المعتقلون السوريون.. قضية حقوقية أم إنسانية أم سياسية؟

2023.10.17 | 15:56 دمشق

المعتقلون السوريون.. قضية حقوقية أم إنسانية أم سياسية؟
+A
حجم الخط
-A

في العاشر من شهر أكتوبر 2023 جلس 15 قاضياً في صالة العدالة الكبرى في مقر المحكمة العليا التابعة للأمم المتحدة في هولندا، يواجه القضاة ثلاثة مقاعد بيضاء خالية مخصصة لممثلين عن حكومة نظام الأسد. فبشكل غير مفاجئ قرر نظام الأسد مقاطعة جلسة الاستماع هذه، على خلفية رفع هولندا وكندا دعوى قضائية ضد نظام الأسد لقيامه بحملة مستمرة منذ سنوات من التعذيب "الممنهج" ضد السوريين واستخدام الأسلحة الكيميائية منذ 2011. الجلسة ركزت على إصدار ما يُعرف باسم "التدابير المؤقتة للحماية" على سوريا لوقف التعذيب على الفور بسبب انتهاك نظام الأسد لاتفاقية التعذيب الدولية.

ما هي "التدابير المؤقتة للحماية"؟

التدابير الوقائية هي من أهم أنشطة محكمة العدل الدولية لتسوية المنازعات الدولية والحفاظ على السلام والأمن الدوليين - وهو الهدف الرئيسي للأمم المتحدة التي تعد محكمة العدل الدولية جهازًا رئيسيًا فيها – هذه التدابير تعني: الحفاظ على الحقوق التي هي موضوع التقاضي بين الأطراف إلى أن يتم حل النزاع. ويأتي تطبيق تدابير حماية مؤقتة بناء على طلب عضوة طرف أو بمبادرة منها، إذا اعتبرت أن الحقوق، التي هي موضوع القرار الصادر، تتعرض لتهديد، وهذا ما قامت به هولندا وكندا ضد نظام الأسد. في القانون الدولي، تكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة بسبب البطء النسبي لخطوات الإجراءات التي قد تمر خلالها سنوات قبل الفصل في المنازعات بشكل نهائي. لكن هناك جدل كبير حصل على مر العقود السابقة حول مدى "إلزامية" هذه التدابير، لكن وفي عام 2001، وضعت محكمة العدل الدولية حداً لهذا الجدل عندما قررت أن تفرض التزامات ملزمة على الأطراف، وأن عدم الامتثال يمكن أن يؤدي إلى حالة من مسؤولية الدولة وسبب للدعوى. وأوامر المحكمة ملزمة قانونياً، ولكن لا تلتزم بها دائماً الدول المشاركة في الإجراءات. مثلاً، أصدر القضاة أمراً مماثلا في قضية تدعو موسكو إلى وقف الأعمال العدائية في أوكرانيا لكن لم تمتثل له روسيا.

إذا، كيف نستفيد من هذه التدابير؟ محكمة العدل الدولية ملزمة بإبلاغ مجلس الأمن بما تصدره من تدابير مؤقتة للحماية، وإذا امتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر – يعني هنا هولندا وكندا – أن يلجأ إلى مجلس الأمن الذي يقدم توصياته أو يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم.

وهنا بالضبط تقع المصيبة بالنسبة للسوريين، فروسيا الداعم الأكبر لنظام بشار الأسد هي عضو دائم في مجلس الأمن ولن تصوت ضد حكومة بشار.

قضية حقوقية أم إنسانية أم سياسية؟

إن محاولات تصنيف ملف المعتقلين السوريين بين الفئات الثلاثة الحقوقية والإنسانية والسياسية هو إضعاف واضح وصريح للملف. عدد لا بأس به من الجمعيات والمؤسسات المعنية بحقوق المعتقلين السوريين والمدافعين عنهم يؤكدون أن ملف المعتقلين هو إنساني بحت أو حقوقي بحت، ويجب عزله عن السياسة والتفاوض، معتمدين على فكرة أن السياسة والتفاوض هي أدوات "غير نظيفة". لكن هنا لا بد لنا من الصراحة حتى لو أنها أزعجت البعض، وسنأتي بالدلائل على طرحنا في بداية هذه الفقرة.

