الصراع على إعادة الإعمار في سورية

تاريخ النشر: 07.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

فشل الاتحاد الأوروبي في ضمان حجم المساعدات الإنسانية المقدمة للسوريين النازحين واللاجئين وذلك بسبب عدم تعهد الولايات المتحدة بأي مبلغ إضافي ولذلك كان حجم المساعدات الدولية أقل من 4 مليارات ونصف وهو أقل مما كان متوقعا جمعه وهو 6 مليار دولار، وهو ما يطرح تحدياً رئيسياً في ما يطلق عليه اليوم "إعادة الإعمار" في سورية.

حيث يروج النظام السوري بالتعاون مع البروبوغاندا الإعلامية لروسيا أن الحرب انتهت في سورية وأن "المنتصر" هو الأسد ولذلك يجب مساعدته ماليا من أجل إعادة إعمار ما دمرته آلته الإجرامية في المدن المختلفة في سورية، حيث كان الأسد قد اجتمع بوفد برلماني روسي وذكر أنه يتوقع أن تكلف عملية إعادة الإعمار أكثر من 400 دولار وأن الأولوية ستكون للشركات الروسية والصينية وكأن الشركات الروسية والصينية تنتظر على الأبواب لإعادة إعمار بلد فقير لا يمتلك أية موارد مالية كما أن أكثر من 87 من سكانه يعيش تحت خط الفقر كما في تقرير البنك الدولي عن "ثمن الصراع في سورية".

في الحقيقة، ليست القضية أبداً فيمن يقوم بإعادة الإعمار، السؤال هو دوماً من يدفع من أجل إعادة الإعمار أو يمول عمليات إعادة الإعمار ذات التكاليف الباهظة؟

النظام السوري بالتأكيد لا يمتلك لا الأموال ولا نموذج الحكم الرشيد الذي يشجع الآخرين على إعطاء الأموال له من أجل القيام بإعادة الإعمار

وهنا لديك سؤالان رئيسيان، أولهما أن إعادة الإعمار ترتبط بنموذج الحكم ، وثانيهما أن روسيا وإيران اللتين يعتمد عليهما الأسد من أجل إعادة الإعمار ليس لديهما الأموال الكافية من أجل القيام بذلك كما أن النظام السوري بالتأكيد لا يمتلك لا الأموال ولا نموذج الحكم الرشيد الذي يشجع الآخرين على إعطاء الأموال له من أجل القيام بإعادة الإعمار.

ولذلك يبدو مستقبل سورية واضحاً على مدى السنوات القادمة وهو دولة فاشلة لن تستطيع كل مواردها الذاتية والمحدودة في إعادة إعمارها ولا يرغب المجتمع الدولي في مساعدتها لأن "رئيسها" متورط بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قتلت بالحد الأدنى أكثر من 700 ألف سوري ونظامها السياسي يعد الأكثر وضوحاً على الفساد السياسي والأخلاقي الذي حوله إلى مليشيا طائفية تضحي بالبلد وبكل أبناء البلد من أجل تحقيق مصالح شخصية وطائفية.

فالمعركة القادمة إذا هي بين النظام السوري وبين المجتمع الدولي على إعادة الإعمار وهي معركة سياسية وقانونية بامتياز، فالنظام يعرف أنه لن يتمكن من إعادة الإعمار بدون أموال الخليج والاتحاد الأوروبي ويعرف أنه لن يستطيع الحصول على هذه الأموال بدون شروط سياسية تشترط عملية الانتقال السياسي وهو لذلك لا يبدو مصراً أو حتى مهتماً بإعادة إعمار ما هدمته آلته الحربية أو حتى عودة الملايين من اللاجئين السوريين وما إصدار القانون 10 الذي يعطي النظام الحق في مصادرة أملاك اللاجئين والنازحين السوريين إلا دليل آخر على ذلك، وهو ما لم يستوعبه الاتحاد الأوروبي الذي ما زال يعتقد أن إعادة الإعمار ربما تشكل ورقة ضغط على الأسد، إن الأسد لا يفكر بهذه الطريقة ولا يهمه إعادة إعمار سورية التي هدمها ومستعد لإبقاء سورية مجرد بيوت مهدمة وجثث متفحمة على تقديم أية تنازلات سياسية أو قانونية تقود إلى تنازله عن العرش أو تنتهي به إلى المحاكمة.

خط النهاية واضح وهو السيطرة العسكرية الكاملة على الأراضي السورية مهما كانت الطريقة ومهما كان الثمن

بالنسبة للأسد لا خط رجعة كما الأمر بالنسبة لإيران وروسيا، خط النهاية واضح وهو السيطرة العسكرية الكاملة على الأراضي السورية مهما كانت الطريقة ومهما كان الثمن، وبالتالي ليس مهماً أبداً عدد القتلى ، حجم الدمار، انهيار الاقتصاد، عدد اللاجئين، طرق القتل الكيماوي والبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية وغيرها، فالوسائل هنا ليست مهمة ما دام هدفه واضحاً.

ولا تبدو هذه الحقيقة على بساطتها مؤلمة كما هي اليوم، فنحن أمام نظام يستخدم القوة العارية في التعذيب والقتل من أجل الاستمرار في الحكم، وما يزال يحصد الحلفاء الذين يرون في نموذجه للحكم نموذجاً ناجحاً في قمع ثورة شعبية لو اتبعوها لما وجدنا الربيع العربي كما هو اليوم، وتلك ماساة أخرى.

المهم اليوم، أنه يجب على المعارضة السياسية أن تعرف أن الطريق ما زال طويلاً وأنه حتى ولو انتصر الأسد عسكريا فإنه لن يستطيع استمرار حكمه سياسيا أو تحقيق إعادة الإعمار، أنا لن أقول أنه سيسقط فلا طريقة لتغييره أو إسقاطه سوى بالقوة العسكرية المجردة وهو ما لن يتحقق مع الإدارة الأمريكية الحالية، لكن أقول أنه لن يستطيع تأهيل نفسه أبداً ، سيبقي سورية دولة فاشلة، سيبقي الملايين من اللاجئين خارج بيوتهم ويغذي الحلم للملايين من السوريين داخل وطنهم للخروج واللجوء إلى أية أرضٍ كانت، المهم أن يبقون تحت سيطرة طاغية مريض استثمر كل موارد دولة كان يفترض به الدفاع عن سكانها وأرضها، ليحولها لمقبرة جماعية لأهلها وشعبها، فالوطن لا قيمة له إذا تحول إلى شعارات فارغة، الوطن هو من يمنح أبناءه الأمان والحرية ومعنى الحياة الكريمة لا أن يدفعهم إلى اللجوء وحتى وإن قاموا بذلك فإنه لا يرحب بعودتهم ويصادر ممتلكاتهم وأموالهم، فقدان الثقة اليوم بين السوريين ووطنهم يعني أنهم فقدوا بلداً كان يقال له وطن، وهم اليوم في رحلة البحث عن بلد آخر يقال له وطن، ولن يستعيدوا وطنهم الأم حتى يتمكنوا من العودة له بحرية ويتمكنون من اختيار من يحكمهم ويحقق لهم أحلامهم.