الجنسية السورية والتمتع بلذة العقاب!

2023.06.18 | 06:19 دمشق

الجنسية السورية والتمتع بلذة العقاب!
+A
حجم الخط
-A

مضت تقريبا سنة على حصولي مع عائلتي على الجنسية الألمانية، واكتساب جنسية أي بلد أوروبي هو حدث مفصلي في حياة أي مهاجر، أو لاجئ وخاصة السوري، حينها سألني أحد الأصدقاء: ماذا تغير بمشاعرك وأحاسيسك بعد حصولك على الجنسية الجديدة (والتي تُمنح ضمن احتفال خاص في المدينة الألمانية التي فيها أُقيم)؟

باغتني السؤال وأجبته: بأنني سعيد جداً بهذا الحدث المهم وأعتبره ولادة جديدة لي من حيث الحقوق والواجبات التي تمنحني إياها الجنسية الجديدة، وأضفت: لكن (الحشوة) بقيت سورية، أي الانتماء الروحي والعاطفي ومجمل الذاكرة المحملة بتفاصيل مكان عشت فيه تسعة وأربعين عاماً!

وهنا لابد لنا من إلقاء نظرة على مفهومين متداخلين هما: المواطنة والجنسية.

جنسية بلد ما تعني أن الشخص هو عضو في هذه الدولة.

أي هناك علاقة قانونية بين الفرد والدولة التي يحمل جنسيتها، والتي يتم الحصول عليها في أغلب الدول بالميلاد أو الزواج أو التجنيس بعد مضي مدة على إقامة الشخص في دولة ما وتحقيقه الشروط المطلوبة في قانونها (كاللغة والعمل والالتزام بالقوانين..).

وتنص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن (لكل شخص الحق في الجنسية، ولا يجوز تجريد أي شخص من جنسيته تعسفياً أو حرمانه من الحق في تغيير جنسيته).

أما المواطنة فهي مفهوم حقوقي قانوني، فهي تعني علاقة قانونية خاصة بين الدولة والشخص، بموجبها يمنح الشخص حقوقا وواجبات ومسؤوليات..

والمواطنة حسب بعض الموسوعات تتضمن ثلاثة عناصر أساسية:

العنصر المدني: يتضمن الحرية الفردية، وحرية التعبير والاعتقاد والإيمان، وحق التملك، والحق في العدالة..

العنصر السياسي: يعني الحق في المشاركة في الحياة السياسية والعامة ترشحا وانتخابا..

العنصر الاجتماعي: وهو تمتع المواطن بخدمات الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية (كحق التعليم، والرعاية الصحية والمشاركة في المجتمع المدني والحياة العامة..).

وبناء على ما سبق نستطيع فهم ظاهرة الاحتفاء اللافت للسوريين لحصولهم على جنسيات البلدان الأوروبية التي يعيشون فيها وواجهوا الموت للوصول إليها! والبعض ينتقد هذه المبالغة في هذا الاحتفاء!!

فالنظام السوري وأغلب الأنظمة العربية لديهم قوانين جنسية تشبه الموجودة في دول أوروبا، تحدد انتماء الشخص وشروط اكتساب الجنسية والعلاقة القانونية الناظمة لحقوق وواجبات الفرد الحامل لها.

السوري الذي يحمل الجنسية السورية لا يتمتع بالحقوق التي يتضمنها مفهوم المواطنة، حسب الواقع المعاش هو فرد من الرعية التابعة للحاكم

لكن هل الفرد في سوريا يتمتع بحقوق المواطنة التي تتأسس على كونه يتمتع بالجنسية السورية؟

من الناحية القانونية والنظرية يتمتع كل سوري بحقوق وواجبات المواطن كما ورد أعلاه والحكومة أو النظام يسهر على حماية هذه الحقوق!!

لكن الواقع يناقض تماماً ما ورد في القوانين، فالسوري الذي يحمل الجنسية السورية لا يتمتع بالحقوق التي يتضمنها مفهوم المواطنة، حسب الواقع المعاش هو فرد من الرعية التابعة للحاكم، والانتماء لسوريا يتحدد حسب السلطة بقدر التزام هذا الشخص بالمنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضها الحاكم أو فرضتها السلطة خلال أكثر من خمسين عاما على استحواذها على الدولة وثرواتها، وعلاقة المواطن الحامل للجنسية السورية مع السلطة تنظمها عملياً قوانين الطوارئ والأحكام العرفية ومجمل القوانين الاستثنائية، والأداة لتطبيق هذه المنظومة هي أجهزة الأمن والجيش التابعة للحاكم الديكتاتور.  

القانون السوري ينص على حقوق المواطن، كحرية التعبير والعقيدة والتظاهر والاحتجاج والانتماء للأحزاب والجمعيات..

لكن أي سوري يعرف أن ممارسة أي حق من حقوقه الأساسية تعني تعرضه للعقاب من قبل الأجهزة الأخطبوطية المنتشرة في كل حي وشارع، ومن ناحية أخرى قانون الجنسية السوري لا يسقط الجنسية عن أي سوري مهما كانت الأسباب، لذلك راعت بعض البلدان الأوروبية ذلك وأسقطت شرط التنازل عن الجنسية الأصلية بالنسبة للسوري للحصول على جنسيتها كألمانيا مثلاً.

يحذر موظف الجنسية في ألمانيا السوري حين يسلم شهادة التجنيس من السفر إلى سوريا ويقول له: (هناك لا يمكن لنا أن نحميك)

ولهذا يخشى كثيرون زيارة سوريا بعد حصولهم على الجنسية الألمانية أو غيرها من بلدان الغرب، فالنظام السوري لا يعتد بأي جنسية جديدة وليس لها أي اعتبار لدى أجهزته الأمنية وشبيحته، حيث يتمسك هذا النظام بسورية الشخص، لا لشيء، بل فقط لينزل عليه عقوباته ويؤدبه لأنه تجرأ وخرج عن سيطرته ومن القطيع كما أرادته السلطة، وحلم أنه أصبح مواطنا أوروبيا، فالكل سواسية تحت سياط أجهزة الأمن.. ومحاكم الإرهاب التي استبدل بها النظام محكمة أمن الدولة العليا سيئة الصيت، ولهذا يحذر موظف الجنسية في ألمانيا السوري حين يسلم شهادة التجنيس من السفر إلى سوريا ويقول له: (هناك لا يمكن لنا أن نحميك).

من هنا نرى فرحة السوري عند حصوله على الجنسية الألمانية أو أية جنسية أخرى ونشر صوره وصور عائلته وهم يحملون شهادة الجنسية الجديدة التي تعني حق المواطنة كاملاً، وحتى قبل حصوله على الجنسية يتمتع السوري اللاجئ أو المهاجر بكل حقوق المواطن الأوروبي ما عدا الانتخاب والترشح..

فالحق الوحيد الذي تمتع به كل مواطن سوري طوال فترة وجوده في البلد هو الحق في تلقي العقاب والحق في الخنوع والذل!