العلويون: الخوف والمقاومة

تاريخ النشر: 06.10.2020 | 00:13 دمشق

اعتمد النرويجي تورشتين شيوتز وورن في تأليف كتابه "العلويون: الخوف والمقاومة" ـ صادر عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة 2018 ـ على النهج البنائي ونظرية الخطاب في تحليل الظواهر الاجتماعية، وهي نظرية لا تهتم بالدين في ذاته بقدر ما تهتم بالظواهر الاجتماعية والسياسية التي تنشأ عن رؤية العالم من منظور الدين أو العرق فقط.

يتلمس وورن طريقه البحثي بحذر شديد ـ تم تأليف الكتاب عام 2002 ـ فهو لا يثق بالمعلومات المتوفرة عن العلويين في الدراسات الغربية، لأن هذه الدراسات تغفل البعد السياسي الذي تتضمنه المسائل الطائفية في الشرق الأوسط من جهة، ولأنها لا تنظر في أثر الاستراتيجيات التي تتبعها الأقليات لحماية نفسها من جهة أخرى.

ولذلك، يعمد المؤلف إلى الأخذ بعين الاعتبار مسألة كيف أن العصبية الطائفية، وخاصة في حالة العلويين، تتعلق بعوامل لا تعد ولا تحصى، ومهمة الكتاب الرئيسية بالتالي هي محاولة فهم الديناميات التي تشكل الهويات والسياسات الطائفية في سوريا.

وبسبب اعتماده نظرية الخطاب، لم يبحث وورن عن العلاقات السببية، بل اكتفى ببحث سلاسل المعنى في الروايات.

يبدأ المؤلف منهجه بالرصد المباشر دون وساطة أطراف آخرين، والرصد المباشر يمنح الكاتب القدرة على وصف أشكال التفاعل المختلفة في الميدان، لينتقل بعدها إلى المستوى الثاني المتعلق بالأحاديث غير الرسمية مع أناس مختلفين في المراتب العلمية، ثم المستوى الثالث الذي يعتمد على المقابلات المنظمة والتي يختار من خلالها أناس معينون لديهم خبرة ووعي أكثر.

 

السياق

 

في محاولة لإضعاف النخب السنية السياسية، عمد المحتل الفرنسي إلى تقوية الأقليات، خصوصا العلويين والدروز والمسيحيين.

ففي مساعيهم الاستعمارية، منح الفرنسيون أفضلية للأقليات لتكون ضد النخب السنية التقليدية، وقد عنى ذلك، تسهيل وصول العلويين إلى مناصب حكومية.

وصف العلويون هذا التحول بأنه استعادة حقوق

في عام 1920 لم يكن هناك علويون مسجلون بوصفهم سكانا للمدن الساحلية: اللاذقية، جبلة، بانياس، طرطوس، وكانت هذه المدن عمليا حكرا على أبناء السنة والمسيحيين.

مسلوبة منذ زمن، وهي سردية تاريخية تقف موقف معارضة للتاريخ السوري الرسمي الذي ينظر إلى الانتداب الفرنسي على أنه مشروع إمبريالي لإبقاء العرب تحت الهيمنة الأوروبية.

في عام 1920 لم يكن هناك علويون مسجلون بوصفهم سكانا للمدن الساحلية: اللاذقية، جبلة، بانياس، طرطوس، وكانت هذه المدن عمليا حكرا على أبناء السنة والمسيحيين.

وقد أظهر أول تعداد فرنسي أن العلويين والسنة لم يعيشوا في آن معا في أية بلدة يتجاوز عدد سكانها 200 نسمة! تشارك العلويون العيش في بلدات مع المسيحيين ولكن ليس مع السنة، فقط بعد أن جرى فرض الحكم الفرنسي بدأ العلويون يهاجرون إلى المدن الكبرى في الساحل.

على الرغم من أن العلويين يعدون محض طائفة دينية، فإنه من الممكن تصنيفهم أيضا كجماعة عرقية بسبب الحدود المنيعة بين الطوائف، ويمكن بدلا من ذلك، تسميتها جماعة مجتمعية، لكن تم تجاهل هذا المصطلح هنا لأنهم لا يشكلون كيانا سياسيا متماسكا مطابقا للخطوط الطائفية، كما هو الأمر في لبنان.

مع وصوله إلى السلطة، قدم الأسد تنازلات للسنة، ومن أجل حد نفوذ رجال الدين السنة في المجال السياسي، حيد الأسد هذه الفئة من خلال منحهم سلطة متزايدة في المجال الاجتماعي.

وبالمقابل، أجبر الأسد مشايخ العلويين على التوافق مع الفكرة الإسلامية السنية عن الإسلام الصحيح، ولذلك بدلا من بناء مجتمع علماني حقيقي، كانت الدول علمانية في المظهر فقط.

 

بناء الهوية

 

أثناء حواره مع أفراد وشخصيات علوية، انتبه تورشتين وورن إلى أن العلويين يتبنون سردية واحدة حيال رؤيتهم لتاريخهم ومعتقداتهم وعلاقتهم بالسنة، فالسطوة السنية التاريخية، هي أمر تأسيسي في الخطابات الموجودة ضمن العلويين.

يميز المؤلف بين الخطاب العلوي الإسلامي والخطاب العلوي النقدي، الأول يؤكد على أن التاريخ العلوي يحاذي تاريخ الإسلام، والإسلام الشيعي بشكل خاص، في حين يشير الثاني إلى جذور ومعتقدات ليست مقبولة من الإسلام السني.

بالنسبة للخطاب الثاني، أي خطاب العلويين النقدي، لم يكن علي بن أبي طالب  سوى خاتم الأنبياء وأهمهم في سلسلة طويلة من التجليات كان آخرها ثالوث النبي محمد وعلي وسلمان الفارسي.

يتوزع هذا الثالوث على النحو الآتي: علي هو المعنى والباطن لله، والنبي محمد هو تمظهره، وسلمان الفارسي هو البوابة التي من خلالها ترسل الرسالة، وبذلك، يكون عليا هو النقطة الأكثر مركزية.

يتقاطع الخطاب العلوي النقدي مع الخطاب العلوي الإسلامي في جذور العلويين عند نقطة انحرافهم عن الإسلام الشيعي، مع ظهور تعاليم ابن نصير.

وبعد أن كانوا منتشرين في أنحاء الشرق الاوسط، انتقل العلويون إلى شمال غربي سوريا، وهناك بدأ عصرهم الذهبي مع إنشاء حكمهم الذاتي في القرن العاشر ميلادي مع دولة حلب.

بدأ اضطهاد العلويين عام 1266 عندما أصدر السلطان المملوكي بيبرس مرسوما ينص على أن الدين الرسمي هو الإسلام السني، ثم جاء عام 1305 ليزيد الضغط على العلويين مع فتوى ابن تيمية بتكفيرهم.

إن الطريقة التي يعرض فيها أحد العلويين خطابهم للمؤلف تسلط الضوء على الهيمنة السنية، فخلال سرد تاريخهم ومعتقداتهم، يؤكد العلويون على الاضطهاد السني، لكن في حين يسعى الخطاب العلوي الإسلامي إلى مقاومة الهيمنة السنية بإعادة ترتيب العناصر المرتبطة بالنقاط العقدية، يذهب الخطاب العلوي النقدي أبعد من ذلك في مزاعمه بالفرادة، ويقدم اعتقادا أكثر وضوحا بتعريف نفسه، وهذا يختلف عن الخطاب الرسمي الذي يسعى إلى إقحام العلوية بالقوة ليأخذ مكانا ضمن مذهب الهيمنة السني، ويمضي إلى حد إنكار المبادئ التي يعترف بها الخطابان العلوي الإسلامي والعلوي النقدي.

 

بناء المجتمع

 

ليس بالضرورة أن تبرز الهوية العلوية، فما هو الحال في الهويات كلها، فإن الهوية العلوية تبرز للمقدمة في سياقات معينة، وكثيرا ما يجري تعتيمها بواسطة هويات أخرى.

حين توجه الأسئلة إلى العلويين عن (من هم؟) يتولد انطباع بأن هويتهم الطائفية ليست أول هوية يركزون عليها، حيث يركزون على الهوية السورية والعربية والإسلامية، لكنهم يركزون على خصوصيتهم من حيث إنهم جماعة متحررة وسط جماعة كبرى (السنة) غير المتحررة.

يقدم الخطاب العلوي سردية معينة حول التحرر عندما

كثيرا ما يتحدث العلويون عن تشككهم بأهل السنة وعن الكره التاريخي لأهل السنة للعلويين

يربط جذور التحرر لدى الجماعة العلوية بأوروبا، في حين يقدم الخطاب العلوي الإسلامي التحرر بمصطلحات دينية أكثر وضمن سياق عربي أوسع، لكن في الحالتين ينأون بأنفسهم عن السنة.

كثيرا ما يتحدث العلويون عن تشككهم بأهل السنة وعن الكره التاريخي لأهل السنة للعلويين، وقد تنبه المؤلف إلى أن الأشخاص الذين حدثهم في مدينة اللاذقية كانوا أكثر انفتاحا من الأشخاص الذين تحدث معهم في القرى العلوية في جبال النصيرية.

في الخلاصة، يقدم العلويون هويتهم بوصفها أمرا محاصرا بهيمنة السنة في حقهم بتعريف المسلم، ومن غير المفاجئ أن ينتشر الشعور بحصار الهوية في الأماكن التي يظن فيها العلويون أنهم خاضعون إلى إدانة أهل السنة، كما هو الحال في البلدات والمدن المختلطة في الساحل.

 

بناء السياسة

 

ثمة نقطة انطلاق في الهوية العلوية، تتمحور حولها أجزاء من التحليل جميعها، تتمثل في التهديد الذي تشعر به جماعتهم من قبل الأغلبية السنية، وقد بنيت حالة الخوف هذه من خلال سردية تاريخية تناقلتها الأجيال شفويا.

ويلجأ العلويون إلى انتفاضة الإخوان المسلمين نهاية السبعينيات لإثبات صحة رؤيتهم حيال السنة، حين يؤكدون أنه كان صراعا طائفيا في مخالفة واضحة لخطاب النظام الذي حاول تقديم الصراع ضمن مقولات السياسة كي ينفي الشعارات الدينية.

إن حداثة تاريخ هذا الصراع تمنح السردية التاريخية للعلويين شاهدا معاصرا، إضافة إلى ذلك، فإن رواياتهم عن العلاقة مع السنة، تمنح أي سردية ضمانا باليقين.

هذه الأحداث طرحت مسألة هل النظام العلوي؟ ومع أن بعض العلويين يؤكدون على دور الطائفة في التطورات التي شهدتها سوريا الحديثة ضمن مشروع سوري لا مشروع علوي، فإن البعض الآخر من العلويين، يوجهون نقدا لعلويي السلطة من أنهم امتلكوا دورا مركزيا كبيرا في الدولة، ومثل هذا الدور الكبير قد يرتد عكسيا على الجماعة كلها، وهذا شيء يخشون أن يضطروا إلى دفع ثمنه لاحقا.

في أثناء حواره مع شخصيات علوية عن علاقة الطائفة بالنظام، يتحدث جميع العلويين الذين قابلهم المؤلف عن أنهم لم يستفيدوا من النظام، ويتركز حديثهم كثيرا حول مسألة الهوية الدينية، فبخلاف السنة الذين يمتلكون قادة دينيين تتعامل معهم السلطات على أساس منتظم، ويستطيعون من خلال ذلك طرح أسئلة علنية متعلقة بهويتهم، يتعامل النظام مع العلويين كونهم تحت أحكام الشريعة الإسلامية السنية رغما عنهم، وبذلك يرى العلويون أنهم لا يمتلكون فرصة لتحدي الهيمنة الخطابية السنية ما دامت الطائفة العلوية لا تمتلك وجها عاما آخر غير النظام.

أدرك "الملك الأسد الأول" ضرورة اعتماده على دعم طائفته للبقاء في السلطة، ثم تنبه إلى خطر الاعتماد على أمر يمكن التلاعب به بسهولة مثل الدين، فلجأ إلى ترويض هذا الخطر على حكمه من خلال فرض سياسة تسنن ساحقة على ذات الطائفة العلوية، لكن هذه السياسة لم تنجح، لأنها لم تخلق لكي تنجح.

ففي حين كان الأسد وجماعته في السلطة يقرعون طبول سياسة الاندماج، كانوا في الوقت نفسه يبنون منهجيا ثقافة انفصال وتفرقة بين العلويين والسنة، وكذلك بين الطوائف والجماعات العرقية والدينية جميعها على حد سواء.

لم يكن السبب الحقيقي وراء هذا السياسة أبدا التكامل مع السنة، أو التأسيس لأن يتقبل أهل السنة العلويين، بل إن السبب الحقيقي كان حرمان العلويين من أي عقيدة دينية موحدة وصلبة تمثل يوما خطرا قاتلا على حكم الأسد: يجب تحويلهم إلى قبائل لا معنى لها تتراتب وفق مدى دعمها للملك.

ما الذي تعنيه هذه الخطابات بالنسبة إلى الهوية العلوية؟ في الواقع، إن الخطابات تبني الهويات، والهويات على هذا النحو هي نتاج خطابات تبني الواقع اجتماعيا، وعندما تُبنى الخطابات العلوية كخطابات مضادة للهيمنة السنية، فهذا يعني أن الهوية العلوية مبنية بالطريقة ذاتها.

فالهوية الجماعتية للطائفة العلوية مبنية بوصفها تمثيلا لـ (نحن) و (هم)، حيث غالبا ما يشكل أهل السنة الجماعة التي يعرف بها العلويون أنفسهم من خلال العلاقة معها، فالسنة هم الخارج المؤسس للعلويين، ويمثلون كل ما ليس العلويون عليه.

هذا الخارج المؤسس هو أكثر من محض، لا علوي ومعادي للعلوي، وهذا ما يحدد ملامح الاختصام الواضح، بسبب أنه يمثل انسداد الهويات، فالهوية السنية تعرقل الهوية العلوية، ولذلك لم تكن الهوية العلوية هوية تنظم تجارب الناس اليومية، بقدر ما هي هوية ملاذ، خصوصا في أوقات الخطر الذي يهدد الطائفة.