الطائفية على إيقاع مجزرة التضامن

تاريخ النشر: 16.05.2022 | 06:05 دمشق

يوم الخميس الماضي نظمت «جامعة الشمال الخاصة» ندوة ومعرض صور عن مجزرة حي التضامن المتفاعلة باطراد، تحت عنوان «حفرة التضامن شاهد جديد على إجرام 50 عاماً».

جامعة الشمال، في مدينة سرمدا الحدودية، هي ثاني أكبر جامعة في محافظة إدلب بعد جامعتها «الرسمية» التابعة لوزارة التعليم العالي في حكومة الإنقاذ. وقد اجتذبت العديد من الطلاب والطالبات بسبب وجود كلية للصيدلة فيها، وكلية للهندسة المعلوماتية، فضلاً عن كليات أخرى أصغر، ومعاهد للتخدير والتحاليل الطبية والصيدلة والتعويضات السنّية وغيرها.

أقيمت الندوة في مدرج «الثورة» في مقر الجامعة. وتلي فيها عدد من الكلمات التي كان أشدها، ربما، ما جاء عن موضوع «تاريخ النصيرية في الحكم في سوريا» في كلمة ألقاها أستاذ محاضر في كلية العلوم السياسية بالجامعة نفسها، حائز على الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة دمشق، يدرّس أساساً في قسم التاريخ بجامعة إدلب.

من المعلومات الخاطئة اعتباره «جيش الشرق» الذي أسسته قوات الانتداب الفرنسي «جيشاً علوياً خالصاً»، رغم أنه مكون من غالبية من أبناء الأقليات المحلية المتنوعة

في كلمته يقدّم الدكتور شطرنجاً من المعلومات الصحيحة والخاطئة بالتناوب، أو يعمّم المعلومة الصحيحة جزئياً فتصبح خاطئة. ليخلص، بنتيجة ذلك، إلى خطاب طائفي تحريضي. فمن المعلومات الخاطئة اعتباره «جيش الشرق» الذي أسسته قوات الانتداب الفرنسي «جيشاً علوياً خالصاً»، رغم أنه مكون من غالبية من أبناء الأقليات المحلية المتنوعة، ومنهم العلويون، ومن جنود من مستعمرات بعيدة. وكذلك اعتباره «اللجنة العسكرية» التي أسسها ضباط بعثيون أيام الوحدة السورية المصرية «محفلاً ماسونياً» أنشأته الطائفة العلوية في سياق تكتلها، رغم أن اللجنة كانت مكونة من أبناء أقليات عديدة، وقد اصطدم أعضاؤها العلويون في أثناء صراعهم الخاص، فقضى رئيسها محمد عمران اغتيالاً بأمر من حافظ الأسد، وأمضى صلاح جديد، رجلها القوي، بقية عمره في سجن المزة.

وفي جوابه عن السؤال الذي طرحه «لماذا يرتكبون هذه المجازر بحقنا؟» يقول الدكتور إن «هذا نابع من عقيدة هذه الطائفة المتوحشة... التي لم تدخل الحضارة». فيجب اقتلاعنا، نحن السنة، من الأرض لإرضاء إلههم الذي يشبه إله اليهود يهوه. بل إنهم «القبيلة اليهودية الثالثة عشرة المفقودة» كما يذكّر المحاضر أنه قال أكثر من مرة.

ما الحل إذاً؟ واضح أن السياق يقود إلى سبيل وحيدة، دموية وصفرية، إما نحن وإما هم. دون أن ينسى أستاذ التاريخ الحديث والعلوم السياسية أن ينبهنا إلى أن ذلك لن يتم دون اقتلاع المنظومة الدولية القائمة، بما أنهم عملاء لها وحلفاء، من روسيا إلى أميركا وإسرائيل.

