"الإسلاموفوبيا" وصناديق الاقتراع الأوروبية

"الإسلاموفوبيا" وصناديق الاقتراع الأوروبية

"الإسلاموفوبيا" وصناديق الاقتراع الأوروبية
22 تشرين الثاني 2020

منذ أن تحدث الرئيس الفرنسي "ماكرون" عن (أزمة في الإسلام)، بدأت الردود على هذا الحديث تتفاعل وتتصارع، وكان من الطبيعي أن تكون هذه الردود متباينة، فالبعض اعتبرها إهانة للإسلام، وتعدياً صريحاً عليه، وطالب بمقاطعة البضائع الفرنسية، لا بل إن الحماس تصاعد عند البعض ليصل إلى ضرورة تلقين فرنسا درساً، بينما ذهب آخرون لتأييد ما قاله "ماكرون"، ورأى فيه حقيقة يجب على المسلمين الاعتراف بها، إن كانوا يريدون تبديد الصورة التي راحت تتعمم حول ربط التطرف بالإسلام، واتجه طرف ثالث للقول إن السبب الحقيقي لا علاقة له بالإسلام، وإن ما قاله "ماكرون" ما هو إلا انعكاس لأزمة ماكرون في رئاسته وعلاقته بالشعب الفرنسي، واحتمالات الانتخابات القادمة في فرنسا.

بالتأكيد لم يقل ماكرون عبارته ارتجالاً، ولم يقلها بمناسبة حدث آني استوجب ذلك، بل قالها لأنه أرادها، وأراد التوطئة بها لسياسة جديدة بدأت تفاصيلها تتضح شيئاً فشيئا، سياسة يبدو أن دول أخرى ستنضم لها، وستدشن مرحلة جديدة في تعاطي أوروبا مع الإسلام السياسي خصوصاً، ومع سياسة اللجوء عموماً.

كانت الإشارة التي أطلقتها فرنسا عبر رئيسها، نتاج مسار طويل من العلاقات المتباينة بين أطراف متعددة، أطراف التقت مصالحها في فترة ما، ثم افترقت، ولأن السياسة في جوهرها هي تعبير عن المصالح، فإنه من الطبيعي أن تتفارق التحالفات أو المواقف بتفارق المصالح، ولأن أوروبا تشهد اليوم موجة صعود لليمين ولليمين المتطرف، المرتكز في جوهر خطابه على معاداة الإسلام، ورفض سياسة اللجوء المعمول بها، فإن معظم التيارات والأحزاب الحاكمة في أوروبا تتجه اليوم مضطرة إلى خطاب آخر، فيما يتعلق بمشكلة اللاجئين، والذين يُشكّل المسلمون النسبة الأكبر منهم، هذه الخطاب المختلف، يُهدد بتحول حقيقي لنهج ساد القارة العجوز بعد الحرب العالمية الثانية.

ليست المشكلة في فرنسا فقط، وإن كانت حتى اللحظة تتصدر الحدث باعتبارها الأكثر عرضة للهجمات الإرهابية، قياساً بدول أوروبا الأخرى، فقد بات التطرف اليميني شبحاً يُهدد دولاً أخرى، مثل السويد والدنمارك وهولندا وألمانيا والنمسا، وأصبحت لازمة ربط التطرف بالإسلام متفشية في خطاب سياسي يسود الشارع السياسي الأوروبي، وتتناقل وسائل الإعلام المختلفة مشهد النقاشات الصاخبة في معظم البرلمانات الأوروبية، والآراء التي تدعو إلى سياسة جديدة، وقوانين جديدة حيال الإسلام وحيال اللاجئين.

لكن السؤال المهم الذي لا تريد الحكومات الأوروبية التعاطي معه، ولا الحديث عنه، ولا تفسيره، هو لماذا كانت أوروبا ولعقود طويلة هي البيئة الحاضنة والملاذ الآمن للسلفية الجهادية وجماعة الإخوان المسلمين؟

لماذا تجاهلت أوروبا ولفترة طويلة ما كان تحت ناظرها وتغاضت عنه؟ وهو المؤسسات والمراكز الإسلامية

باحثون أوروبيون كثر، ومراكز أمنية واستخباراتية، نشروا ومنذ سنوات تقارير كثيرة تتحدث عن نشاط لافت لجماعات إسلامية أصولية متشددة، ونبه كثيرون إلى خطر ذلك

ومراكز لجماعات إسلامية، وسمحت لهذه الجماعات تأسيس شبكة علاقات من جنسيات مختلفة وبلدان مختلفة، لها خطط وأهداف مشتركة، وامتد نشاطها إلى معظم دول أوروبا.

