icon
التغطية الحية

الموازنة العامة في 2023.. تضخم متزايد وتراجع في الدعم والقدرة الشرائية

2022.10.29 | 08:50 دمشق

الاقتصاد السوري
يتوقع محللون أن تؤثر الزيادة في الموازنة سلباً على الاقتصاد وتسهم بانخفاضٍ جديد في القدرة الشرائية - رويترز
إسطنبول - هاني العبد الله
+A
حجم الخط
-A

بلغت موازنة النظام للعام المقبل 16550 مليار ليرة سوريا، أي بزيادة قدرها 24.2% مقارنةً بموازنة العام الحالي، ما جعل كثيراً من السوريين يعتقدون أن تلك الزيادة ستنعكس بشكلٍ إيجابي على واقعهم المعيشي، إلا أن محللين اقتصاديين توقعوا أن تؤثر سلباً على اقتصاد البلاد وتسهم بانخفاضٍ جديد في القدرة الشرائية للمواطن.

زيادة وهمية

كانت موازنة العام الحالي بلغت 13,325 مليار ليرة، ما يعني أن موازنة 2023 زادت 3.225 مليارات.

الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي، سمير طويل، وجد أن الحديث عن زيادة في موازنة 2023 بمقدار 24% مقارنةً بموازنة 2022 هو كلام غير واقعي، فالزيادة المسجلة وهمية، لأن سعر الصرف كان عند إقرار الموازنة نهاية العام الماضي 3460 ليرة، بينما وصل الدولار عند الموافقة على مشروع الموازنة قبل أيام لحاجز 5 آلاف ليرة".

وأوضح طويل لموقع تلفزيون سوريا أن "ارتفاع مستوى التضخم في سوريا، وارتفاع التضخم عالمياً عقب الحرب الروسية الأوكرانية، سيجعل الزيادة الحاصلة على موازنة 2023 بلا معنى، ولن يكون لها أي تأثير إيجابي".

وتساءل السوريون فيما إذا ستساهم الموازنة الجديدة في حدوث زيادة على الرواتب، حيث تم تخصيص مبلغ 2114 مليار ليرة من أجل كتلة الرواتب، أي بزيادة 33 بالمئة عن موازنة عام 2022، حيث تم حينها تخصيص مبلغ 1586 مليار من أجل رواتب الموظفين.

وفي هذا الإطار قال سمير طويل: إن "الزيادة في كتلة الرواتب لن تكون مجدية نتيجة التضخم الذي سيحصل والارتفاع الكبير في الأسعار خلال العام المقبل، في ظل تواصل تدهور الليرة السوريا".

وبموجب موازنة عام 2023 ستزيد الرواتب بمقدار الثلث أي تصل بين 150-200 ألف ليرة، بينما فعلياً يجب أن يصل الراتب لمليون ليرة على الأقل، لمواجهة موجة التضخم، وبالتالي الزيادة التي ستحصل على الرواتب وهمية ولا قيمة لها.

أرقام تُنذر بإلغاء الدعم

من خلال قراءة أرقام الموازنة التي وافقت عليها حكومة النظام لعام 2023، نجد أن الأسد قلّص الدعم الاجتماعي، حيث خصص له مبلغ 4927 مليار ليرة، بينما كان 5529 مليار ليرة في موازنة العام الحالي.

كما أنه من الملاحظ وجود انخفاض كبير في دعم الدقيق التمويني، حيث خصصت حكومة الأسد لهذا البند مبلغ 1500 مليار ليرة فقط، بينما بلغ 2400 مليار ليرة العام الحالي، ما ينذر برفع جديد لسعر ربطة الخبز أو إلغاء دعمها وبيعها بالسعر الحر.

ووفق أرقام الموازنة الجديدة، فإن الدعم المخصص للسكر والرز، كان نفس المبلغ المخصص في موازنة العام الحالي (300 مليار ليرة) فقط، رغم أن قيمة الليرة السوريا تراجعت بشكلٍ كبير بين الموازنتين.

النظام السوري لم يراعِ انهيار سعر الصرف، حيث زاد دعم المشتقات النفطية في موازنة العام المقبل بنسبة 11% فقط، حيث أصبحت قيمة الدعم 3 آلاف مليار، بعدما كانت 2700 مليار العام الحالي.

ورغم تراجع الدعم الاجتماعي، زعم رئيس حكومة الأسد، "حسين عرنوس"، أن "الحكومة ستستمر بالدعم الاجتماعي بما فيه المواد الأساسية والصحة والتعليم والمشتقات النفطية والكهرباء".

إلا أن المحلل الاقتصادي، محمد بكور، أكد أن تصريحات حكومة النظام مجرد كلام إعلامي، موضحاً أن "الأسد سيواصل إلغاء الدعم عن شرائح جديدة من المجتمع كما فعل هذا العام، وبالتالي ستزيد نسبة الفقر بشكلٍ كبير".

الخدمات الأساسية بلا دعم

أغفل مشروع الموازنة دعم الكثير من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، ما زاد المخاوف من احتمال زيادة ساعات التقنين الكهربائي، أو رفع أسعار الكهرباء المنزلية أو التجارية أو الصناعية.

