icon
التغطية الحية

الأحزاب السريانيّة الآشوريّة والكنيسة..صراعُ الدين والقوميّة

2018.09.18 | 23:09 دمشق

مدنيون يحملون علم الثورة السورية وراية السريان الآشوريين(إنترنت)
تلفزيون سوريا-همبرفان كوسه
+A
حجم الخط
-A

"الكنيسة هي رهينة بيد النظام حالياً و لا تستطيع أنْ تتخذ قراراً حراً؛ ليس للكنيسة أيّ دور أو تأثير على قراراتنا السياسيّة". يقول رئيس المجلس السريانيّ الوطنيّ، وعضو الهيئة السياسيّة لمجلس سوريّا الديمقراطيّ، بسام سعيد إسحاق.

ظلّت الكنائس المسيحيّة في محافظة الحسكة في تواصلٍ وتنسيق مُستمر مع حكومة النظام؛ يُبرِرُ رجالُ الدين في الكنيسة ذلك، على أنّها مؤسَّسة وطنيّة، وتلتزم بالقوانين والأنظمة التشريعيّة الصادِرة عنها؛ رغمَ أنّ الدستور السوريّ يُحدد ديانة رئيس الجمهوريّة، ويتمُ تطبيق قوانين الأحوال الشخصيّة وفقاً للشريعة الإسلاميّة؛ إلا أنّ الكنيسة لم تتدخل في العمل بالشأن العام؛ على العكس، كان ثمّة رجال دين مسيحيون يسعون إلى ترويج حكومة النظام، على أنّه "حامٍ للأقليات".

ويقول مسؤول المكتب السياسيّ في المُنظمة الآثوريّة الديمقراطيّة، كبرييل موشي كورية، إنّ إثارة صراع وتوتر بين الأحزاب والكنائس ليس في محلّه، فلكلّ منهما دوره ومجاله الذي يختلف عن الآخر؛ إذ أنّه: "لا يخفى على أحد أن كنائسنا تعمل في ظل أنظمة ديكتاتورية مستبدة، تقر بحقوق الطوائف، وتسمح بحرية ممارسة الشعائر الدينية، لكنّها لا تتسامح أبدا مع التوجّهات القومية للمكونات الصغرى خصوصا إذا اقترنت بتطلعات وطنية ديمقراطية. لهذا فإن الكنائس عملت تاريخيا على احتكار تمثيل السريان الآشوريين لدى الجهات الرسمية وفق منظورها الخاص".

 

صراع بين الكنيسة والأحزاب

سبَبت الخلافات السياسيّة بين الأحزاب القوميّة السريانيّة خلافاً حاداً بين الكنيسة الدينيّة والأحزاب، وبقيت العلاقة بين الطرفين تأخذ توتراً واستقراراً وفق المرحلة السياسيّة في سوريّا؛ إلا أنّ الطرفين، الكنيسة والأحزاب، أبقت على شكلٍ من الدبلوماسيّة في التعامل فيما بينهم، وصاروا يتوافقون في المسائِل المصيريّة، ويتباعدون حالما تدخل النظام واعتقل القادة السياسيين للأحزاب السريانيّة الآشوريّة.

يصفُ إسحاق العلاقة بين الأحزاب السريانيّة الآشوريّة بـ الصعبة؛ لأنّ: "النظام لا يريد أن تؤيد الكنيسة التطلعات السياسية القومية للأحزاب بحكم طبيعته الاستبداديّة و أيديولوجية القومية الواحدة له".

وتحكمُ الظروف السياسيّة في سوريّا على شكل العلاقة بين الأحزاب السريانيّة الآشوريّة والكنيسة الدينيّة؛ حيثُ يبيّن كوريه بأنّ: "العلاقة تكون أحياناً مستقرة قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل، وفي أحيان أخرى تكون فاترة أو متوترة تبعا للظرف السياسي السائد".

ويعزو عضو الهيئة السياسيّة لمجلس سوريّا الديمقراطيّ، التباعد بين حزب الاتحاد السريانيّ والمجلس السريانيّ السوريّ من جهة، والكنيسة من جهة، إلى طبيعة كُلّ مؤسَّسة؛ فالحزب: "يناضل للتغير لتحقيق رؤية تختلف مع الواقع و مؤسَّسة الكنيسة التأقلم مع الواقع لتحميّ نفسها".

