الخريجون السوريون في اللجوء العربي: شهادة منقوعة ومستقبل مبهم

تاريخ النشر: 16.04.2021 | 05:23 دمشق

آخر تحديث: 16.04.2021 | 17:06 دمشق

تلفزيون سوريا - سعاد خبية

تخرج زياد سعيد (34 عاما) في كلية الهندسة المدنية جامعة دمشق عام 2010، وأهّله تقديره الممتاز ليتابع في الدراسات العليا، إلا أن الأوضاع في سوريا قطعت الطريق عليه فلم يعمل ضمن اختصاصه كما لم يستطع متابعة دراسته العليا بعد أن أصبح لاجئا في الأردن. يوجز زياد قصته لموقع تلفزيون سوريا حيث تمنع قوانين العمل الأردنية أصحاب الشهادات العلمية الأجانب من العمل بتخصصاتهم، كما أنه لم يستطع متابعة دراسته العليا لأن ذلك يحتاج مبالغ مالية كبيرة، ويقول بحرقة "لم أعد أتذكر كثيرا بأنني مهندس"، حيث إنه اليوم يدير مع والده عملا تجاريا صغيرا. 
وقد مضى كذلك ثلاثة أعوام على تخرج زياد سعيد (29) من كلية العلوم المخبرية في الجامعة اللبنانية حيث يتابع عمله في مصنع للبطاطا (الشيبس) بعد انسداد كل الأبواب أمامه لإيجاد عمل بتخصصه، بينما لم يرد غياث بكري (27) عاما خريج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في لبنان استنزاف جهده ووقته كما يخبرنا بالبحث عن عمل بتخصصه حيث يقيم في بيروت فهذا غير ممكن. يعمل غياث في إحدى المزارع ولا يرى الحل إلا بتوفر فرصة للسفر نحو أوروبا أو أميركا حيث يمكنه الالتفات لتخصصه.   
فيما خسرت رنيم الحسن خريجة كلية الهندسة المعمارية عرضاً لتوقيع عقد عمل كمهندسة مشرفة في شركة مقاولات في القاهرة، لعدم تمكنها كغيرها من الخريجين السوريين كما تقول في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، من الحصول على تصريح عمل أو موافقة أمنية لقبولها في النقابة.
تقول رنيم إن سقفها العملي كمهندسة سورية خريجة أن تعمل بوظيفة مؤقتة غير ثابتة، في إحدى المكاتب الهندسية أو الشركات دون أي ضمانات، مع عدم إدراج توقيع باسمها على أي مخطط من تصميمها كما هو حال عملها منذ أربع سنوات، حيث إن أي رسم هندسي يحتاج إلى ختم رسمي معتمد يشترط بصاحبه أن يكون مقيدا في نقابة المهندسين المصريين ولديه تصريح عمل.
 وأضافت رنيم "كان حصولي على شهادة الهندسة المعمارية حلما تحقق في مصر بكثير من الجهد والتعب والمال، لكنه بقي دون تفعيل".
ومثلها محمود الدالي خريج طب الأسنان من جامعة مصرية خاصة يعمل كطبيب مشرف على عيادة أسنان مرخصة باسم طبيب مصري يقاسمه بنسبة عالية من ريع عمله فلا تصريح بالعمل له ليعمل باسمه، فيما كان مصير المهندس المدني زياد أحمد (30 عاما) خريج جامعة عين شمس، العمل كمشرف عمال في معمل صناعات غذائية بعد فشله المستمر كما يقول في الحصول على فرصة عمل ضمن تخصصه. 
مشاهد وحكايا انتظار وإحباط وخذلان كثيرة ومتنوعة يطالعنا بها عدد كبير من الخريجين الجامعيين السوريين المقيمين في دول اللجوء العربية المختلفة، تتدفق على ألسنتهم بمجرد طرح السؤال على أحدهم: ماذا تعمل وهل تعمل بتخصصك؟ 

 

قوانين وواقع عمل الخريجين السوريين في بعض بلدان اللجوء

 