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي، يونس الكريم، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن النظام قام بتقييم الموازنة بنحو 16 ألف مليار ليرة، بينما في الواقع يجب تحديدها بين 20-30 ألف مليار كي تغطي الاحتياجات".

وفي ظل انخفاض قيمة الموازنة، توقع الكريم أن لا يكون هناك إمكانية لدعم القطاع الصحي، ما قد يؤدي إلى تدهور الواقع الطبي وانتشار الأمراض والأوبئة، وبنفس الوقت فإن القطاع التعليمي لن ينال أي دعم، كافتتاح مدارس جديدة أو صيانة المدارس المتضررة، أو توفير الدعم اللوجستي لها".

وأوضح الكريم أن الأسد لن يستطيع دعم سعر الصرف، لأن الموازنة البالغة 16 تريليوناً، تشكّل نصف حجم العملة المطبوعة لدى النظام، واستخدامها لتمويل الموازنة سوف يسبب نقص بالسيولة، وبالتالي سيضطر الأسد لطباعة عملة من جديد.

طباعة عملة جديدة سيؤدي إلى الوصول لمرحلة التضخم الجامح، وحينها سيصعب السيطرة على سعر الصرف، ما يسهم في انخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين، مع عجز كامل لمؤسسات الدولة بتقديم خدماتها.

تراجع عجلة الإنتاج

وفق موازنة عام 2023، نلاحظ ضعفا في حجم الإنفاق الاستثماري الذي يسهم في دعم الاقتصاد، حيث كان 2000 مليار العام الحالي، وأصبح 3000 مليار للعام المقبل، ولكن فعلياً مع تراجع سعر الصرف، فإن دعم الاستثمارات كان العام الحالي 570 مليون دولار، بينما سيصبح العام المقبل 600 مليون دولار فقط.

وادّعى رئيس حكومة الأسد، أن مشروع الموازنة العامة لسنة 2023، يُركز بشكلٍ أساسي على إنجاز مشاريع ذات جدوى اقتصادية، تسهم بتعزيز الإنتاج وتحسين الخدمات، وتنعكس إيجاباً بشكلٍ مباشر على الاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

لكن أفاد يونس الكريم، أن "موازنة العام المقبل، لن تسهم في مشاريع إعادة الإعمار والتعافي المبكر، ولن تساعد في تحريك الإنتاج، نتيجة ارتفاع التضخم وانهيار سعر الصرف وزيادة أسعار المواد الأولية".

طرق جديدة لتمويل الموازنة

كان النظام سابقاً حتى 2014 يُمول الموازنة العامة للدولة، من خلال الفائض النفطي غير المعلوم، أو عبر ما يُعرف (التمويل بالعجز)، حيث يقترض الأسد من البنك المركزي لسد عجز الموازنة، مقابل سندات خزينة لصالح البنك.

واستهلك الأسد كامل الاحتياطي الموجود في البنك المركزي والبالغ 18 مليار دولار، خلال السنوات الأربع الأولى للثورة، وبعد عام 2015 لجأ للاقتراض من الدول الأخرى والبنوك الخاصة مقابل سندات، إضافةً إلى سعيه لطباعة عملة بلا رصيد، فضلاً عن تمويل الموازنة من خلال فرض ضرائب جديدة على المواطنين كضريبة إعادة الإعمار.

لكن الحلول السابقة التي لجأ إليها الأسد لتمويل الموازنة لم تعد مجدية، ولاسيما أن حلفاء النظام (روسيا وإيران) يعانون من أزماتٍ اقتصادية وسياسية.

وفي ظل هذا الواقع، اتجه الأسد نحو موارد جديدة لتمويل موازنة العام المقبل، يقول يونس الكريم: "سيزداد اعتماد الأسد على تجارة المخدرات لدعم اقتصاده بغية تمويل مؤسسات الدولة، حيث تعتبر هذه التجارة الأساس لتمويل الموازنة وتوفير القطع الأجنبي، كما سيعتمد على الدولار المزور والمجمّد لضخه بالأسواق مع التشديد على عمليات تداول الدولار ".

وأشار الكريم إلى أن الأسد سيعتمد أيضاً على المساعدات الإنسانية لدعم الموازنة، كون مناطق النظام ستكون المعبر الأكثر قبولاً لدى الأمم المتحدة، لإيصال تلك المساعدات إلى الشمال السوري".

المورد الثالث الذي يعتمد عليه الأسد لتمويل الموازنة، سيكون المعابر غير الرسمية، والتي يقوم النظام من خلالها بعرض السلع في الأسواق وعلى رأسها النفط، الذي يسهم في الحصول على كميات هائلة من العملة السوريا والدولار، كما تعتبر المعابر أيضاً طريقاً للحوالات غير الرسمية.

يذكر أن أستاذا جامعيا متخصصا في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، توقع أن يكون عام 2023 أقسى بكثير من العام الحالي، وفق ما توحي به أرقام الموازنة المعلن عنها للعام المقبل.