الاحتكاكات والتوترات المتزايدة بين واشنطن وموسكو في سوريا إلى أين..؟

2023.07.11 | 18:41 دمشق

الاحتكاكات والتوترات المتزايدة بين واشنطن وموسكو في سوريا إلى أين..؟
+A
حجم الخط
-A

لا شك أن منطقة الشرق الأوسط الذي نعيش فيه وبحكم العديد من المزايا والميزات التي يتمتع بها وخاصة من حيث الموقع الجغرافي، وامتلاك هذه المنطقة لأكبر مخزونات الطاقة العالمية باتت تعتبر ومنذ القدم من أهم المناطق الجيوستراتيجية وأغناها في العالم، فالشرق الأوسط معروف بموقعه المهم وغناه ويمثل قلب العالم ومركزه، وهذا كله مجتمعا أعطاه كل هذه الأهمية الجغرافية والاقتصادية العالمية التي يتمتع بها دونا عن غيره، وعليه فقد باتت هذه المنطقة الشديدة الأهمية في الآونة الأخيرة محورا أساسيا من محاور الاهتمامات والتنافس العالمي ومحطا لسياسات الأطماع الدولية، بل و أصبح الشرق الأوسط مركز صراع مغري ومحتدم يستقطب كثيرا من القوى العالمية الكبرى، وأبرز مثال حي على ذلك هو هذا التنافس الذي يدور الآن بين الولايات المتحدة الأميركية التي قامت بالتدخل في سوريا باسم التحالف الدولي بذريعة محاربة الإرهاب في 2014 وروسيا التي تدخلت في سوريا إلى جانب نظام الأسد المجرم في نهاية أيلول من عام 2015 وذلك كله بعد قيام الثورة السورية 2011.

في الثورة السورية فالواقع الميداني والسياسي يقول إن كُلٍ من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية وبما يحملانه في جعبتيهما من دوافع جيوسياسية واقتصادية وعسكرية، فإن كل منهما ومنذ تدخله في القضية السورية يلعب علنا أو في الخفاء أدواراً مختلفة كثيرا عن الآخر، وذلك يعود غالبا على ما تمليه عليهما مخططاتهما ومصالحهما الجيوستراتيجية، وعليه فالواقع السياسي الدولي وبكل المقاييس يقول إن هناك تنافسا مستمرا ومحتدما ما بين واشنطن وموسكو على الجغرافيا السورية وبلا أدنى شك يعتبر هذا التنافس الدائر إن صح القول امتداداً طبيعيا لتنافسهما الأشمل والأوسع في الشرق الأوسط وحول العالم كما هو حاصل في أوكرانيا.

حقيقة الأمر وبالنظر لتضارب المصالح والأهداف والاستراتيجيات التي يسعى كل طرف (موسكو، واشنطن) إلى تحقيقها في سوريا، والتي وكما هو واضح في كثير من نقاطها أنها تتعارض مع مصالح وأهداف الطرف المنافس الآخر، فإن كلا القوتين الكبريين كما يطفوا على السطح بين الحين والآخر تعتبران ومنذ عام 2015 في حالة توتر وعدم توافق على كثير من مجريات الأحداث التي تحدث على الصعيد السياسي والميداني العسكري، يأتي ذلك على الرغم من كل البروتوكولات وقنوات الاتصال الأميركية الروسية المفتوحة التي أُنْشِئَتْ حينذاك لتجنب أي خطأ أو تداخل وسوء تقدير في العمليات العسكرية التي يقومون بها على الجغرافيا وفي الأجواء السورية، وعليه فالشمال الشرقي من سوريا، أو ما بات يُعرف بـشرقي الفرات وحتى قرب قاعدة التنف في البادية الشامية على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني يشهد وبشكل دوري مناكفات واستفزازات روسية أميركية عديدة تشي كلها مجتمعة باحتمالية تصعيد المواقف وزيادة التوترات بين واشنطن وموسكو في المنطقة الأكثر أهمية في الجغرافية السورية، والتي يخضع جلها لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تعتبرها واشنطن الذراع العسكرية لتحالفها الدولي في مواجهة الإرهاب وتنظيم "داعش".

