المرأة في منبج.. ضحية الصراع بين أفكار أوجلان والتسلط الأسري

تاريخ النشر: 24.09.2021 | 06:58 دمشق

آخر تحديث: 24.09.2021 | 09:57 دمشق

منبج - خاص

لم يخطر في بال مروة التي كانت تلقب بالدكتورة في طفولتها نظراً لتفوقها الدراسي أنها ستنضم إلى ميليشيا بعد أن تتعرض إلى غسيل دماغ، وتترك منزلها في ريف منبج شرقي حلب دون عودة، فهي باتت الآن بحكم المعتقلة ولا يسمح لها بترك "وحدات حماية المرأة" التي تهددها بترحيل أهلها وبفضحها أمامهم بما كانت تفعله في المعسكرات.

مروة المحمد، فتاة عربية تبلغ من العمر 17 عاماً كانت تحلم بدراسة الطب، وكانت تعيش ضمن عائلة ملتزمة بتعاليم الإسلام ومحافظة على عادات وتقاليد أهل المدينة، لكن حياتها انقلبت رأساً على عقب بعد زيارة قامت بها ممثلات عن "مجلس المرأة في منبج" لمدرستها، فتأثرت بكلامهن الذي تركّز على حقوق المرأة والحرية والتخلص من قيود الأهل والمجتمع.

 

Picture2.jpg

 

تقول مروة لموقع تلفزيون سوريا: قررت بعد تأمل طويل التحدث لآنسة الجنولوجيا بأني أريد أن أجرب ما قالته الآنسات بزيارتهن الأخيرة.. أريد أن أعيش حياة بعيدة عن الرتابة مليئة بالمغامرة والإنجاز".

أعجبت مروة بكلام الممثلات وقررت الانضمام إلى "وحدات حماية المرأة" هرباً من السلطة الأبوية إلى حياة الحرية، ظناً منها أنها ستجد ذاتها ضمن هذا الكيان، بحسب وصفها.

مع مرور الأيام في المعسكرات، تفاجأت مروة بسلطة أشد قساوة. وتقول: "كنت أقوم مجبرة بكل ما تطلبه منا المدربات والمدربون الأكراد القادمون من جبال قنديل، وكنت أجد صعوبة لكونهن لا يتكلمن اللغة العربية".

كانت مروة تخفي دموعها عندما تبكي ليلاً وحاولت الهروب والعودة إلى أهلها لكن قيادات "الوحدات" هددوها.. "سننفي أهلك ونلحق الضرر بكِ في حال فكرتِ بالهروب، سنخبرهم أنكِ كنت سافرة الشعر وتدخنين وتخالطين الرجال".

بعد انتهاء الفترة التدريبة الأولى التي تلقتها مروة، وكانت قرابة الشهرين، زارها أخوها وأمها في المعسكر، وطلبوا من المسؤولات أن يأخذوها معهم للمنزل، فكان الرد: "انسوا ابنتكم! ومن يحاول أن يضايقها سينال عقاباً شديداً يصل إلى نفيه من أرضنا".

وحدات حماية المرأة

تأسست "وحدات حماية المرأة" عام 2012 بعد فترة وجيزة من ظهور وحدات حماية الشعب (YPG) لقتال تنظيم الدولة، وتعد أحد الأجنحة العسكرية في قوات سوريا الديمقراطية "قسد".

وتضم "وحدات حماية المرأة" الآلاف من المقاتلات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و40 سنة وفي معظم المدن التي تسيطر عليها قوات قسد، يوجد مراكز تدريبية تدرب فيها المقاتلات على استعمال مختلف أنواع الأسلحة وإعدادهن بدنياً ونفسياً للتعامل مع مختلف الظروف والأوضاع الحياتية.

ويتم تقسيم المقاتلات إلى ثلاث فئات:

  1. ذوات الخبرة في القتال والعسكرة
  2. المجندات حديثاً
  3. المجندات الصغيرات (بدءاً من عمر 12 عاماً) اللواتي يتولين مهام الطهي والأعمال المنزلية في المقام الأول، فضلاً عن متابعة التدريب إلى جانب زميلاتهن الأكبر سناً

وخلال فترة التدريب تتوزع المقاتلات على شكل مجموعات، وعند اندلاع المعارك ينفصلن وينتشرن إلى جانب الرجال على جبهات مختلفة.

