"الخلية الخماسية" التي لن تمنح الأسد هدية في قصر بعبدا!

2023.02.08 | 06:05 دمشق

"الخلية الخماسية" التي لن تمنح الأسد هدية في قصر بعبدا!
+A
حجم الخط
-A

بالتزامن مع زيارة المنسّق الخاص للمساعدات الدولية الفرنسية السفير بيار دوكان إلى بيروت بعد جولة شملت مصر والأردن لتحريك ملف استجرار الغاز عبر مصر والأردن وسوريا بعد تجميد الملف لحسابات أميركية متعلقة بمعاقبة النظام السوري،  حطت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا رحالها في الخليج العربي في أول زيارة خليجية لها شملت السعودية وقطر.

وهذه الزيارة ترافقت مع تعثر في تحديد موعد الاجتماع الخماسي حول لبنان والذي يضم ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا وقطر والسعودية ومصر، وعقب زيارة كولونا إلى الرياض سمعت من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تحفظاً واضحاً على سياق الاجتماع من حيث الشكل:

أولاً: إن الاجتماع المحدد والذي من المطلوب أن يحضره مستشارون في وزارات الخارجية للدول الخمس لم يطرح حتى اللحظة ورقة عمل متكاملة حول الأمور التي سيسلكها نشاط الخلية الخماسية عقب الاجتماع، لا من حيث المواصفات والطروحات ولا من حيث الأسماء المقترحة.

ثانياً: إن بن سلمان كان جاداً بأن السعودية ومعها معظم دول الخليج غير راغبة بالإتيان برئيس يشكل "هدية" لنظام بشار الأسد وحزب الله وهذا الأمر يبدو محسوماً للسعوديين على الرغم من وجود قنوات تواصل مع النظام في دمشق والذي تجلى بزيارات متكررة لرئيس المخابرات حسام لوقا إلى الرياض.

وعليه تعهدت رأس الدبلوماسية الفرنسية بأن تكون ورقة العمل جاهزة قبيل الاجتماع لمناقشتها مع المسؤولين في السعودية وقطر، بالإضافة لإصرارها على عدم تبني باريس لترشيح سليمان فرنجية انطلاقاً من معايير متفق عليها بين واشنطن وباريس وهي الإتيان برئيس من خارج النادي المسيحي التقليدي المتورط بالفساد، وعليه جرى تحديد موعد 6 شباط كاجتماع أولي، يليه اجتماع على مستوى أعلى في الخارجية والاستخبارات نهاية شباط المقبل.

لا يمكن القفز فوق التطورات الإقليمية المتسارعة والتي باتت تشغل العواصم الكبرى وتأخذ الحيّز الأكبر من اهتمامها

هذا في الشق اللبناني، أما في الشق الإقليمي والدولي فإن وزيرة الخارجية الفرنسية حملت معها الملف اللبناني إلى جانب الملفات الدولية الداهمة، مثل التوتر الحاصل بين حكومة نتنياهو اليمينية والجانب الفلسطيني، وكذلك الحرب الدائرة في أوكرانيا، والتي تزداد خطورة مع استمرار إيران بدعم موسكو بالمسيرات الانتحارية.

ولا يمكن القفز فوق التطورات الإقليمية المتسارعة والتي باتت تشغل العواصم الكبرى وتأخذ الحيّز الأكبر من اهتمامها، وذلك أن التوترات والتحديات الداهمة أخذت بوزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن بأن يتحدث بشكل جدي لصحفيين أجانب أنه أنهى جولته الإقليمية دون إحداث اي خرق على المستوى الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وهو ما يؤشّر إلى أن احتمالات عودة التصعيد مستقبلاً تبدو مرتفعة وتحديداً في سوريا وقطاع غزة والضفة الغربية.

وهناك رسائل قاسية وجهت إسرائيلياً إلى إيران بالتزامن مع زيارة بلينكن إلى المنطقة ووزير الخارجية القطري إلى طهران، فالمسيّرات التي استهدفت مصنع المسيرات الانتحارية في أصفهان وانطلقت من مكان ما داخل إيران، جاءت لتُضاف إلى سلسلة الرسائل الأمنية التي بدأت مع اغتيال العالم النووي الإيراني واستمرت باستهداف المنشآت النووية وانتهاء بعملية أصفهان، وهنالك من قرأ في خلفيات هذه الرسائل ما يتضمن أن خصوم إيران قادرون على الذهاب أبعد من ذلك، لكن لا قرار بهذا حتى الآن.

بالتوازي فإن التوتر بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي بدأ يأخذ منحى تصاعديا في ظل الحديث عن إمكانية وضع الحرس الثوري على لوائح العقوبات الأوروبية، لأن الخطوط الحمر الأوروبية بدأت إيران بتجاوزها في مشاركة موسكو حربها الأوكرانية بالخبرات والمسيرات، ما اعتبر أنه انتقال من اللعب في المجال الإقليمي والتوجه للعبث في الأمن الحيوي لحلف الناتو، وعلى الرغم من تراجع حدة الخطاب بين إيران وفرنسا وألمانيا، إلا أن تهديدات إيران بالرد على خطوات أوروبية تصعيدية، أربكت الأوروبيين وحملتهم على خفض التصعيد.

