الاحتلال والطغيان.. بشار الأسد نموذجاً

2023.10.30 | 04:51 دمشق

آخر تحديث: 30.10.2023 | 10:08 دمشق

بهذا تختلف إسرائيل عن نظام الأسد
+A
حجم الخط
-A

الأشباه والنظائر واحدة من أفضل طرق المعرفة والبرهان. لنتذكر صورة العجوز الفلسطيني، التي صارت لقطة عالمية كأنها من يوم القيامة في مخيم اليرموك المحاصر، وكان قد خرج من تحت الأنقاض، وهو يلهث، ويشكو من غياب الدواء والخبز والحرية ويقول: ودّونا على إسرائيل. كان يقصد أن إسرائيل أكرم من النظام السوري وأشرف، وألين وألطف.

 وقد تبين لنا ولغيرنا أنهما توأمان.

صورة إسرائيل كانت ماثلة على الدوام أمام العيون، ميزانا للمقارنة مع الأنظمة العربية الجمهورية، خاصة الشهيرة بدول الطوق، طوق الحمامة، كانت مسطرة نقيس بها ونزن الأحوال السياسية، فهي دولة ديمقراطية لشعبها من الدرجة الأولى، وفيها سجون ومعتقلات تكتظ بآلاف المعتقلين الإداريين، والإداري من الدائرة الدوارة بلا حساب، وبحركة ابتدائية -الحركة الابتدائية مصطلح من عالم الفيزياء-يحظى المعتقل فيها بالخبز والسرير. فهي دولة احتلال، دولة صفرية بمقولة شهيرة لرياض الترك وضع بها الحدّ بين الطغيان والاحتلال، الذي كنا نطمح للوصول إليه، فدولة الاحتلال عند كثير من العرب أفضل من الأنظمة التي توصف بالوطنية القابعة تحت خط الصفر الاستعماري.

عانى الشعب السوري مما يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة، بل إن المراقب لو قارن الصور ما وجد فرقًا، في الأسماء والأزياء والمصائر، أما أن ضحايا سوريا أكثر، فلأنها أكبر مساحة وأكثر سكانًا، وأقل خبرة في المقاومة والصدّ.

لم يحفل العالم بملايين الصور التي نقلناها لهم، ولا بصور القيصر الذي يبدو أنه طعن غدرا كما طُعن القيصر الروماني حتى من صديقه بروست

كنا نقارن جمهورية الأسد الاشتراكية غير المتحدة مع دولة إسرائيل في العقد الذي مضى، ويماري بعضنا بعضًا في التعليقات في أن الشعب الفلسطيني أفضل حالًا، فالشعب في غزة ما يزال يحظى بالصورة التلفزيونية التي تنقلها الجزيرة، وقد حُرمنا منها، إلا في يوم الثامن والعشرين من أكتوبر، ولم يحفل العالم بملايين الصور التي نقلناها لهم، ولا بصور القيصر الذي يبدو أنه طعن غدرا كما طُعن القيصر الروماني حتى من صديقه بروست، وقد نقلت وكالات الأنباء طلبًا أميركيًا من قطر بالإيعاز إلى الجزيرة أن تتلطف في نقل الأخبار والصور، وهي القناة الوحيدة التي تنقل الأخبار من غزة، سوى هواتف أهلها، بينما تتكاثر وكالات الأنباء العالمية في الطرف الآخر، وتقوم بما كان يقوم به إعلاميو النظام السوري من تلفيقات. 

وكانت إسرائيل ماكرة، وماهرة في الأقنعة أيضًا، وصياغة الأكاذيب والافتراءات، فمشفى الأهلي المعمداني قصف بصاروخ من صواريخ الجهاد، وحماس تتخذ من أهل غزة دروع بشرية، هذه أكاذيب تذكّر بأقوال شريف شحادة وبثينة شعبان وأضرابهما.

لكن لماذا اهتم العالم بما يحدث في غزة، وأغفل سوريا؟ الحق إنه كان مهتمًا بسوريا، ومستيقنًا من هزيمة الشعب السوري وانتصار النظام، مدعومًا بالروس والإيرانيين، وإن فزعة الغرب لإسرائيل كان سببها نذير بانتصار المقاومة في طوفان الأقصى الذي أسقط هيبة إسرائيل.

لبّ المسألة أن طوفان الأقصى اضطر إسرائيل إلى كشف كل أقنعتها، فاستوت مع إخوتها من الأنظمة العربية، فرأينا تدميرًا أشمل من التدمير السابق في غزة وفي الضاحية، وقصفًا للبيوت على رؤوس ساكنيها أطفالًا ونساءً وشيوخًا، وتحطيمًا لمساجدها ومشافيها. 

السبب في احتفال العالم بإسرائيل وتداعيه إليها سهرًا وحمى، هو الفرق بين المركز والطرف، ففلسطين هي واسطة العقد، فلسطين هي العاصمة، وفيها المسجد الأقصى، وهي أرض اللبن والعسل، وهي أرض الميعاد كما ورد في الأدبيات الإسرائيلية. وقيل في تبرير الأسباب أن ما يجري في سوريا حرب أهلية، بينما هي في فلسطين بين شعبين يتكلمان لغتين مختلفتين، ودينين متمايزين، وقد نجد تشابهات وفروقًا أخرى، لكن السبب الرئيس هو أن إسرائيل هي هدية الغرب للعالم العربي، صورته التنويرية والديمقراطية والحداثية، التي بعثها الغرب لتعليمنا النظام والديمقراطية!

لم نرَ باصات تهجير خضراء أو حمراء في غزة حتى الآن، لأن الشعب الفلسطيني سبقنا في حركة التحرر بسبعة عقود، ومكث في أرضه، بينما آثر السوريون، أو من بقي منهم على قيد الحياة الهرب لشدة الهول الذي لم ير مثله قط

هدد طوفان الأقصى إسرائيل في يوم السابع من أكتوبر بزوالها، حتى كشفت عن وجهها الحقيقي الذي ماطلت طويلًا في إظهاره، فهي تقتل الصحفيين، وكانت تقتلهم، بل وتقتل أهلهم أيضًا، وتدمر المنازل على رؤوس ساكنيها، وكانت تفعل ذلك في "الدوري الإسرائيلي الفلسطيني" الذي بلغ خمس دورات حربية في الألفية الجديدة، وتستخدم الفوسفور المحرم دوليًا، كما استخدم النظام الأسدي السارين. في إسرائيل حواجز ثابتة وأخرى طيارة، ولديها أيضًا شيوخ سلطان مثل أفيخاي أدرعي، شيء وحيد لم نره في التلفزيونات الإسرائيلية هو تهمة سفاح المحارم، لأن هذه الفرية ليس لها أثر في الوجدان الغربي والإسرائيلي وكذلك الموت تحت التعذيب في سوريا، والقتل في المعتقلات "بالسكتة القلبية"، فإسرائيل ما تزال تحافظ على غلالة أوروبية،  ولكل إسرائيلي هويتان أصلية أوروبية و إسرائيلية جديدة، أما السوري الموالي فليس له سوى هوية واحدة هي الأسد، والإسرائيلي لا يهمه الحاكم نتيناهو أو أولمرت، ما يهمه  هو إسرائيل، أما موالو الأسد فقد ألهوا الأسد وليس له قرين أو مثيل في سوريا كلها، بل في العالم طرا.

لم نرَ باصات تهجير خضراء أو حمراء في غزة حتى الآن، لأن الشعب الفلسطيني سبقنا في حركة التحرر بسبعة عقود، ومكث في أرضه، بينما آثر السوريون، أو من بقي منهم على قيد الحياة الهرب لشدة الهول الذي لم ير مثله قط.

 إن الأسد نفسه مثال ضربته إسرائيل وما تزال على ألسنة الصحفيين والإعلاميين، للمباهاة بجرائمها البيضاء، فلن تبلغ من السوء ما بلغه بشار الأسد وأبيه. وقد تضطر كما قال توماس فريدمان إلى العمل بقواعد حماة، وهي تفعل الآن.