الدخول الإيراني إلى عمق الجيش والأمن

تاريخ النشر: 27.05.2018 | 00:05 دمشق

مذكرات الجنرال الهمذاني- خارطة طريق سوريا/ 3

في هذا الجزء الذي يغطي من الشهر الثالث إلى السادس من عام 2012 يتحدث الجنرال همذاني عن الدخول إلى الجيش وممانعة بعض الأطراف في النظام، وبشكل خاص الأجهزة الأمنية في البداية، ويشير همذاني بشكل خاص إلى أن ممانعة رئيس جهاز أمن الدولة آنذاك اللواء علي مملوك في البداية كانت بسبب سنيته (مواليد دمشق 1946، يقال إنه ينحدر من الأقلية القومية الشركسية، وأصبح رئيساً لمكتب الأمن القومي الذي يشرف على عمل جميع الأفرع والأجهزة الأمنية في تموز/يوليو 2012 بدلاً من اللواء هشام بختيار الذي قضى في تفجير خلية الأزمة الشهير في نفس الشهر)، ويذكر الهمذاني الصعوبات التي واجهته للدخول إلى الجيش والأمن وتدريب وتمويل قواتهما، ويقول همذاني إن التدريب والتمويل لهذه القوات كان جزءاً من التعليمات التي زود بها في مهمته، أي أنه كان جزءاً من هدف إيراني واضح.

وقال الهمذاني أيضاً إنه واجه ممانعة من قبل حزب البعث لدخولهم الجيش أو التواصل معه معتقداً أن البعث مؤسسة مستقلة عن الأمن والجيش، لكن يبدو أن هنالك تياراً كان قلقاً من فقدان نفوذه مع تدخل الإيرانيين في الأجهزة الأمنية والجيش، وهو ما حصل لاحقاً، لا علاقة للأمر بنخوة قومية أو غير ذلك مما بات معروفاً أنه آخر اهتمامات وجوه النظام، يعزز ذلك الشكوكَ بأن التخلص من "خلية الأزمة" ربما كان غرضه دخول الإيرانيين إلى الأجهزة وحلولهم محل العقل المدبر والمخطط والمتابع للتحرك العسكري والأمني لمواجهة الثورة، وهو ما حصل لاحقاً.

الحجة الأساسية التي كان يعتقد الإيرانيون أنهم يمكن أن تكون مبرراً للدخول إلى عمق الجيش والأجهزة الأمنية هي الخبرة التي اكتسبها الحرس الثوري في قمع الانتفاضات الشعبية في إيران، وبشكل خاص الثورة الخضراء عام 2009، وسيردد همذاني أينما ذهب هذه السيمفونية لإقناع المسؤولين في النظام بذلك. ويشير الهمذاني في ختام هذا الجزء كيف أن خامنئي وجهه برسالة بضرورة إجبار النظام على قبول الدور الإيراني الجديد رغما عنه، وتجاوز مسألة موافقته على ذلك، فهو مريض ولا يعرف أنه مريض، ولا يريد أن يأخذ الداوء، فيجب أن يأخذه مكرهاً.

 

النص:

إذا دققنا النظر في هيكل النظام السوري فسنرى أن الجيش هو الذي يتولى مسؤولية حفظ الأمن القومي في سوريا، والشرطة ليست معنية بهذا الموضوع، وتقتصر مهامها في إدارة السير والمرور. ولكن أيضاً هناك خمس مؤسسات للأمن تؤدي كل منها مهمتها مستقلة عن الأخرى. مثل: أمن الدولة التي تعد من المؤسسات المهمة وذات نفوذ واسع في البلد في شؤون الأمن، وهناك أيضاً الأمن العسكري، والأمن الجوي، والأمن السياسي، والأمن القضائي.

كان رئيس أمن الدولة لواء سنّي اسمه علي مملوك، وكان أيضاً هناك عقيد شيعي قائد لشعبة خاصة تابعة لهذا الجهاز.

نحن جئنا كي نفيدكم من تجربة دفاعنا المقدس (أي الحرب مع العراق) طوال ثمان سنوات، وأيضا نقدم لكم تجربة التعامل مع الأزمات وأعمال الشغب التي مرت في بلادنا

وبما أن قوات هذه المؤسسة الأمنية دخلت طرفاً في الصراع في سوريا، فقد كان من مهمتي - حسب التعليمات التي وصلتني - أن أقوم بتدريبها، وكان يجب أن يتم هذا الأمر بعد تصريح من أمن الدولة، ثم وفي وقت لاحق منعنا حزب البعث أن نجري أية محادثات مع قوات الجيش أو أن نتواصل مع بعض الجهات.