في حين قررت طهران الرد على الفرنسيين بالضغط عبر حكومة السوداني، على شركة توتال الفرنسية للانسحاب من صفقة بتكلفة قدرها 27 مليار دولار، حيث حصل  على فرصة ذهبية لإعادة إعمار بنيته التحتية المدمّرة بفعل الحروب الطويلة، وعلى الرغم من التوقيع الذهبي الحاصل في لبنان للتنقيب والاستخراج بين توتال وايني وقطر للطاقة، وهذا الأمر مرده إلى أن هناك قراراً لدى الجانب الإيراني بفصل الملفات الإقليمية عن بعضها بعضا، والأكيد أن قرار حكومة السوداني لم يكن ليحصل لولا "موافقة ضمنية أميركية" على هذا المسار، وخاصة أن السوداني حريص على الاستفادة.

وثمة من يعتبر أن التطورات الجارية في الكواليس لإتمام صفقة بين السعودية وإيران تشمل اليمن والعراق، وقوامها موافقة إيرانية على وقف القتال في اليمن وإنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلو متر عن الحدود السعودية والذهاب لمسارات سياسية بين الحوثيين وخصومهم في اليمن، في مقابل دعم سعودي للعراق.

 وهذا ما تبدى في زيارة وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان للعراق، وتأكيده على المسار التفاوضي مع إيران برعاية العراق وقطر وسلطنة عمان، والذي سيترجم في لقاء على مستوى وزراء الخارجية نهاية الشهر الحالي، كذلك ما أشار إليه بن فرحان بالتزام سعودي بدعم الحكومة العراقية ومساعدتها اقتصادياً وسياسياً.

وفي هذا السياق أيضاً كان لافتاً النشاط القطري-العماني باتجاه إعادة تحريك المفاوضات النووية بين إيران والدول الكبرى، وعلى الرغم من أن الرسالة التي حملها وزير الخارجية القطري إلى طهران أتت على صوت ضربات أصفهان الإسرائيلية، إلا أن الجانب الإيراني ونتيجة استمرار الاحتجاجات الداخلية والضربات المتكررة لمواقع إيرانية بات مضطراً للذهاب نحو صفقة شاملة تنهي العقوبات المفروضة وتفرج عن أموال إيران المحتجزة، والورقة التي حملها الموفد القطري تضمنت حماسة دولية للعودة للحوار لكن بدون شروط إيرانية، كذلك تعهد إيران بوقف تصدير المسيرات إلى موسكو في حربها المفتوحة.

 

وعدا الخطوط المفتوحة عبر وسطاء والمفاوضات التي كانت تدور من خلال هذه الخطوط وتحديداً قطر وعمان، فإن إسرائيل تتهم إدارة بايدن بغضّ النظر عمداً عن ارتفاع التصدير النفطي الإيراني إلى الصين بنسبة بلغت 45% وهذا ما جَعل العقوبات من دون فعالية، وسمح لإيران بتعزيز نفوذها من خلال حلفائها في سوريا ولبنان والعراق. من هنا يتركز الضغط خلال الأيام الماضية على الطريق البري الذي يربط إيران بالعراق فسوريا وانتهاء بلبنان. وهذا الطريق هو أحد أهم أسباب توحش حزب الله في القتال السوري لإبقاء هذا الطريق مفتوحاً وآمناً.

وخلال الأسابيع الماضية حصلت غارات جوية على منطقتي البوكمال ودير الزور وسط حَض السلطات السورية على الإمساك وحدها بمفاصل هذا الطريق، خصوصاً أنّ التباين بات واضحاً بين دمشق وطهران منذ طرح مسألة المصالحة بين سوريا وتركيا. في ظل قيام إيران بنقل عناصر وقوات وميليشيات من دمشق باتجاه دير الزور.

وأمام كل تلك التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، ثمة تأكيد عربي وخليجي على أمر واحد، أن أي موقف رمادي تجاه الرئاسة في لبنان سيمكن بشار الأسد وحزب الله من  التدخل مجددا في يوميات السياسة اللبنانية، ورغم محاولات سليمان فرنجية للحديث عن إمكانيته الاستحصال على تعهدات من حزب الله والنظام الأسدي وطرح الاستراتيجية الدفاعية وإعادة التوازن تجاه السعودية وقطر.

وصول الاجتماع الخماسي القائم في باريس إلى نتيجة مباشرة دونه عقبات كثيرة، في ظل تضارب المصالح الداخلية والخارجية

إلا أن أطرافا إقليمية تسخر من هذه الوعود بالتذكير بأن ميشال عون وهو زعيم أكبر كتلة مسيحية قد تعهد قبيل وصوله لبعبدا بهذه الوعود ولم يستطع تحقيقها، فكيف لشخصية مثل فرنجية بدون كتلة برلمانية أن يحقق تلك الأمور في ظل كل تلك التوترات الحاصلة.

وعليه فإن وصول الاجتماع الخماسي القائم في باريس إلى نتيجة مباشرة دونه عقبات كثيرة، في ظل تضارب المصالح الداخلية والخارجية.
لكن هذا الاجتماع سيكون محطة أساسية، لأن ما بعده سيترتب عليه إما تسوية لبنانية تنسحب على المنطقة، وإما استمرار الانهيارات القائمة مع تداعيات مالية كبرى، معطوفة على توترات أمنية واجتماعية، مقرونة بدعوات يمينية للتقسيم والانفصال.