ومن الجدير ذكره أن جميع المقاتلات اللواتي ينضممن إلى وحدات حماية المرأة يخضعن للتدريب الفكري والعسكري.

الترويج لأفكار عبد الله أوجلان

استطاع تلفزيون سوريا مقابلة إحدى المدربات في وحدات حماية المرأة -التي طلبت عدم ذكر اسمها لدواع أمنية - للتحدث عن الفكر الذي يتم الترويج له.

وقالت المدربة: "تخضع النساء في الأكاديميات لدروس فكرية وأيديولوجية وأخرى تعريفية بتاريخ المرأة، ونخضعهم لدورات تدريبية عسكرية كاستخدام المسدس واستخدام الروسية وفنون القتال وقيادة العربات وغيرها من التدريبات، ونركز على عقول الفتيات حيث نخبرهم أن حياة العمل في الأرض وإنجاب الأطفال والتسلط الذكوري سيجعلها عبارة عن حياة لا معنى لها".

وتابعت حديثها: "كانت فكرة خروج البنت من البيت لا يقبل الأهل بها مطلقاً.. في مدينة منبج نسعى إلى تغيير هذه العادات البالية، وترسيخ مفهوم حرية المرأة الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان ونعتبر فكر القائد هو الرئة التي نتنفس بها".

 

وعند سؤالنا عن طرق تجنيد الفتيات، أجابت قائلة: "قسم منهن جُذبن عن طريق مقاطع الفيديو الترويجية عن مقاتلات وحدات حماية المرأة عبر الإنترنت، والكثير منهن عن طريق زيارتنا للمدارس والقرى والمخيمات، بينما هناك قسم كبير منهن هرب من عنف الأسرة والرتابة الكئيبة لحياتهن السابقة".

 وأشارت المدربة إلى وقوع كثير من محاولات الهروب "لأن غالبية البنات من عوائل محافظة وعملية إقناعهن بالبقاء معنا صعبة".

وأضافت: "نشجع على العزوبة بين المقاتلات، مع الإشارة إلى أن هذه العزوبة هي إلزامية في حالة الأشخاص الذين يقرّرون خوض مسيرة مهنية لمدى الحياة في حزب العمال الكردستاني وفروعه".

وعن الحياة اليومية التي تعيشها المجندات تشرح المدربة: "صور القائد منتشرة في كل مكان، بعد الانتهاء من الاجتماع الصباحي، نقرأ توجيهات القائد عبد الله أوجلان ونبدأ تدريباتنا اليومية، ثم ندخل القاعات لنأخذ دروساً توعوية سياسية وثقافية.. لدينا أعداء كثر أبرزهم تركيا التي تسعى لاحتلال أرضنا، سنقاتلهم وكل من يقف بوجه مشروع (روج آفا) الذي نحلم به".

حالات تحرش واغتصاب.. وعند الشكوى: تقبلي الأمر ستتعودين

رصد موقع تلفزيون سوريا عدداً من حالات الاغتصاب والتحرش تعرضت لها فتيات انضممن إلى "وحدات حماية المرأة"، وأكد معظمهن أن نسبة الفتيات اللواتي يقبلن الحديث عن الموضوع قليلة جداً، حيث تتكتم النسبة العظمى من هؤلاء الفتيات عما حصل معهن في الجبهات والمعسكرات والمقار من تعرض للاغتصاب أو التحرش.

وفي السياق، قالت إحدى المجندات في "وحدات حماية المرأة": "كنت أدخن مع المقاتلين الذكور على الجبهات، ونتبادل النكت ونرقص بعض الأحيان خلال الاستراحة، وتعرضت في أول أسبوع لمحاولتَيْ تحرش فذهبت لأشتكي للمسؤولة التي ردت علي: لا توجد هنا أي بنت نظيفة، كلنا نتعرض للتحرش والاغتصاب، تقبلي الأمر وستتعودين"!

