ازدواجية المعايير في الشأن السوري ( عفرين وإدلب أنموذجاً )

تاريخ النشر: 27.02.2018 | 15:02 دمشق

الربيع العربي 

" الأمة: أي أمة كانت، ليس لها من يحكُّ جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات" هكذا قال عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. ولما غابت إرادة الشعوب العربية في اختيار حكامها، الذين تم تنصيبيهم بمعرفة واختيار الدول العظمى بما يضمن تنفيذ سياساتها ومصالحها، بما في ذلك إخضاع الشعوب في هذا الشرق البائس، وإذلاله وتحقيره وتركيعه وإبقائه جزءاً من منظومة مستهلكة يجب أن تبقى محرومة من كل شيء، فإنه لا بد أن تكون قيم الإنسانية وحقوق البشر التي يتشدق بها الغرب غائبة تماماً عندما يكون الحديث عن الشعوب العربية القابعة منذ عقود طويلة بل قرون تحت الظلم والاستبداد والقتل والإجرام.

"بات واضحاً أن السياسة التي انتهجتها الحكومات الغربية تغرف من الوعاء ذاته الذي تستخدمه أنظمة الاستبداد العربية في حملة استهدفت تشويه الربيع العربي، وتصوير القائمين عليه بأنهم مجموعات إجرامية"

انتشر الربيع العربي بين الشعوب التي خرجت تريد حريتها وكرامتها ولا شيء سوى ذلك، رفعت شعارات تدل على إنسانيتها وإرداتها في الحصول على حقوقها، كل ما أرادته هو حريتها وكرامتها، والعمل لخلق وطن يحفظ حقوق أبنائه جميعهم دون تمييز. إلا أن هذا الانتشار السريع والمذهل لهذا الربيع بين الشعوب العربية التي لم تعرف إلا النار والحديد، أثار مخاوف كبيرة في العالم "المتحضر" لم تُخفها الحكومات الغربية، التي بدأت من خلال سياستها تتنصل تدريجياً من تأييدها المعلن عبر مبادئها لحرية الشعوب، والتي لم تحصل الشعوب العربية منها إلا على رمزية الشعار دون دلالة الأفعال، وبات واضحاً أن السياسة التي انتهجتها الحكومات الغربية تغرف من الوعاء ذاته الذي تستخدمه أنظمة الاستبداد العربية في حملة استهدفت تشويه الربيع العربي، وتصوير القائمين عليه بأنهم مجموعات إجرامية " إرهابية" خارجة عن القانون لا تعرف إلا اجتزاز الرؤوس باسم الدين، فكان لهم ما أرادوا بتحضير الرأي العام العالمي للمواقف السلبية التي اتخذت لاحقاً من الصمت على المجازر التي تم ارتكابها بحق الشعب السوري، والتدمير الذي طال مدنه وقراه، والتهجير الجماعي الذي كان نصف الشعب من ضحاياه.

 

الأقليات وازدواجية المعايير

إن أول تعامل غربي مع ملف الثورة السورية كان من خلال مدخل الأقليات، هذا الوتر الذي طالما لعبت عليه الدول الغربية منذ أواسط القرن التاسع عشر، حين طرحت الدول الغربية نفسها حامية للمسيحيين في الشرق، وبدأت تتاجر بحقوقهم. تكرر المشهد في بداية القرن العشرين بعد انفصال الدول العربية عن العثمانيين، وطرح الفرنسيون حينها أنفسهم كمدافعين عن الأقليات، وبالغوا في تعقيد المشهد السوري ورسم خرائط تركز على البعد الإثني والديني والمذهبي لمكونات الشعب السوري، وتصويره في الخارطة الذهنية للمتلقي الأوروبي أو المحلي على أنه مجتمع أقليات، وهذه كانت سياسة مضللة بلا شك، ليس لتجاهل الأغلبية العربية المسلمة فحسب، بل لتركيزها على الفوارق ومحاولة زرع شرخ بين مكونات الشعب السورية، وبإهمال الأرضية المشتركة الواسعة التي يلتقي عليها الجميع من حيث وحدة الثقافة واللغة والآمال.

