icon
التغطية الحية

العراضة الشامية.. تراث أصيل يكافح لأجل الاستمرار في سوريا بأجور لا تسد الرمق

2023.07.04 | 10:14 دمشق

العراضة الشامية.. تراث أصيل يكافح لأجل الاستمرار في سوريا بأجور لا تسد الرمق
العراضة الشامية
دمشق - سارة هاشم
+A
حجم الخط
-A

"صلوا على محمد... زين زين… مكحول العين.. عالينا وهيه…" بهذه الكلمات يفتتح قائد فرقة العراضة الشامية زفة "العريس" أو الحفل الذي يحيه بصحبة فرقته من الرديدة وعازفي الإيقاع على الطبل والدربكة والدفوف والمزاهر.

وتتابع فرقة العراضة إحياء حفل العرس بالتغني بالعروسين ووصفهم بكلمات شبه شعرية موزونة على قافية واحدة ولحن متعارف عليه في ما يسمى بالعرف الشعبي بالعاصمة السورية دمشق "العراضة الشامية".

"عريـس الزين يتهنّـى يطلـب علينا ويتمـنى

 عريـس الزين يا غالي أفديه بالـروح والمال

 يا عريـس كفّك محنى يا عريـس كتر ملبّس

 يا سـباع البـرّ حـومي اشـربي ولا تعـومي

 اشـربي من بير زمـزم زمـزم عليها السـلام

 ويا سلام اضرب سـلام عللي مظـلل بالغـمام

 الغـمـامـة غـمتـو غـمتـو ومـا لمتـو غمتـو خـوفـاً عليـه

 وعلينـا ... وعـليـه وعلـى من زار قـبره وعلـى من حـج إليه".

وعلى منوال هذه الكلمات التي يعرفها السوريون وتعرف إليها كثير من العرب والأجانب الذين اختلطوا بالسوريين بعد انتقال هذا التراث الشعبي إلى خارج سوريا خصوصاً بعد التهجير السوري خلال العقد الماضي.

وتتميز فرق العراضة الشامية بلباسها العربي التقليدي القديم بألوانه المختلفة وانتقل من جيل إلى جيل للحفاظ على تراث الماضي وكثيراً ما كانت تدخل فرق حارات الشام أو على مستوى المدن السورية بنوع من التنافس لإظهار تميزها عن بعضها، في اللباس والكلمات وحتى الألحان.

الاستمرار رغم قلة الدخل

ورغم تراجع انتشار العراضة الشامية داخل سوريا مع العمليات العسكرية التي كان يشنها النظام السوري على المدن والقرى، وخروج ملايين السوريين من البلاد، إلا أن البعض استطاع أن يحافظ على مهنة الأجداد التراثية التي تعود إلى قرون طويلة مضت.

ومع سوء الأوضاع الاقتصادية في سوريا، لم تعد العراضة الشامية ذات دخل كبير، خصوصاً مع فقدان الليرة السورية لقيمتها أمام الدولار، وفشل النظام السوري في تحسين الوضع الاقتصادي المأساوي الذي تعيشه البلاد.

ويضطر العامل في مجال العراضة الشامية للعمل بأكثر من مهنة ومجال إلى جانب العمل في فرقة "عراضة شامية" أولاً لأن العائد المادي منها قليل جداً، وثانياً لتراجع الطلب عليها مع قلة الإمكانات لدى الكثير من الشباب المقبلين على الزواج.

ومع دخول موسم الصيف والأعراس وحفلات التخرج وأعياد الميلاد وافتتاح المحال التجارية واستقبال الحجاج أو العائدين من السفر، يزداد الطلب على فرق العراضة الشامية، خصوصاً في دمشق وريفها، وتختلف الأسعار بحسب بعد المكان عن مركز العاصمة دمشق، وعدد من يحيون الحفل وما يرافق الفرقة من راقصي سيف وترس ونافخي نار وراقصي مولوية وغير ذلك.

ويبلغ متوسط أجر حفل العراضة الشامية في وسط دمشق بين 500 ألف حتى 750 ألف ليرة سورية (60 لـ 80 دولاراً)، وتزيد مع زيادة طلب صاحب الحفل، حيث إن لكل إضافة سعرها، بحسب أبو عمر قائد فرقة "الشام" للعراضة.

وقال أبو عمر (59 عاماً) لموقع "تلفزيون سوريا"، إن جده توارث العراضة عن جده، لذلك فالمهنة قديمة جداً، يقال لأكثر من 200 سنة في دمشق، وهي موهبة وخبرة في نفس الوقت، وتحتاج إلى أن يكون قائد فرقة العراضة مثل قائد "الأوركسترا" خبيراً باللحن والشعر والكلمات التي يقولها ويتابع خلفه الرديدة وناظمو الإيقاع".

وأضاف أبو عمر الذي يعمل في هذه المهنة منذ طفولته مع والده وأعمامه، أن الفرقة ممكن أن تتكون من 5 أشخاص، ولكن كلما زاد العدد أصبح الأمر أفضل والأداء أكثر جودة.

