السجّان "إبراهيم" بغياب "قيصر"

السجّان "إبراهيم" بغياب "قيصر"

السجّان "إبراهيم" بغياب "قيصر"

تاريخ النشر: 23.10.2020 | 09:43 دمشق

آخر تحديث: 23.10.2020 | 09:45 دمشق

كنت في زنزانتي، في ذاك المكان المعتم والرطب في فرع الأمن العسكري في حمص، وكان جسدي منهكاً بعد يومٍ دامٍ من جولات تعذيب متكررة، والوقت ربما بعد منتصف الليل كما قدّرت حينها، حيث تصادف وجود ذاك السجان (سأعرف فيما بعد أن اسمه إبراهيم) الذي لم يخطر في بالي يوماً قبل سماع صوته وحديثه أن الكرة الأرضية ترتضي، دون شعور قاتلٍ بالعار، مُجرَّد وجوده العضوي داخل غلافها الجوي.

مين عم يدق ولا؟ "أنا".. ولك قول رقم زنزانتك يا جحش.. "عشرة".. فيقتني يا بغل، شو بدَّك ولا؟. "عطشان. بدِّي إشرب".. شو؟ عطشان؟.. بدَّك مَي بعد نص الليل؟ ولك والله، والله، إن فتحتلك الباب هلَّق لشرّْبك من..... أمَّك، يا ابن الشـ... نام ولا جحش، نام أحسن ما إجيك ها. حدث هذا في ليلة من أيلول عام 1987.

بعد سنوات سوف أقرأ عن بنية السجان النفسية وانعكاس مهنته على هذه البنية وعلى سلوكه اليومي وحياته بصورة عامة. يقول طبيب نفسي ومحقق سابق في المخابرات: "المحقق يتحول مع الأيام إلى مريض نفسي معقد، يستعذب عذابات الآخرين. يضرب زوجته ويعذب أطفاله. ينعزل عن المحيط، وعن الحياة اليومية الاعتيادية للإنسان الطبيعي. وتصبح حياته الشخصية جحيماً خالصاً".

ويذكر محقق في جهاز مخابرات آخر بأن طريقة عملهم تخلق ضغوطات ومظاهر إحباط. ثم مع الأيام تلازمهم حالات عصبية لا فكاك منها كسماع أصوات الصراخ والألم، وحالات هوس وعُصاب أخرى، وحتى أن حالات الطلاق لديهم تكون معدلاتها أعلى بكثير من الآخرين.

يعترف أحد الجلادين المحترفين: "في كثير من الأحيان تنفّس عن إحباطاتك وتُسقط حالتك النفسية على أقرب الناس إليك، ولا تعود تشارك عائلتك حياتها". وهناك من يذهب أبعد من ذلك ويدّعي بأن عقول أبناء المحققين سطحية بسبب كسر الأطباق عليها. وأن زوجاتهم لا يُلبّين رغباتهم لخوفهن من بشاعة ما سيرافق هذه الحالة من تعذيب. وكذلك تصبح عقوبات الجلاد لأولاده شكلاً من أشكال التعذيب، وينتهي بأن لا يفصل بين طريقة حياته اليومية وعمله كمحقق.

يعترف أحد الجلادين المحترفين: "في كثير من الأحيان تنفّس عن إحباطاتك وتُسقط حالتك النفسية على أقرب الناس إليك، ولا تعود تشارك عائلتك حياتها"

أما أنا ومن خلال تجربتي الخاصة والمحدودة فأرى (هنا، حريّ بي القول كنت أرى) بأن الجلاد على قناعة راسخة بأنه يمارس التعذيب، والأذى بشكل عام، ضد شخص شرير وجدير بالكراهية، ومن الصعب عليه تغيير هذه القناعة أو قلب هذه الحقيقة التي يجب أن تكون مؤكدة دوماً في داخله، لأنه لو حدث وترجرجت هذه القناعة قليلاً وشعر بأن ضحيته لا تستحق الأذى الذي يوقعه عليها، فلن يسعه إلا أن يكره نفسه، بسبب ما يقوم به، وهذا أمر بالغ الصعوبة عليه. وعلى أية حال أنا شخصياً لم ألحظ كراهية الذات في عيني أي جلاد، ومع ذلك فإن وُجد هكذا سجّان فتجربتي لم تتح لي أن أقابله.

عطِشٌ كنت، وأريد بعض الماء فقط. طلبته بإحساس مربَك، أقسى وأشد لؤماً من إحساس صبيّ يمدُّ يداً مفتوحة في الهواء ليتناول مصروفه اليومي من زوج أمه الشحيح. وبعيداً عن هذه الحادثة بالذات، فعموماً كانت لحظة الاعتقال بمثابة انتقال بين كوكبين لا يبتعدان عن بعضهما أكثر من كيلومتر واحد (المسافة بين منزلي وفرع الأمن). لكنه انتقال انطوى، وببساطة تكاد لا تُلمس، على تبَدُّل مهين في كل شيء. باختصار، الأستاذ في العمل صار (الجحش) في الزنزانة رقم عشرة. مع ثلاث بطانيات حائلة اللون برائحة تبعث على الإقياء، وبقعٌ خلَّفها الزملاء السابقون.

أية كلمات لن تفي اليوم بالغرض، إذا ما حاولت الكتابة للتعبير عن صدمتي بذاك الانتقال، رغم أن الذي جرى معي في تلك الفترة من عام 1987، صار اليوم مفهوماً، بل وعادياً ومألوفاً جداً في بلادنا، بل لو ذهبنا أبعد مع الصور والتفاصيل التي نرى ونسمع، لترسخت لدينا القناعة بأن السجان في حقبة الأسد الابن اليوم بحاجة لدراسة خاصة لا تعتمد أياً من معايير الدراسات السابقة التي اشتغل عليها المحللون، فعشرات آلاف القتلى تحت التعذيب، لا يمكن أن ينجزها السجان المألوف في الدراسات التحليلية العالمية المعروفة.

سيبدو إبراهيم اليوم وكأنه سجّان "غشيم" وساذج، فهو لم يفتح الباب ليخرجني إلى الممر ويقتلني فأصبح صورة لدى "قيصرٍ" ما، بل اكتفى بأن تركني عطشان، وهذا بمعايير السجن السوري اليوم، سلوك بالغ اللطف، فها أنا هنا، وأكتب في هذه اللحظة بعد مرور سنوات طويلة، بينما تُعرض عشرات آلاف الصور لقتلى سوريين تحت التعذيب في كبرى عواصم العالم خلال السنوات الأخيرة.

حدث هذا في بلادنا يوماً ما، ويحدث اليوم ما هو أشد فظاعة ووحشية، ويبدو أننا قد ألِفْنا بأن هذا من تصاريف أقدارنا السوريّة، ولكن ماذا لو أن أحداً ما من بلد آخر (لا أقصد السياسيين الدوليين هنا) سمع أو قرأ تلك الحكايات التي تحدث اليوم في السجن السوري، أقصد أحداً لا يعرف كل هذا العسف، ولا يعشش الخوف في داخله. (أو لنعرِّفه بصورة أفضل وأكثر مقاربة) شخص يمتلك كرامته الإنسانية، وجرَّب العيش بصورته الطبيعية دون أسد يحكم بلده. أخشى أنه سيكف حينها عن التظاهر حتى ضد انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وسيجد أنه ربما من المناسب فناء هذا الكوكب، بعد أن استعصت الحلول.

في الثمانينات كانت نقمة رهيبة قد عمَّت كل أرجاء البلاد، وبمقاييس تلك الحقبة فإن الأسد الأب كان من أعتى مجرمي العالم ومع ذلك لم يفعل ما يفعله ابنه اليوم، ليس لأنه أكثر إنسانية وحكمة كما يحاول بعضُ مريديه اليوم القول، ولكنه ببساطةٍ لم يكن محتاجاً، فهو واجه بضعة آلاف من السوريين ممن عارضوا استبداده في حكم سوريا، لكن السوريين لم ينتفضوا جميعاً كما فعلوا في عام 2011 ولذا لم أُقتل تلك الليلة على يد السجان إبراهيم.

في تلك السنوات اعتقدتُ أن سوريا استحقّت، وبجدارة استثنائية، أن تنال لقب "دمعة آسيا". اليوم كففت عن هذا الاعتقاد. وأجدني كنت أبالغ ولا شك، ففي هذا التوصيف أنانية واستئثار. فلطالما كانت لآسيا دموع تذرفها. منذ ما قبل "بول بوت" والخمير الحمر في كمبوديا، وصولاً إلى أسد اليوم في سوريا. اللعنة.. إن كانت سوريا في تلك الحقبة تستحق هذا اللقب، فبماذا يمكن أن نصفها اليوم؟

مقالات مقترحة
تركيا.. خطة لتطعيم 12 مليون مواطن بلقاح كورونا حتى شهر آذار
حصيلة إصابات كورونا عالمياً تتخطى حاجز الـ 100 مليون
كورونا.. معدل الإصابات بالفيروس يرتفع في تركيا