كان يمكن تجاهل هذا الخطاب لولا امتلاء المدرج بالشبان والشابات الذين ربما تلقوا ما قاله أستاذهم على أنه حقائق ثابتة وخلاصات، وهو يورد في أثناء كلامه استشهادات موجهة من كتب ميشيل سورا وباتريك سيل ومحمد كرد علي. وأيضاً كان يمكن التغاضي عن ذلك كله لولا أن هذا الخطاب صار شديد الرواج والجاذبية بعد أكثر من عقد من التوحش، ولولا استنفاره في مناسبات مستفزة للمشاعر والغرائز مثل مجزرة التضامن.

في كل مناسبة كهذه يرفض الغاضبون أي محاولة للتعقل، وإن كانت مبنية على مقتضيات العدالة والمنطق

فمنذ انتشار الفيديو المسرّب وسماع اللهجة العلوية للمرتكب الرئيسي لها، وهو ما أكده الكشف عن اسمه ومنبته، التهبت خطابات الاستئصال. وكما فعل الأستاذ الجامعي يفعل كثيرون أقل علماً، فيرفعون الملمح الطائفي للنزاع من درجة أنه أحد أبرز سماته إلى كونه تعريفه الوحيد. يُغفلون السياسة والاقتصاد والاجتماع والنفوذ لصالح تأبيده كصراع هويتين لا حل له إلا بمحو إحداهما للأخرى، كلياً أو تقريباً. في خطاب يفتقر إلى أبسط مقومات العدالة، إذ يُجمل المجرمين من العلويين مع آخرين منهم لم يشاركوا في المجزرة الكبرى، سواء لرفضهم لها أو لظروف خاصة كالعمر والجنس وعوامل شتى. ومن البديهي أن أي محاكمة نزيهة ينبغي ألا تطول هؤلاء الأخيرين وإن صفقوا للطائرات وتغنوا بالبراميل ورقصوا للكيماوي وشكلوا حاضنة تساند المجرمين. فكل هذا يدخل في إطار الكلام، الوحشي والداعم للقتل بلا شك، ولكن لا شريعة ولا قانون يساويان بينه وبين الفعل في العقوبة المطلوبة. فضلاً عن أن الدعوات إلى الإبادة هي ما عزز تكتل الطائفة المشدودة ذعراً في الأصل، وحال بين الثوار، مع أسباب أخرى، وبين الحصول على أسلحة نوعية. ورغم مرور عقد على استعصاء هاتين المسألتين فإن عواملهما الأساسية ما زالت كما هي، وليس بين حلولهما خطاب الاقتلاع.

في كل مناسبة كهذه يرفض الغاضبون أي محاولة للتعقل، وإن كانت مبنية على مقتضيات العدالة والمنطق، بدعوى افتقار العالم إلى أي منهما بعدما عجز عن وقف المقتلة الكبرى التي طالت أغلبية من الطائفة السنّية كما هو واضح. ويسخرون من أي محاولة لتهدئة الحقد بوصفها قائمة على خطاب «وطني» نظري، يسميه بعضهم «وتنياً» في اتهام لحامليه بالنعومة والتغريب الفكري والمزاج «الكيوت» والبعد عن «الأرض»، أو «وثنياً» لمخالفته الشريعة كما يراها بعض آخر. والحال أن مطلب العدالة ليس وطنياً بالضرورة، والمفترض أنه جزء مكين من خطاب الثوار الآذاريين وعتاة الإسلاميين على السواء.

لكن ما يحرض الخطاب الاستئصالي هو التعرض الطويل لوحشية النظام دون رادع، في السجون وبالقصف المنفلت وفي أثناء حصارات الجوع أو الركوع. ولا يمكن بناء أمل جدي في تراجعه طالما تسود بيئة الضحايا مشاعر العجز والمرارة والمظلومية التي عبّر عنها شعار الندوة: «آلاف المجازر وما زال المجرم طليقاً».

المحاسبة أولاً، والعدالة آخراً ودوماً.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار