icon
التغطية الحية

التيليغراف: كيف تحول بشار الأسد إلى جزار سوريا بتمكين من الغرب؟

2023.06.21 | 20:09 دمشق

آخر تحديث: 21.06.2023 | 20:09 دمشق

بشار الأسد وهو يخطب بمجلس الشعب في عام 2016
بشار الأسد وهو يخطب بمجلس الشعب في عام 2016
The Telegraph- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

في مطلع روايته الرائعة والمحبطة في آن معاً عن الطغيان والخبث اللذين مارسهما نظام بشار الأسد في سوريا، كتب الصحفي كون كوغلين، وهو محرر قسم الدفاع والأمن في صحيفة تيليغراف: "خلال أربعة عقود أو يزيد قمت خلالها بتغطية أخبار الحروب في مختلف أصقاع الكوكب، لم أقابل بحياتي نزاعاً أشد وحشية من الحرب السورية".

لقد أثبت كتاب كوغلين الرائع، بأنه حكم دقيق على الأوضاع، لأن ما قد يبدو مبالغة وغلواً من قبل كاتب آخر ما هو إلا لائحة اتهام لعينة تطول شخصاً لا بد لاسمه من أن يرتبط بصفوف تلك الشخصيات التي لصقت بها وصمة العار إلى ما لانهاية، من أمثال هتلر وستالين، وهنالك شخصية أخرى ظهرت في التاريخ الحديث وتحولت لموضوع طرحه الكاتب نفسه مؤخراً، ألا وهي شخصية صدام حسين.

غير أن المفارقة الكبرى بالنسبة للأسد، أو بشار، كما يطلق عليه في الكتاب، هي أنه عندما أصبح رئيساً لسوريا في عام 2000، رحّب الغرب به في البداية، معتقداً بأنه سيتحول إلى مكنسة جديدة ستنهي عقوداً من الوحشية عاشتها البلد في ظل أبيه حافظ الأسد. ولكن بعد كل ذلك، لم يكن بشار مجرد طبيب عيون درس في لندن، بل تزوج أيضاً من البريطانية أسماء الأخرس التي حظيت بإشادات كثيرة لكونها شخصية تقدمية ومؤثرة على استقرار البلد، بل إن مجلة فوغ نشرت في عام 2011 ملفاً شخصياً عن أسماء الأسد أثنت فيه عليها كثيراً، كما أطرت على زوجها، ووصفتها بوردة الصحراء (وقد سُحبت تلك النسخ بكل هدوء).

لو ظهرت أية أصداء مرعبة للتوريث في الصفحات الأولى من كتاب: "الأسد: انتصار الطغيان"، وذلك بالنسبة لبشار الطموح والغر ابن حافظ الأسد، الذي تحول إلى أسد ذاوٍ في آخر أيامه، لسرعان ما تلاشت لمسة الهزل النسبية من هذا الكتاب. فقد تمت تهيئة باسل، الشقيق الأكبر لبشار، وصاحب الشخصية الأكثر جاذبية مقارنة بشخصيته، ليكون الرئيس المقبل لسوريا، لكنه توفي في حادث سيارة عام 1994، وعندها صار لزاماً على بشار أن يشغل مكانه. ثم توفي حافظ الأسد في عام 2000، وهنا لا يسع الغرب أن يقول بأنه لم يتلق تحذيرات حيال ميول بشار، خاصة عندما قال متمثلاً شخصية بسمارك: "الناس ينظرون إلى يدي.. ويظنون أنهما ناعمتان، وكأنني أرتدي قفازين من مخمل، ولكن الناس مخطئون حقيقة، لأنني لو خلعت هذين القفازين لرأوا قبضة من حديد".

وسرعان ما ظهرت تلك القبضة الحديدية، وذلك عندما شرع هذا الشاب الذي كان في السابق خجولاً ومرتبكاً ويعشق الاستماع إلى فيل كولينز وويتني هيوستن، بارتكاب أعمال عنف على نطاق واسع بحق شعبه، وقبلها سعى لإطفاء جذوة ربيع دمشق، ثم إخماد مظاهرات الربيع العربي، وهذا بدوره قاده نحو حرب لا يمكن لأحد وصف مدى شناعتها، فقد قتل فيها نصف مليون من أبناء الشعب السوري حتى عام 2016، مع بلوغ الاضطرابات ذروتها، وهذا ما جعل النزاع أشد  دموية خلال هذا القرن.

أُجريت أبحاث دقيقة ومنصفة حول كتاب كوغلين، وذلك فيما يتصل بالرواية التي سردها، بما أن فيه شيئا يستحوذ عليك ببشاعته وقبحه كما يفعل أي مقطع ترويجي لفيلم سيعرض حديثاً. ومع ذلك نجد الكتاب مفعماً بالألوان أيضاً، وذلك من خلال الإحساس الغامر بالمأساة. ولكن إن لم يكن بشار شخصية ساخرة ومتلاعبة إلى حدود أبعد من تلك التي يمكن لخيالنا أن يصل إليها، لكان بدأ حكمه بإصلاحات حقيقية، لكنه سرعان ما سئم من تلك الخطوات المحدودة التي قام بها باتجاه الديمقراطية، ولهذا اعتنق عوضاً عن ذلك مذهب أبيه الراحل في الاستبداد.

The Syrian civil war has claimed over half a million lives; pictured, Aleppo in 2016

حلب في عام 2016

بيد أن نظام الأسد لم يفسد هكذا من فراغ، وهنا برع كوغلين في وصف كيف ذهل الغرب بأحداث 11 سبتمبر وما أعقب ذلك من حرب على الإرهاب، فصار ينظر إلى سوريا إما كشريك بوسعه الاستفادة منه عبر مغازلته والتقرب منه بغية تحقيق مصالحه، أو مجرد دولة أخرى كغيرها من الدول في الشرق الأوسط، وهذا ما عبر عنه كوغلين بقوله: "كانت النظرة العامة لواشنطن ولندن بالنسبة لسوريا هي أنه من المفيد أن تكون هذه الدولة معهما، ولكن لن تترتب على ذلك نتائج مهمة في حال عدم إتمام التعاون السوري خلال مرحلة قريبة".

كان الأسد وقتها بحاجة إلى حليف كما هي حاله دوماً، ولهذا ليس بغريب عليه أن يقع في براثن فلاديمير بوتين الذي قدم له نفسه كشخصية طيبة، ومنح سوريا صداقته ومساعدته العسكرية، ولقد بادله الأسد ذلك الدعم بكل حماسة عند غزوه لأوكرانيا. ولكن في هذه الأثناء، وفي سوريا نفسها، مايزال هذا المستبد المصاب بجنون الارتياب على رأس عمله في السلطة، ومايزال الصراع في سوريا محتدماً، بعد مرور 12 عاماً على بدايته.  

المصدر: The Telegraph