هكذا عادت الصورة ذاتها مع بداية الثورة السورية، وهو ما أكدت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عندما  التقت لأول مرة وفداً من المعارضة السورية في السنة الأولى للثورة، وكانت قد أشارت في هذا اللقاء إلى أولوية حقوق الأقليات وضرورة المحافظة عليها، لتصبح بعدها نغمة الأقليات من أهم النغمات التي يتم تداولها في المشهد السياسي السوري على لسان المسؤولين الغربيين وحتى على أولئك السياسيين الذين يحاولون استرضاء الغرب، وربما لعب دور سياسي في المشهد السوري على حساب مصلحة الشعب السوري ومستقبل سورية. فالحديث عن مصرع مقاتل ضمن صفوف الميليشيات الكردية ( حتى لو كان مرتزقا قادما من تركيا أو إيران) يمكن أن يأخذ مساحة في الإعلام الغربي يتم من خلاله استحضار كل القيم الإنسانية التي يتشدق بها الغرب، وتبدأ معها مناحة الأقليات واستحضار مطالبهم، وما يجب أن يكون أو لا يكون لضمان حقوقهم في سورية. في الوقت الذي ربما لا يحظى خبر قصف أبناء الأكثرية بغاز الكلور وسقوط عشرات من أطفالهم، بأي اهتمام، بل وقد لا يتم إدراجه حتى في الشريط الإخباري للإعلام الغربية والكثير من قنوات الإعلام العربي أيضاً.

 

إدلب وعفرين أنموذج للازدواجية

يمكن رصد ازدواجية المعايير الغربية بوضوح في المشهد السوري منذ بداية الثورة السورية، ويمكن أن نأخذ أنموذجاً لتلك الازدواجية من خلال تعامل الإعلام الغربي مع الأحداث العسكرية المحيطة بعفرين من جهة وإدلب من جهة ثانية.  وإدلب هي مثال يمكن أن ينسحب أيضاً على باقي المدن السورية التي تعاني من آلة الدمار خلال هذه الأيام مثل (سراقب والغوطة الشرقية وكفرنبل وخان شيخون ودير الزور ..إلخ) وجميع المدن والبلدات التي ينتمي سكانها للأكثرية المكلومة في سورية والتي تجري محاولات دعشنة حتى أطفالها ونسائها وشيوخها لتبرير ما يتم ارتكابه بحقهم على يد النظام أو الروس وإيران أو التحالف الدولي ومرتزقته على الأرض.

عفرين إحدى مناطق الشمال السوري التابعة إدراياً لمحافظة حلب، والتي تخضع لسيطرة قوات الحماية الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني منذ سنة 2013م. وهي إحدى ثلاث مناطق في سورية أعلنت القوات الكردية أنها تخضع لفيدرالية من طرف واحد، وسمّت كل واحدة منها بـ كانتون ( كانتون الجزيرة، كانتون عفرين، كانتون عين العرب)، قبل أن تبدأ القوات الكردية بضم مزيد من المناطق العربية السورية تحت شماعة محاربة الإرهاب إلى هذه المناطق، في محاولة لوصل هذه الكانتونات ضمن إطار منطقة واحدة تشكل ثلث سورية الأغنى بالموارد الطبيعية والثروات المائية والزراعية، والسيطرة عليها عسكرياً بتغطية ومساندة من القوات الأمريكية، لتكون جزءا من مشروع العمال الكردستاني في سورية.