ويُفيد كورية بأنّ الكنيسة "تنظر إلى عمل الأحزاب القومية (خصوصا المعارضة منها) بشيء من التوجّس والريبة، باعتباره يجلب الخطر على رعاياها. وهذا لا ينفي وجود البعض من رجال الدين ينظرون إلى الأحزاب نظرة تقدير واحترام، وآخرون ينظرون لها كخصوم يستهدفون تجريد رجال الدين (وليس الكنيسة كمؤسسة) من نفوذهم ومكانتهم"

ويُضيف كورية "المنظمة الآثورية الديمقراطية، تأسست من أجل المطالبة بالاعتراف بالوجود والهوية القوميّة للسريان الآشوريين وضمان كافة حقوقهم، وإقرارها دستورياً؛ وهي مع اعتزازها بالهوية المسيحيّة التي تعتبر أحد عناصر هويتنا، غير أنها تعمل على ضمان الاعتراف بالوجود بدلالة هويتنا القومية".

إلا أنّ رجال الدين المسيحيين، والكنائس، كانت في حالةِ خوفٍ مُستمر في أن تتمكّن الأحزاب السريانيّة الآشوريّة من السيطرة على الذائقة الجمعيّة للمُجتمع السريانيّ الآشوريّ في الجزيرة، خاصةً وأنّ الأحزاب الكُرديّة في الجزيرة تمكّنت منذ بداية نشوئها من السيطرة على المُجتمع الكُرديّ ولم تعد للجوامع ورجال الدين المُسلمين كلمتهم العُليا على أفراد القوميّة الكُرديّة، فتخوّفت الكنيسة من مصيرٍ مُماثل.

ففي تحقيقٍ صحافي سابق أعدته لصالح صحيفة روك أونلاين الإلكترونيّة، أكّد راعي كنيسة الكلدان بمدينة قامشلو/القامشلي سمير كانون، إنّ "الكنيسة كانت في حالة توجّس من فقدانها للسلطة على الشعب، وتصبح الأحزاب السريانية الآشورية ذات تأثير كبير على الشعب، أكبر من تأثير الكنيسة، كما أعتقد أنها لم تنجح في ذلك، باعتبار عامة الشعب متدينين، وينتمون إلى الكنيسة، ويثقون بالكنيسة أكثر من ثقتهم بالأحزاب السياسية. هنا السبب غالباً يعود إلى أن الأحزاب لم تقدّم البديل الجيد للشعب، بذلك فشلت الأحزاب إلى حد كبير في جذب المسيحيين".

ويقول الناشط الحقوقي حسام القسّ، إنّ العلاقة بين الأحزاب القوميّة والكنيسة"مرت في الكثير من الأحيان بفترات مد وجزر وذلك نتيجة الطبيعة الكهنوتية التي تتميز بها هذه الكنائس عبر التاريخ ونتيجة ماتراه من منافسة لها من قبل الأحزاب في قيادة الشعب السرياني الآشوري، كما كان لأجهزة أمن النظام الأثر الكبير في توتير هذه العلاقة في الكثير من الأحيان".

 

هل حمى نظام حزب البعث الأقليات في سوريا؟

بقيّ عملُ المنظمة الآثوريّة الديمقراطيّة محظوراً في سوريّا، ومنع النظام المُنظمة من مُمارسة نشاطها السياسيّ بشكلٍ كامل، منذ تأسيسها في عام 1957، واعتقل النظام العشرات من أنصار وأعضاء المُنظمة الآثوريّة، كان أكبرُها في عام 1986؛ حيثُ اعتقل النظام حينها عدداً كبيراً من المنتمين للمُنظمة الآثوريّة في قامشلو/القامشلي ودمشق والحسكة، منهم قيادات المُنظمة، وفي الثورة السوريّة، اعتقلت قوات النظام عدداً من قيادات وأعضاء المُنظمة الآثوريّة، منهم مسؤول المكتب السياسيّ للمُنظمة الآثوريّة الديمقراطيّة، كبرييل موشي كورية.

ويُشير مسؤول المكتب السياسيّ للمُنظمة الآثورية إلى أنّ ذلك"صحيح، فإنّ المنظمة الآثورية الديمقراطية في الثمانينات وبعدها وحتى بعد قيام الثورة السورية تعرّضت لحملات اعتقال عديدة من قبل أجهزة النظام، بسبب مواقفها القومية والوطنية. وكنائس السريان الآشوريين وباعتبارها مؤسسات معترفاً بها رسميا من قبل النظام (على عكس الأحزاب التي لم ترخّص رسميا)، لم تصدر مواقف علنية (سواء سلباً أم إيجاباً) تجاه هذه الاعتقالات. غير".