على الصعيد الميداني فالاتهامات بالاستفزازات هي دائمة ومتبادلة بين الطرفين، فها هو مركز المصالحة الروسي في قاعدة حميميم يصرح بأن دوريات عديدة من قواته تتعرض لاستفزازات من القوات الأميركية وخاصة على أطراف الحسكة ومدينة الرقة، وأن "مثل هذه الأعمال العدائية لها تأثيرات مدمرة في تطور الوضع وربما انفلاته وخروجه عن السيطرة، مشيرا إلى أن "دوريات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي تقوده واشنطن تتحرك عبر مسارات غير متفق عليها ضمن آلية تفادي الصدامات المتفق عليه بين الطرفين". أما الجانب الأميركي فبدوره وعلى لسان قائد القوات الجوية الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال "أليكسوس غرينكيووتش" صرح  أن الموقف العدواني لروسيا في سوريا إنما يأتي نتيجة للفشل الذريع للقادة العسكريين الروس في أوكرانيا، كما أن الطيارين الروس وبشكل دوري منذ عام 2019 يحلقون بشكل غير مهني وأنهم يناورون بطائراتهم بشكل عدواني ومستفز قرب الطائرات الأميركية وفوق مناطق سيطرتها، وهذا بحد ذاته يمثل تصعيدا كبيرا في سياق الأحداث الدولية المراهنة، ومن شأن هذه الاستفزازات أن تزيد من مخاطر التصعيد وسوء التقدير، وما معناه وقوع الحوادث الكارثية وبالتالي احتمالية وإمكانية حدوث التصادم المباشر بين الطرفين.

القيادة الوسطى الأميركية وفي خطوة لافتة وردا على الاستفزازات والانتهاكات والمضايقات الروسية المتكررة في الآونة الأخيرة بادرت منذ أيام على نشر مقاتلاتها الأحدث من الجيل الخامس من نوع" إف 22 رابتور" في الشرق الأوسط حيث أكدت القيادة المركزية الأميركية أن نشر هذه الطائرات يظهر للجميع قدرة واشنطن على المناورة، وإعادة تموضع قواتها ونشرها في وقت قصير، وتنفيذ ضربات ساحقة لأعدائها، كما أنها ستوفر قدرة أكبر في مواجهة السلوك الروسي غير المهني في الجو. يأتي هذا الأمر بعد تزويد وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" في وقت سابق قواتها العاملة والمتمركزة قرب حقول النفط شرقيّ الفرات في كل من قاعدة حقل عمر للنفط وكونيكو للغاز والتنف بمنظومة صواريخ من طراز "هيمارز"، وبالتالي فإن واشنطن ربما أرادت من نشر طائرات إف 22 وإرسال منظومات (هيمارز) المتحركة التي غالبا ما تستخدم لتنفيذ ضربات دقيقة على الأهداف البعيدة إرسال رسالة ردع نارية ومباشرة موجهة للقوات الروسية والميليشيات الإيرانية.

ختاما.. حقيقة ومن خلال متابعة الأحداث منذ عام 2015 وهو العام الذي تدخلت فيه موسكو لدعم نظام الأسد، فإن القوات الأميركية والروسية المنتشرة على الأراضي السورية في حالة تنافس واحتكاك وعدم استقرار ميداني، حيث إن حدة الاستفزازات والتوترات تتزايد، وخاصة من قبل الروس ويأتي هذا بعد اندلاع عملية "بوتين الخاصة" ووقوف واشنطن والغرب بكل قوتهم فيها إلى جانب كييف ودعمها بكل متطلبات القتال المتطورة للدفاع عن نفسها. وعليه وتحليلا فالواقع الميداني يقول وبلا أدنى شك إن الولايات المتحدة الأميركية يتوافر لديها القدرات الكبيرة والمتنوعة على وقف وشل العمليات العدوانية والاستفزازات التي تقوم بها القوات الروسية برا وجوا، كما أن المعطيات أيضا تقول إنه ليس لدى الروس وأقلها في الوقت الحاضر القدرات العسكرية للصدام المباشر مع الأميركيين والدخول معهم في صراع مفتوح وذلك وكما بات معروفا بسبب غرقهم المفاجئ وغير المتوقع في المستنقع الأوكراني. وبالتالي فالتصور الأقرب أن الطرفين سيبحثان عن تهدئة وخفض مستويات الاستفزاز وإيجاد مسار بروتوكولي لخفض هذا التصعيد ومنع حدوث حرب كارثية قد تخرج عن السيطرة "حرب لا تبقي ولا تذر".