اطلب السياسة حتى في كوريا الشمالية

تاريخ النشر: 30.04.2018 | 10:04 دمشق

بانتظار لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونغ أون، أواخر الشهر المقبل، تتواصل المفاجآت القادمة من شبه الجزيرة الكورية التي انقسمت، بين شمال وجنوب، منذ حرب العام 1950 بين الشطرين، ولم تنته "رسمياً" إلا الآن باللقاء الذي جمع رئيسي البلدين الشقيقين عند خط الحدود الفاصلة بينهما.

صحيح أن عمليات حربية لم تجر بين البلدين، منذ نهاية الحرب عملياً في 1953، لكن نظام كوريا الشمالية كان نظام حرب دائمة على طريقة النظام الأسدي في سوريا.

ومن المحتمل أن فكرة توريث الحكم التي عمل على تطبيقها حافظ الأسد، قد استوحاها من نظام السلالة الحاكمة "الشيوعية – الزوتشية" في كوريا، كما سبق له واستوحى منه فكرة تنظيم تلاميذ المرحلة الابتدائية في "منظمة طلائع البعث" حيث يمتزج حليب أمهات الأطفال السوريين مع عبادة الدكتاتور، بهدف صناعة جيل من الروبوتات البشرية الحية التي لا تجد سعادتها إلا في التصفيق لخطابات "الأب القائد" وإنشاد أناشيد الولاء له، في مجتمع معقم من السياسة وأهوائها، والثقافة ومخاطرها، وغريزة الحياة ومفعولها المعدي.

نكاد لا نعرف شيئاً عن المجتمع الكوري، فقد أحكم النظام إقفال الأبواب والنوافذ عليه، وعزله عن العالم، كما منع اقتراب العالم الخارجي منه، ولا يعدو ما هو متداول عن هذا البلد المنكوب تصورات "استشراقية" لا يمكن الوثوق بها عن مجتمع من العبيد يحكمه دكتاتور دموي بقبضة حديدية، ولم يحدث ما ينقض هذه الصورة، فلم تشهد البلاد أي حركات تمرد مما يمكن أن يشير إلى حيوية اجتماعية. كما لم تحدث انشقاقات من داخل النظام، إلا إذا اعتبرنا مقتل كيم جونغ نام، الأخ غير الشقيق لأون، في ماليزيا العام الماضي، تصفيةً لمنشق لم يعرف له أي نشاط معارض لنظام أخيه.

فشل النظام الأسدي في خلق "مجتمع متجانس" يدين أفراده بعبادة الأسد وسلالته

بالمقابل، فشل النظام الأسدي في خلق "مجتمع متجانس" يدين أفراده بعبادة الأسد وسلالته، على رغم كل محاولاته في هذا الاتجاه، منذ مجزرة حماة 1982 وصولاً إلى التوريث وما بعده. صحيح أن المجتمع السوري "انضبع" بما يكفي ليغرق في الصمت المطبق طوال عقدين من السنوات، لكنه لم يخل يوماً من وجود حركات معارضة، خرجت إلى العلن مع وفاة حافظ الأسد، ثم حاولت تنظيم صفوفها في 2005 (إعلان دمشق)، وصولاً إلى اندلاع ثورة شعبية كبيرة بدءًا من ربيع 2011، في إطار موجة من الثورات عرفت بالربيع العربي.

بمقابل هذه الحيوية الاجتماعية النسبية، حافظ النظام الأسدي على تصلبه وعدم قابليته للدخول في عالم السياسة حيث المساومات والتنازلات والحلول الوسط وإيجاد مخارج مبتكرة من مشكلات تبدو كأنها غير قابلة للحل. فالنظام "شقفة واحدة" غير قابل للإصلاح، يبقى كله أو يذهب كله، وما من حل وسط. هذا ما رأيناه طوال السنوات السبع الماضية.

أما نظام كيم الكوري الشمالي، فها هو ينزل من عالم التهديدات النووية إلى عالم السياسة والانحناء أمام الريح العاتية. تطبيع مع كوريا الجنوبية، ووعد بوقف التجارب النووية والصاروخية التي أرعبت العالم في العامين الماضيين، ولقاء مرتقب مع "العدو الإمبريالي"!

النظام الأسدي يمارس السياسة إذا تعلق الأمر بقوة ضغط خارجية وجاهز دائماً لتقديم التنازلات أمام الدول القوية

الحقيقة أن النظام الأسدي بدوره يمارس السياسة، إذا تعلق الأمر بقوة ضغط خارجية. جاهز دائماً لتقديم التنازلات أمام الدول القوية، كما رأيناه حين انسحب من لبنان، أو حين سلم ترسانته الكيماوية، أو قسماً منها. أما التصلب وامتناع السياسة فهو فقط إزاء السوريين ومطالبهم، تماماً كحال النظام الكوري الذي لن يتغير أو يصلح نفسه بمجرد مصالحته مع كوريا الجنوبية، أو وقف برنامجه النووي، أو تجاربه الصاروخية. قد ينفتح على العالم، ولكن ليس على الكوريين.