع الفلافل عن الوضع الاجتماعي الذي وصل إليه الناس في مناطق سيطرة النظام، وتابع:" يأتيني كل يوم رجال يطلبون مني بيعهم بالدين رغم أن سعر ثمن السندويشة لا يتجاوز 150 ليرة، لم يكن هذا الأمر مألوفا سابقاً لكن بعض العائلات الآن تعجز بالفعل عن تأمين الطعام لأبنائها".

وأضاف أبو أيمن لموقع تلفزيون سوريا:" سوء الأوضاع الاقتصادية والفقر أدى إلى ازدياد الغش وعمليات النصب والسرقة، قبل أيام سرق هاتفي أثناء العمل، في حين تعرض أحد الزبائن للنشل، أيضاً بات ملاحظاً الغش في المواد التي نشتريها كاللبن والطحين وغيره وجميع ما يحدث سببه الفقر والجوع".

بيع حصص الإغاثة في اللاذقية

على بعد كيلومترات بسيطة من حي الزراعة الذي تجوبه سيارات كبار شخصيات عائلة الأسد والمقربين منهم تنتشر بسطات المعونات الإنسانية للبيع بشكل علني رغم عبارة "ليست مخصصة للبيع" تجذب هذه البضائع أصحاب الدخل المحدود والفقراء الذين لم يتمكنوا من الحصول عليها رغم أنها يجب أن تكون مخصصة لهم.

يعزو أبو فاروق صاحب إحدى هذه البسطات سبب بيعه لهذه المواد الممنوعة بعبارة "بدنا نعيش" مضيفاً "هذه البضائع رخيصة وتجذب الزبائن، لست معنياً بالبحث عن مصدرها، فعندما نتعامل مع التجار لا نسألهم عن قانونية الأشياء التي يبيعونها أو طريقه الحصول عليها".

ومثل المعونات الإنسانية التي تباع في الطرقات بدل توزيعها على المحتاجين يصطف عشرات الشبان عند "جسر الجمهورية" وسط المدينة للبحث عن عمل يؤمن لهم فرصة تأمين قوت يومهم، لكن اللافت في المشهد هذه الأيام وجود بعض النساء بين الباحثين عن هذه الأعمال الشاقة.

ويبدو أن سوء الأوضاع وتدهور الوضع المعيشي في سوريا بشكل عام بدأ يؤثر على حاضنة النظام ومؤيديه الذين باتوا ينتقدون علناً وعبر وسائل التواصل الاجتماعي سياسته وفساد حكومة النظام حيث عبَّرَ بعضهم عن عدم قدرته على شراء الحليب والخبز لأبنائه متسائلاً هل بذلنا كل هذه الدماء لنعيش هذه الأيام؟!.