"الإعلام الغربي بقي محافظاً على وتيرة بث البروبوغندا الإعلامية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني في سورية، والتي حاول من خلالها تصوير حزب العمال الكردستاني القادم من تركيا، بأنه صاحب الأرض والمدافع عنها، وبأن الجيش الحر المدعوم من القوات التركية يمثل محور الاعتداء الشرير"

ما إن اعلنت تركيا عن عملية مشتركة مع فصائل المعارضة لتطهير المناطق الحدودية المحيطة في عفرين ومنبج من مسلحي حزب العمال الكردستاني الإرهابي التي تعمل في سورية اليوم تحت مسمّى ( قسد)، حتى ثارت حفيظة العديد من الدول الأوربية على رأسها ألمانيا. ولم يُخف أيضاً الفرنسيون ولا الروس أو الأمريكان مخاوفهم في هذا الصدد. وعلى الرغم من عدم قيامهم بإجراء فعلي لعرقلة التقدم التركي في عفرين. فإن الإعلام الغربي بقي محافظاً على وتيرة بث البروبوغندا الإعلامية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني في سورية، والتي حاول من خلالها تصوير حزب العمال الكردستاني القادم من تركيا، بأنه صاحب الأرض والمدافع عنها، وبأن الجيش الحر المدعوم من القوات التركية يمثل محور الاعتداء الشرير الذي جاء  لتدمير الأكراد وقتلهم على أساس عرقي. علماً بأنه لم تسجل أي حالة قصف للمدن والبلدات أو تجريف للقرى التي دخلتها هذه القوات التي بدأت عملها منذ أكثر من أسبوعين. وربما الحدث الأبرز الذي تناوله الإعلام خلال الأسبوع الماضي هو رواية العمال الكردستاني بشأن قيام الجيش الحر بالتمثيل بجثة مقاتلة كردية، كان الحزب في وقت سابق أعلن عن قيامها بتفجير نفسها في عملية انتحارية، لكن استغلال مقطع لتصوير الجثة قد استُغل ضمن بروبوغندا إعلامية منظمة لتشويه صورة الجيش الحر، والادعاء أنه قام بالتمثيل بجثة المقاتلة التي وصفت بأنها " قديسة"، وكأن ذلك  سيبرر وجود مقاتلة ضمن تنظيم إرهابي على الأرض السورية، أو يجعل من أهداف هذه الميليشيات الإحلالية ومسألة احتلالها للأراضي السورية ورسم خرائطها القومية هو أمر مشروع ولا يحتاج إلى النظر فيه أو تناوله أو البحث فيه.

ضمن السياق السابق، وفي الفترة نفسها التي يتقدم خلالها الجيش الحر والقوات التركية ببطء في منطقة عفرين، محاولين تجنيب المدنيين أي قصف يمكن أن يتسبب بخسائر ضمن صفوفهم، نجد أن العالم شبه صامت عن المجازر التي تم ارتكابها خلال الأسبوع المنصرم بحق أبناء إدلب و سراقب والغوطة الشرقية ، قصف بالجملة، استخدام جميع أنواع  الأسلحة المحرمة دولياً، قصف ممنهج، وأسلحة كيميائية، ومجازر بالجملة معظم ضحاياها من الأطفال، كل هذا حدث دون أن تكون هناك مواقف دولة مسؤولة وجادة وحقيقية لإيقاف هذه المجازر، ودون أن تمنح مساحة إعلامية في الإذاعات والصحف الأوروبية وإطلاع الرأي العام العالمي على ما يحدث من جرائم حقيقية في سورية. وغض النظر عن الجرائم التي تحدث بحق الشعب السوري في حال كانت هوية الضحية تنتمي ( للأكثرية الدينية العرقية)، تماماً كما حدث في الرقة ودير الزور، وقبل ذلك في حلب وحمص.

 

خلاصة القول إن الغرب كان ومايزال ينظر للشرق من خلال مصالحه الاستعمارية فقط، ومايزال ينظر لشعوب الشرق الأوسط على أنها غير معنية بشعارات حقوق الإنسان التي يتغنى بها، لذا فإن ملايين الصور التي وثق من خلالها السوريون جثامين أبنائهم أو ما بقي منها، ومشاهد العناق الأخير لحظة تقبيل ثغورهم الفارغة، أو تلك التي تصوّر ضحايا الكلور من نساء وأطفال ورجال، لن تجعل الحكومات الغربية المشاركين في الجريمة، يتخذون أي موقف يمكن التعويل عليه لإيقاف كل هذا الذبح والقتل بشعب كل ما فعله هو أنه طالب بحريته واستقلاله.