ومع أن حكومة البلاد طلبت منا المساعدة إلا أن المسؤولين في أجهزة الأمن السوري لم يسمحوا لنا أن نتدخل في شؤون الجيش. وكانوا يقولون لنا نريد منكم المعدات فقط، ولكننا قلنا لهم: نحن جئنا كي نفيدكم من تجربة دفاعنا المقدس (أي الحرب مع العراق) طوال ثمان سنوات، وأيضا نقدم لكم تجربة التعامل مع الأزمات وأعمال الشغب التي مرت في بلادنا، فالأعداء الذين قاموا بتصميم وتخطيط هذه الأزمة هم أعداؤنا أيضاً، ونحن نعلم جيداً ما الذي يريدونه، ووراء أي مصالح يسعون.

 في نهاية المطاف سمح لنا أن نبدأ بتدريب تلك القوات.

وكان السيد خامنئي يرى أن الصراع يدور بين المسلحين التكفيريين والمدافعين عن النظام، وأن طرفي الصراع هم شباب وجميعهم مسلمون ولكنهم مخدوعون، في حين أن العدو الحقيقي هو طرف آخر، لذلك قال لنا السيد ابذلوا جهدكم أن تقللوا عدد القتلى بين الطرفين، سواء كان من المعارضين أو من المؤيدين والمسلحين وقوات الجيش.

وفي المرحلة الأولي قمنا بتدريب قوات الدفاع على التكتيك ومهارة الحرب داخل المدن والعمران كخطوة أولي؛ لأنه كانت لدينا خبرة سابقة في كردستان بمثل هذا النوع من الحرب، حيث مرت هناك سنوات طويلة من الأحداث والصدام المسلح، وكذلك كانت لدينا خلفية من أحداث سنة 1999 و2009 في طهران، وهذه التجارب كانت ميزتنا ورأس مالنا.

عندما قمنا بإجراء العمليات التدريبية للدفعة الأولي في مقر أمن الدولة حضر في ختام الدورة وزير الدفاع السوري ورئيس الوزراء آصف شوكت، زوج أخت بشار الأسد،

إن سوريا مريضة ولكنها لا تعرف أنها كذلك، ويجب أن نشرح هذا المرض للسلطات السورية. وإذا كان المريض لا يريد أن يذهب إلى الطبيب للعلاج فأنتم قوموا بإحضاره إليه

ورئيس مجلس الأمن القومي السوري. ولما رأوا طريقة التدريب واستعداد القوات القتالية طلبوا منا أن نأتي إلى مؤسساتهم وندرّب قواتهم. وحتى ذلك الوقت لم نكن مخولين للتدخل في شؤون الجيش، ولكن بعد ذلك طلبوا منا المساعدة وتدريب قواتهم، فقمنا بالتمويل والعمليات التدريبية.

كنا نرى ضرورة وضع ورسم خطة استراتيجية لمستقبل سوريا، ولكن حينما اعترضوا علينا ولم يسمحوا لنا بهذه المهمة أرسلنا تقريرا إلي السيد خامنئي وطلبنا منه أن يأذن لنا بالعودة إلي إيران؛ لأنهم لم يقوموا بالاستفادة من جهودنا بشكل صحيح، ولم يستثمروا وجودنا بينهم كما ينبغي. لكن السيد خامنئي سلّم للحاج قاسم سليماني وثيقة توجيهية قال فيها: "إن سوريا مريضة ولكنها لا تعرف أنها كذلك، ويجب أن نشرح هذا المرض للسلطات السورية. وإذا كان المريض لا يريد أن يذهب إلى الطبيب للعلاج فأنتم قوموا بإحضاره إليه، وإذا كان لا يشتكي للطبيب عن مرضه فأنتم قولوا للطبيب إنه مصاب بمرض كذا! وإذا كان لا يريد تسلُّم وصفة الدواء لمرضه فاستلموها عنه، وإذا كان لا يأخذ الدواء فأنتم ناولوه إياه وتابعوا علاجه الطبي حتى يشفى".

لم يكن سيادته في سوريا، ولكن كأنه كان في ميادينها. وبعد هذه التوجيهات من السيد خامنئي انشغلنا ثلاثة أشهر كاملة بتدريب القوات العسكرية السورية.