العشائر: "قسد" تتهمنا اتهامات باطلة

وفي حديث خاص لتلفزيون سوريا مع أحد أبرز شيوخ العشائر في مدينة منبج، الذي حرص على عدم ذكر اسمه خوفاً من اعتقاله من قبل قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، قال: "مجلس المرأة في منبج يسعى من خلال الزيارات والدروس التي يقدمها إلى محاولة جذب الفتيات للانتساب لوحدات حماية المرأة، لكن ما يقومون به دخيل علينا فهو منافٍ لعاداتنا وأعرافنا، إذ إننا مجتمع محافظ ذو تركيبة عشائرية، وقضية المرأة حساسة لدينا بشكل كبير، كما أن بناتنا يدرسن ويخرجن ويتزوجن بإرادتهن، أما وحدات حماية المرأة فهي تتهمنا بتهم باطلة في إطار محاولة تفتيت بنية مجتمعنا المحافظ".

 

ويرى: "أن الأوضاع الأمنية الهشة في مناطق سيطرة قسد والتهديدات من الجانب التركي والنظام السوري تتطلب عناصر بشرية لتغطية المناطق ولضبط الأمن، مما يؤدي إلى استخدام الفتيات كسلاح للضغط على الأهالي لابتزازهم في حال القيام بعصيان أو أي احتقان متوقع".

ويضيف: "إن مجلس المرأة في منبج والجمعيات الأخرى أصبح أداة لتسويق أفكار حزب العمال الكردستاني، حيث إنهم يُسيِّرون مظاهرات دورية ضد الحكومة التركية رافضين تدخلها واصفين إياها بالاحتلال وداعين لمقاطعة منتجاتها، وإن قسد تسوق نفسها للمجتمع الدولي على أنها تحمي حقوق المرأة وأن المرأة بكامل أناقتها تقاتل التنظيمات الإرهابية التي تخاف منها جيوش العالم".

Picture1_0.jpg

 

خبير علم اجتماع: المنطقة ستشتعل إذا استمر هذا الحال

بدوره علق أستاذ علم الاجتماع محمد الحسون لموقع تلفزيون سوريا قائلاً: " إن لدى رجال مدينة منبج حساسية شديدة من الأفكار التي تقوم قسد بترويجها من خلال أذرعها كمجلس المرأة في منبج أو الجمعيات والقطاعات الأخرى".

ويشير إلى أن قسد "تسعى من خلال أذرعها إلى دخول جميع الأسر، سواء بتجنيد أحد الأبناء إجبارياً أو توظيف أحدهم بإحدى المؤسسات ليتسنى لها زرع الأفكار التي تريدها".

وأشار الحسون إلى المشكلات الأسرية في ظل سيطرة قسد على مدينة منبج بقوله: "إنه منذ أن سيطرت قسد على المدينة ارتفعت حالات الطلاق بشكل ملحوظ".

وحذّر الحسون "إذا استمرت قسد بالترويج لأفكارها من الممكن أن تؤدي لإشعال المدينة بأكملها، لكون قضية المرأة قضية (شرف وعرض) في مدينة ذات تركيبة عشائرية".

خلص موقع تلفزيون سوريا بعد لقاءات مع عدد من الفتيات والنساء في منبج ومناطق أخرى تسيطر عليها "قسد"، إلى أن كثيراً منهن خُدعن فعلاً بالخطاب الفلسفي التحرري الأوجلاني، لكن لم يكن لينضممن لوحدات حماية الشعب لولا وجود حالة اجتماعية نفسية لديهن في أسرهن ومحيطهن الاجتماعي القريب، ما يمهد الطريق أمام خطاب "الوحدات" لإقناعهن به.

وساهم انتشار قصص الضحايا مثل محدثتنا مروة في منع وقوع ما حصل مع غيرها من الفتيات والنساء، وتعرية البروباغندا التي تبنيها "قسد" وحزب العمال الكردستاني حول "وحدات الحماية" التي تظهر في الإعلام القسدي والغربي كحالة عسكرية تحررية فريدة في النزاعات عبر التاريخ، لكن محدثاتنا أكدن أن "الوحدات" لا تتعدى كونها "ميليشيا".