لا يمكن للقول بأن ما كان يتم إنّما كان يتم سراً أن يقنع أحداً، ولا يمكن القبول والتبرير بالقول إن البذخ والمال المتدفق على جماعات كهذه مصدره متبرعون عاديون، فلماذا إذا يتم تسعير هذه المعركة الآن، ولماذا تشهد البرلمانات الأوروبية كل هذا الصخب، ولماذا تتم المبالغة في تهويل الخطر القادم، وزيادة عدد المسلمين أضعاف ما هم عليه فعلا، ولماذا.. ولماذا؟

باحثون أوروبيون كثر، ومراكز أمنية واستخباراتية، نشروا ومنذ سنوات تقارير كثيرة تتحدث عن نشاط لافت لجماعات إسلامية أصولية متشددة، ونبه كثيرون إلى خطر ذلك، ومع هذا فإن معظم الحكومات الأوروبية ذهبت إلى تجاهل هذه التقارير، ففي هولندا ومنذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، تم الحديث عن وجود تحركات لتنظيم الإخوان المسلمين، وكان لتغاضي الحكومة وتقاعس السلطات في أمستردام دوراً مهما في اتساع نشاط الجماعة، وكان التبرير لهذا التقاعس ولايزال، هو اعتبار الحكومة والسياسيين إن الذهاب إلى قمع هذه النشاطات إنّما يُشكل خطراً على الديمقراطية، ولا يسمح به دستور البلاد ولا قوانينها.

ليس الأمر حكراً على هولندا، ففي السويد أيضاً تحدثت تقارير كثيرة عن براعة هذه الجماعات في استغلال ثغرات داخل نظام المساعدات الاجتماعية، للحصول على مبالغ كبيرة جداً، وفي عام 2018 صدر كتاب "الكذب الأبيض المقدس - قراءات في نصوص الإخوان المسلمين وتطبيقاتها في الغرب (السويد نموذجا)"، عن المركز الثقافي السويدي بالاشتراك مع دار المعارف بالقاهرة، 2018.

مؤلف الكتاب هو باحث سويدي من أصل مصري، يعمل في جامعة لوند السويدية واسمه "سامح ايجبتسون" Sameh Egyptson كان قد درس التاريخ بجامعة عين شمس بالقاهرة في الثمانينيات من القرن الماضي، ودرس الأديان والإسلاميات بجامعة لوند في التسعينيات، وهو الآن باحث بمادة العلاقات الدينية بالجامعة نفسها. 

يُلقي الكتاب الضوء على العديد من الوثائق التي لم تُنشر من قبل، والتي تكشف أن الرابطة الإسلامية في السويد تتغلغل داخل الأحزاب السياسية، ومؤسسات الدولة، والكنيسة السويدية، لبناء أساس اقتصادي وسياسي لخدمة تنظيم الإخوان في السويد وفي أوروبا، كما يكشف الكتاب عن العلاقات القوية التي تربط التنظيم في السويد مع التنظيم العالمي.

إذا كان بإمكان أي باحث العثور على عشرات الأبحاث، والتقارير المتعلقة بالأمر في الدول الأوربية، فمن البديهي أن تكون الاستخبارات في هذه الدول على إطلاع أكثر اتساعاً ودقة، ومن البديهي إذاً القول إن تغاضياً لا تبرره حجج الدفاع عن الديمقراطية قد تم.

هل يمكننا القول إن الحديث عن أزمة في الإسلام - وإن كان له ما يبرره بنظر البعض-، ليس هو ما أراده "ماكرون"، وليس هو ما يرفع رايته سياسيون أوروبيون كثر، وأن ما أراده "ماكرون" وغيره من الساسة الأوروبيين هو التغطية عن علاقاتهم واستثمارهم في الإسلام السياسي؟ ودور هذا الإسلام السياسي في السياسات الأوروبية الخارجية، وتحديداً في البلدان الإسلامية في مرحلة ما، وأن هذه العلاقة استنفذت غرضها وآن أوان طي صفحتها؟

إن عدم الفصل بين الإسلام كدين وبين الإسلام السياسي، والتطرف المصنّع، واللاجئين، ووضعهم جميعاً في مفردات عمومية لن تفيد في حل المشكلة، وستزج بأعداد كبيرة من اللاجئين والمسلمين في مواجهة لا تمثلهم، ولا يريدونها، وإن الذهاب إلى فضح العلاقات المشبوهة بين أجهزة الاستخبارات والساسة مع الإسلام السياسي، هو بداية الطريق لعلاقة تتيح للجميع، لاجئين وغير لاجئين، للوصول إلى مجتمع يُناهض الإرهاب، ويعتبر المواطنة والقانون، هما البوابة الوحيدة للعلاقة بين الأفراد في أي مجتمع.

مقالات مقترحة
معلومات مفيدة حول كورونا للمهاجرين واللاجئين في ألمانيا
وفاة أربعة أشخاص بفيروس كورونا في الرحيبة بريف دمشق
6825 شخصاً إجمالي عدد المصابين بكورونا شمال شرقي سوريا