وتتألف فرقة "أبو عمر" من 30 شخصاً، تضم شخصاً يضرب على الطبل واثنين على الدربكة وواحداً على الدف وآخر على المزهر وعازف مزمار، والبقية هم "الرديدة" يصفقون ويرددون الأهازيج والكلمات خلف قائد الفرقة ومساعديه أو ما يطلق عليهم "السنيدة".

وتضم الفرقة راقصي "سيف وترس"، وهي رقصة شامية شهيرة في مدينة دمشق تؤدى بالسيف والترس من قبل مجموعة من الرجال المدربين المتمرسين في الحفلات، وتحتاج هذه الرقصة إلى موهبة وحذر، لأن السيوف التي يلعب بها مصنوعة من حديد ويمكن أن تؤذي اللاعبين في حال الخطأ.

كم سعر حفلة العراضة الشامية؟

وتبدأ أسعار الحفلات في فرقة أبو عمر من 550 ألف ليرة إن كان الحفل في وسط دمشق، ويزيد كلما ابتعد عن المدينة باتجاه الريف أو محافظات أخرى.

وتعليقاً على ذلك قال أبو عمر، أحياناً يكون هناك أكثر من حفل بيوم واحد بدمشق، لذلك إن خرجنا إلى الريف والضواحي البعيدة لا نستطيع إحياء حفلين بوقت واحد، لذلك يكون السعر أعلى.

وأردف أنه أحياناً يقسّم الفرقة إلى قسمين أو ثلاثة لإحياء أعراس بوقت واحد، خصوصاً في أيام الجمعة والسبت حيث تكون عطلة في سوريا، ويزيد الطلب عليهم.

وأشار إلى أن حفلات العراضة تقل إلى أدنى مستوياتها في الشتاء وأيام البرد، وتبدأ بالزيادة مع دخول الربيع وموسم الصيف.

العراضة مهنة ثانوية

من جانبه، قال أبو رضا مساعد قائد فرقة الشام للعراضة (39 عاماً)، إنه يعمل دهاناً كمهنة أساسية، وانتسب لفرقة الشام منذ 20 سنة، وما زال فيها، ولكن الدخل القليل يضطره للعمل في المجالين.

وأضاف أبو رضا لموقع "تلفزيون سوريا" أن أغلب الحفلات تكون عصرية أو ليلية لذلك لا تؤثر كثيراً على العمل الآخر، حتى إن كل من الفرقة يعمل بنفس الطريقة، عمل يعيش منه، والعمل في العراضة يزيد من الدخل قليلاً.

وأوضح أن الشاب الذي يعمل في فرقة العراضة يردد خلف قائدها أو مساعده يحصل على 15 ألف ليرة على الحفلة (أقل من 2 دولار)، أما عازف الإيقاع فقد يصل أجره إلى 30 ألف ليرة، لأن الفرقة تقوم بشكل أساسي على إيقاعه، إلى جانب أنه يتعب بشكل أكبر.

ولفت إلى أنه في الموسم قد يصل عدد الحفلات إلى 25 حفلة بالشهر، نحو 375 ألف ليرة شهرياً لكل رديد بالفرقة، وتزيد بحسب مسؤولياته ومهامه.

وأشار إلى أن هناك الكثير من الأشخاص يطلبون منا الانضمام إلى الفرقة للعمل معنا ولكن قلة الدخل تجبرنا على رفض طلباتهم، فهناك اكتفاء بالأعداد، وإن مرت مرحلة قبل عدة سنوات أيام الحواجز الأمنية الكثيرة في دمشق، لا نجد شاباً يعمل معنا، أما الآن فالوضع أفضل مع تراجع عدد الحواجز.

العراضة الشامية أحد عناوين دمشق

ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها معظم السكان في سوريا، إلا أن الكثيرين يحاولون الحفاظ على العادات والتقاليد بما يخص الأفراح والمناسبات، خصوصاً حفل الزفاف الذي لا يتكرر، بحسب أبو عبيدة أحد سكان حي الميدان بدمشق.

وقال أبو عبيدة (75 عاماً) لموقع "تلفزيون سوريا"، "كانت العراضة الشامية من أكثر الفعاليات التي أحببتها منذ الصغر، وعملت فيها مع أخوالي بمرحلة الشباب، وهي مرتبطة بكل شخص عاش في دمشق، يعني بتحسيها بتعبر عن دمشق وأصالتها بشكل مباشر".

وأضاف أبو عبيدة، أن "العراضة الشامية، كانت لفترة طويلة تعبير عن القباضايات، ورقصة السيف والترس تشير إلى الرجولة والكدعنة والزكرتية بما تحمله من قيم إيجابية ونبيلة من صدق وكرم وحفظ عهود، وليس كما يتم تصويره بالمسلسلات التي تسمى زوراً بيئة شامية كلها (بوجئة وصريخ ومشاكل)".

وأشار أبو عبيدة إلى أن العراضة لها صلة بالأعراس بشكل كبير، إلا أن الناس اعتمدت عليها بالتعبير عن الفرح بشكل فلكلوري جميل وتراث أصيل وقديم، يلم الناس بعضهم على بعض في استقبال حاج أو مولود بعد طول انتظار أو عودة غائب مهاجر لسنوات طويلة أو تخرج من جامعة بمرتبة عالية وهكذا.