في لبنان 
تابع 7000 طالب سوري تحصيلهم في الجامعات اللبنانية ما بين عامي (2017- 2018) وفق أرقام لبنانية رسمية، لا يقتصر المسجلون من الطلبة السورين على المقيمين داخل لبنان فقط، إذ تعتبر الجامعات اللبنانية مقصدا للعديد من الطلبة السوريين من خارج لبنان يقيمون مؤقتا لغرض الدراسة والتخرج ، ويمنع قرار صادر عن وزير العمل اللبناني غير اللبنانيين بمن فيهم السوريون من العمل في جميع المهن باستثناء الزراعة والنظافة والبناء، وتشمل الشريحة العاملة في هذه المجالات خريجين جامعين وحاملي شهادات أكاديمية وأصحاب اختصاص، وفق معلومات شاركنا بها طارق الشيخ (32 عاما) وهو خريج كلية الصيدلة في الجامعة اللبنانية، والذي يشير إلى أن عددا من أصدقائه الخريجين المقيمين في لبنان يعملون بصورة غير قانونية (من الباطن) ضمن القطاع الخاص مع ما يمكن أن يتسبب به ذلك من خطر تعرضهم للترحيل أو السجن، مع ظروف عمل غير متكافئة تتجلى بضعف الأجور مقابل عدد ساعات العمل، وحجمه، وعدم تمتعهم بأي حقوق قانونية، فيما اضطر خريجون آخرون وهم الشريحة الأكبر لقبول أعمال لا تمت لتخصصاتهم بصلة لتحصيل معيشتهم، كالعمل في الحدائق، والكسارات، والبارات، وأعمال البناء مع انعدام أفق التغير أمامهم ، لافتا إلى أن الحالة الوحيدة المسموح فيها بتوظيف خريج سوري هي التعاقد معه كاستشاري ومثل هذا العمل قليل جدا ولا يكاد يلمس. 
في الأردن 
 واقع مشابه يواجه الخريجين السوريين في الأردن حيث تشمل المهن المسموح بها قطاع الإنشاءات والزراعة والحرف اليدوية والمنسوجات، بينما يمنع قانون العمل الأردني مزاولة 18 مهنة على غير الأردنيين كالإدارية، والمحاسبية، والهندسية، والطبية، و السكرتارية، والمهن التعليمية، ويقدّر المحامي طارق عباس سفير الائتلاف السوري المعارض  في الأردن في حديث خاص مع موقع تلفزيون سوريا عدد الخريجين السوريين من الجامعات الأردنية منذ عام 2015 بـ 2000 خريج، لافتا إلى تراجع عدد الطلبة الجامعيين المسجلين في الجامعات الأردنية خلال السنتين الأخيرتين بسبب تراجع عدد المنح المقدمة وخاصة بعد انتشار فيروس كوفيد 19، حيث يقف ارتفاع الرسوم الجامعية والذي يصل إلى سقف (20,000$) لكل سنة عائقا حقيقيا أمام متابعة الدراسة للطلبة السوريين اللاجئين، ووفق تقديره سيسجل المستقبل انخفاضا كبيرا في عدد الخريجين وبالتالي فقدانا إضافيا للكفاءات العلمية السورية. 
في مصر  

التحـق مـا يقـرب مـن 6800 طالب سـوري بالجامعـات المصرية منذ 2012 وفق أرقام نشرتها المفوضية العامة للاجئين في تقريرها حول خطة الاستجابة لعام 2018-2019 ، حيث يعامل الطلبة السوريون حاملو الشهادة الثانوية العامة المصرية والمقيمون على الأراضي المصرية في التسجيل بجامعتها بشروط  الطالب المصري ذاتها، في حين يعامل طلاب الماجستير والدكتوراه السوريون خريجو الجامعات ذاتها معاملة الطالب الأجنبي، بينما يعامل الطالب السوري الحامل للثانوية العامة السورية في الجامعات الحكومية والخاصة معاملة الطالب الأجنبي، حيث تصل رسوم التسجيل في الجامعات الحكومية في الكليات العلمية العليا ما يقرب من 3500 جنيه إسترليني سنويا، ومع ارتفاع معدلات القبول الجامعي يتوجه عدد من الطلبة السوريين الذين لم تساعدهم معدلاتهم للتسجيل في الجامعات الحكومية إلى الخاصة، حيث رسوم التسجيل عالية تتراوح ما بين (5- 18) ألف دولار سنويا. 
ويقدّر أمير شهلة منسق التجمع الخدمي السوري في مصر (تجمع مرخص يضم عددا من الهيئات والجمعيات التعليمية والخيرية السورية في مصر) عدد الخريجين السوريين من الجامعات المصرية منذ 2015 بـ 4000 خريج، لافتا إلى أن النسبة الأعم من هؤلاء يعملون بعد التخرج في وظائف تختلف عن تخصصاتهم الأساسية، فيما يشير عدد من المستمزجة أراءهم أثناء إعداد هذا التقرير إلى أن السلطات المصرية تنتهج مبدأ سياسة غض الطرف تجاه عمل الخريجين في المؤسسات الخاصة وهو ما يعطي هامشا لدعم خبراتهم  في تخصصاتهم، وتحصيل رزقهم غير أنه غير كاف لتحقيق أمنهم الوظيفي وحمايتهم من الاستغلال. 
ويشير المحامي المصري يوسف المطعني في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، بأن القانون المصري لا يمنع الأجانب ومنهم السوريون من شغل الوظائف المدنية، والانتساب للنقابات من مثل (الطب البشري ، طب الأسنان، الصيدلة، الهندسة)، ولكن القانون يشترط تحقيق مبدأ المعاملة بالمثل وهو مبدأ (معمول به بين الدولة المصرية والسورية) وفق المطعني منذ أيام الوحدة المصرية السورية، ولكن يرتبط تطبيق ذلك عمليا وفق المطعني بالحصول على الموافقة الأمنية من السلطات المصرية وهو ما يصعب الحصول عليه معظم الأحيان، ويلفت المحامي إلى أنه يترافع عن موكلين سوريين في المحاكم المصرية حول قضايا تتعلق بتثبيت تصاريح العمل والتراخيص.