ولا يُنفي كورية، وجود أقليّة بين رجال الدين من الّذين اتسمت مواقفهم باللامبالاة والسلبيّة أثناء فترات اعتقال أعضاء وقيادات المُنظمة الآثوريّة، لكن بالمُقابل يوضّح أنّ"العديد من رجال الدين ورؤساء الكنائس أظهروا تعاطفا ضمنيا مع المنظمة، وبعضهم سعى من أجل الإفراج عن رفاقنا عبر قنوات خاصة بهدف التخفيف من وطأة هذه الاعتقالات على أبناء شعبنا".

ويرى راعي كنيسة الكلدان بمدينة قامشلو/القامشلي، سمير كانون، أنه "كان طرح النظام على أنه حامي الأقليات الدينية والعرقية، فهذا صحيح، فعلاً النظام السوري كان حامياً للأقليات، باعتبار أنه نفسه من الأقليات، ولكن أسلوب تطبيق الحماية كان خاطئاً، النظام السوري فشل في المدى القريب والبعيد في حماية الأقليات، والدليل على ذلك أن النسبة العظمى من أبناء تلك الأقليات هاجرت من سوريا، لأن الطريقة التي تمت فيها معالجة الأمر كانت غير ناجحة. هل يمكن أن تحمي أحداً بالطريقة الأمنية؟ أظنه سؤالاً صعب الإجابة".

وتنصّ البرامج السياسيّة للأحزاب السريانيّة الآشوريّة على أنّ سوريّا يجب أن تكون دولة مُتعددة القوميات والطوائف، وتُطالب بالإقرار الدستوريّ بحقوق الشعب السريانيّ الآشوريّ القوميّة والدينيّة، واعتبار اللغة والثقافة السُريانيّة الآشوريّة، جزءاً من الثقافة السوريّة. كما يُطالب السريان الآشوريون بنظام حُكم ديمقراطي تعددي علمانيّ، يكون قائماً على أساس الحريّة والعدالة والمُساواة.

ويخالف الناشط الحقوقيّ، حسام القسّ، راعي كنيسة الكلدان؛ حيثُ يوضّح أنّ النظام "لم يحم السريان الآشوريين بل على العكس فقد هاجر منذ انقلاب حافظ الأسد على السلطة وحتى العام ٢٠١١ أكثر من نصف السريان الآشوريين في سوريا. ولذلك عدة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية.. فالمجتمع السرياني الآشوري كان مجتمعاً منفتحاً وتناسبه الأنظمة الليبرالية أكثر من الأنظمة التي تشبه نظام الاسد".

ويسردّ القسّ كيف تعامل النظام وحزب البعث مع السُريان الآشوريين في الجزيرة، بالقول"فقد كان للعائلات السريانية الآشورية العريقة كعائلة أصفر ونجار وهدايا وجرموكلي وغيرها أثر مهم وكبير في الحياة الاقتصادية والزراعية في منطقة الجزيرة حيث أثرت قوانين التأميم التي بدأت مع مرحلة الوحدة مع مصر وأكملها حرب البعث في سوريا على كل الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والرياضية كإغلاق نادي الرافدين وتأميم "طاحونة مانوك" والاستيلاء على الأراضي التي كانت تملكها العائلات السريانية وكذلك الاستيلاء على الكثير من المدارس الخاصة (مدرسة راهبات الحكمة القادسية حالياً ومدرسة حنا غزال) وغيرها من المدارس".

منذُ بداية الثورة السوريّة، اختلفت توجهات الأحزاب السريانيّة الآشوريّة والشخصيات السياسيّة المُستقلة، في مواقفها المؤيدة والمُعارضة للنظام والثورة السوريّة؛ إذ انضمَت المُنظمة الآثوريّة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمُعارضة، وانضمّ حزب الاتحاد السريانيّ إلى الإدارة الذاتيّة، والمجلس السريانيّ السوريّ والحزب الآشوريّ الديمقراطي إلى مجلس سوريّا الديمقراطيّة ومشروع فيدرالية شمالي سوريّا. وبقيّ رجالُ الدين في موقفٍ أقرب إلى النظام، وهذا لا ينفي وجود رجال دين مسيحيين مُعارضين للنظام؛ هذا الانقسام طبيعيّ في منطقةٍ تشهد انقساماً سياسيّاً وعسكريّاً كبيراً، وكُلّ طرفٍ يسعى إلى السيطرة على الذائقة الجمعيّة للمُجتمع المحليّ الّذي ينتمي إليه، لسعي نحو قناعاته والسُلطة الّتي يطمح إليها.