أولا: إن الجانب الحقوقي وعلى أهميته البالغة في جمع الدلائل والبراهين والإثباتات التي تؤدي إلى اعتراف دولي بالقضية، إلا أنه وللأسف يأخذ وقتاً طوياً جداً ولن يحقق نتائج سريعة وفعالة نحن بحاجة إليها في ملف المعتقلين السوريين، لأن كل ساعة بحياة المعتقل مهمة وقد تكون مسألة حياة أو موت بالنسبة للمعتقل ولعائلته. كما أن الملف الحقوقي فيه معوقات  كبيرة معظمها يعود إلى تركيبة المجتمع الدولي وطريقة عمل المؤسسات الحقوقية فيه كمحكمة العدل الدولية التي تحتاج لمجلس الأمن لفرض قراراتها على الأعضاء، وتركيبة مجلس الأمن هي أحد أكبر مصائب العالم. فروسيا هي عضو دائم في مجلس الأمن، وستعترض هي وربما الصين أيضاً على أي قرار يجرم حكومة النظام الحالية.

ثانياً: تصنيف ملف المعتقلين السوريين بأنه إنساني بحت هو حقيقة لا خلاف عليها، لكن التمسك بها باعتبارها السبيل الوحيد لإنقاذ المعتقلين السوريين هو وهم جميل فقط، ويعطي لأصحابه الرضا النفسي عن أخلاقهم ومبادئهم. فالمعايير الإنسانية كالحرية والعدالة والحقوق جميلة لكن الواقع قاسٍ ولا يصلح معه التأكيد على المعايير الإنسانية فقط دون دعمها بأدوات أخرى أثبتت فعاليتها في النزاعات السياسية والعسكرية. كما أن فصل ملف المعتقلين عن المسارات الأخرى يعكس فهماً غير كامل لتعقيدات الصراعات السياسية سواء مسلحة أو غير مسلحة.

ثالثاً: كما هو الحال بالنسبة للجانبين الحقوقي والإنساني، فإن اعتبار ملف المعتقلين مساراً سياسياً وتفاوضياً فقط هو أيضاً إضعاف للملف. لأن الجوانب الحقوقية والإنسانية هي عوامل ضغط كبيرة على المسارات السياسية والتفاوضية وإهمالها ليس من مصلحتنا كسوريين. فالتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية مثل هيومن رايتس وواتش، والمجالس الدولية ومجموعات العمل الدولية، مثل المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي أدوات فعالة للضغط السياسي والتفاوضي.

النتيجة: حتى الآن، هناك 10 قرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن المعتقلين في سوريا، و8 قرارات من مجلس حقوق الإنسان والفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي في سوريا، كل هذا إلى جانب عدد كبير من التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا والتي تأسست عام 2011. لكن هل من نتيجة حتى الآن؟ للأسف لا، لأنه لم يتم استثمار هذه التقارير إعلامياً وسياسياً وتفاوضياً. إذاً، على كل المنصات الحقوقية والإنسانية والسياسية وكل العاملين في الشأن السوري أن يجتمعوا على موقف واحد وعدم التركيز على مسار واحد وإهمال المسارات الأخرى. ملف المعتقلين السوريين مطروح حقوقياً وإنسانياً وسياسياً وتفاوضياً وهذا يوفر له مرونة كافية لإيجاد حلول غير مسبوقة وعدم قولبته في قوالب لا تأتي بنتيجة ملموسة. فعلى القادة السياسيين إيجاد الطرق السياسية والتفاوضية لإنقاذ ما تمكن من المعتقلين في سجون الأسد، مسلحين أنفسهم بالتقارير والأدلة والدعاوى القضائية ضد النظام وضد ممارساته اللاإنسانية. وعلى الناشطين المدنيين في ملف المعتقلين دعم أي تحرك مهما كان شكله سواء سياسياً أو تفاوضياً وحتى عسكرياً.