 

غياب البرامج والحلول

 

لا إحصاءات أو تقارير نوعية أو نسباً تفصيلية ترصد أعداد وتخصصات الجامعيين السوريين اللاجئين رصدتها أو نشرتها الدول المستضيفة أو المفوضية العامة لشؤون اللاجئين، بما فيها المؤسسات الرسمية والمدنية السورية، تحدد بموجبها الكفاءات المتوفرة وتضع استراتيجيات تشغيلية تتناسب مع قوانين الدول المضيفة وتشريعاتها واستيعاب سوق العمل فيها.  
يرسم شهلة واقع عمل الخريجين في مصر حيث يقسمهم إلى ثلاثة شرائح فهم إما يعملون في مجالات (صناعة- تجارة - مطاعم) ويشكلون النسب الأكبر، أو يعملون بتخصصاتهم، ولكن من "الباطن"، ومعظم هذه الشريحة من (الأطباء -الصيادلة)، أو لا يعملون أبدا، وغالبية هذه الشريحة من الخريجات الإناث حيث مجالات العمل البديل أقل بكثير. 

 

نتائج العمل من "الباطن"

 

يعرّض العمل بصورة غير قانونية الخريجين للاستغلال من خلال الأجور المنخفضة، وساعات العمل الطويلة، كما يقلل من فرص الاستفادة الاقتصادية منهم للمجتمعات المضيفة، ويترك أثرا نفسيا واقتصاديا وعلميا سيئا، حين لا يتم الاعتراف بهم. ويصف طلال عبد العال نفسه بأنه من المحظوظين، حيث حصل على منحة لدراسة الصيدلة في الجامعة الأردنية. تخرج العام قبل الفائت بتقدير جيد لكنه يقف اليوم خلف (الكاشير) يحاسب الزبائن في إحدى الصيدليات في العاصمة الأردنية عمان ليبقى قريبا من مجاله "ريثما الله يفرجها" كما يقول. 
يرى زياد (محدثنا الأول) بأن عدم مزاولة الاختصاص يحرم الجامعيين من فرص التدريب واكتساب المهارات العملية ما يؤدي إلى انكفائهم، وجمود خبراتهم وهو ما حصل معه، ويرى غياث أن الحرمان من ممارسة المهن المرتبطة بتخصصات علمية عالية يكرس الاتجاه نحو المهن البسيطة التي تستنزفهم، وتخلق حالة تصحر علمي في مجتمعاتهم، وهو ما يدفع إلى طرق الهجرة غير الشرعية بحثا عن ظروف حياة أفضل. 


الاستجابة المجتمعية الخطرة

 

لعل الأخطر في هذه القضية إضافة إلى عدم الاستفادة المناسبة من هذه الطاقات وحالة الضياع التي يعيشها الخريجون، هو الرسالة التي تصل للشبان السوريين أثناء بحثهم وذويهم عن خيارات المستقبل، حيث يؤدي إقفال الباب أمام كفاءات الخريجين وإهمالها وعدم وجود برامج خاصة للدول المضيفة للاستفادة منها إلى فقدان الدافع للتعلم الجامعي لدى شرائح كبيرة من اللاجئين وخاصة حين نتذكر الصعوبات والتحديات التي يواجهونها مقابل الحصول على فرص التعليم، طالما أن المآل الوظيفي النهائي بعد التخرج هو عمل خدمي بسيط  لا يحتاج تخصصا علميا، وهوما يؤدي إلى تراجع الدافع لإتمام التعلم الجامعي، وبالتالي التوجه نحو المستقبل دون حوامل علمية تخصيصية، وتكريس الجهل والأمية لدى شرائح إضافية، ما يشكل خطرا حقيقيا على السوريين أفراداً وتجمعات، ويجعل طرح هذه القضية وتبيان مدى تأثيرها، وهذا ما يراه الباحث السوري حسام الدين درويش أمراً بالغ الأهمية كونه يتعلق بمسألة مصيرية ترتبط بالتعليم كرافعة أساسية للمستقبل السوري. 
إن تأثير غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع قضية استيعاب الجامعيين السوريين في بلدان اللجوء العربية والاعتراف بهم أمر بالغ الأهمية، وما يصنع الفارق هو رصد هذه المشكلة والاعتراف بها وخلق فرص عمل مناسبة تفتح أبواب المستقبل المبهم وتوقف هذا الفاقد البشري النوعي.