ابتذال رموز الدولة السورية وتدميرها ثم المزايدة بها!

2022.03.28 | 10:36 دمشق

ajtma-lljnt-aldstwryt-alswryt.jpg
+A
حجم الخط
-A
  • يحيى العريضي  - إبراهيم الجبين

طالبَ وفد حكومة الأسد في الجولة السابعة للجنة الدستورية في جنيف، بتثبيت رموز الدولة في الدستور، وردّ وفد المعارضة بالمطالبة بإصدار تلك الرموز بقوانين. هذا المشهد ليس وحده ما زاد من عبثية وبؤس هذا المسار، بل إن الموقفين يعكسان أهداف منظومة الاستبداد الأسدية في المزايدة والمماحكة التي تستهلك الوقت في نقاشات سفسطائية، وتُكسِب المنظومة مزيدا من الوقت كي يُعاد تدويرها؛ هذا من جهة؛ أما من الجهة الأخرى، فإنَّ ردَّ المعارضة ينطوي على عدم رفض كلي للمنطق الذي طُرحت من خلاله، بل إصرار على استمرار بعض أعضاء اللجنة بالمتابعة في حجج واهية تحت تأثيرات ذاتية مصلحية وخارجية توصل للمآل ذاته في سحق الحق السوري.

رموز الدولة محفورة في وجدان السوريين ووعيهم الجمعي، سواء اتفقت عليها المعارضة والنظام أو لم يتفقا، فلا قيمة لأي ورقة مشتركة يتم التوصل إليها قبل أن تُعرض على استفتاء شعبي حر يقرّها أو يرفضها، وعندما نصل إلى تلك اللحظة، سنرى إن كان السوريون حريصين على رموزهم أم أنهم سيتعاملون معها كورقة تفاوض للشد والجذب كما يفعل الطرفان اليوم.

يصرُّ وفد حكومة النظام على طرح الرموز وتثبيتها في الدستور؛ رغم أن هذا النظام دهس كل تلك الرموز التي يتشدق بها. فكل سوري خارج منظومة الاستبداد يحق له الحديث في الرموز وتثبيتها، ليس فقط في الدستور، بل على جبينه وقلبه؛ ولكن مَن استباحها ودهسها، لا يحق له التفوه أو المزايدة بها.

إن التناول المبتذل لتلك الرموز: النشيد الوطني، والعلم، واسم الدولة، وعروبتها، وسواها من الثوابت؛ وجعْلَها أموراً قابلة للنقاش هو من صنع نظام الأسد بجدارة

صحيح أن الحياة برموزها؛ وهذا ينطبق على المؤسسات والكيانات والدول أيضاً. ومعروف أنه عندما تُنتَهك تلك الرموز يكون الخراب، وتفقد الحياة والدول والمؤسسات قيمتها الحقيقية. ومعروف أنه من بين الضرورات لكتابة دستور لبلد ما، نَظْمُ العلاقات الحوكمية والحياتية السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في منظومة حقوقية قانونية لحياة إنسانية حضارية. هذا في الحالات الطبيعية للشعوب؛ ولكن عندما يُراد كتابة أو تعديل دستور لبلاد عاشت أكثر من عقد في القتل والدمار والتشريد؛ وفرقاؤها كلٌ يحمل نية زوال الآخر، إن لم يكن كما يريد؛ فكتابة أو تعديل دستور له خصوصية نادرة. الفرقاء الثلاثة لا يدخلون المهمة على قلب وعقل واحد كأبناء وطن واحد منحهم الهوية ذاتها، رغم أنها نظرياً هكذا.

إن التناول المبتذل لتلك الرموز: النشيد الوطني، والعلم، واسم الدولة، وعروبتها، وسواها من الثوابت؛ وجعْلها أموراً قابلة للنقاش هو من صنع نظام الأسد بجدارة؛ ولا يشفع له قوله في ورقته إنها "غير قابلة للتعديل"؛ فهو أول من قام بتغييرها حين انقلب عليها، وحوّلها إلى فقاعات شفهية، لم يعد يصدّقها أحد. فدمشق كانت بامتياز، وقبل ظهور نظام البعث بقرون، قلب العروبة النابض؛ وهو من جعل ذلك القلب ينبض باللغة الفارسية ثم بالروسية، بعد أن ضخ فيها كل دماء القتلة والمجرمين الحاقدين على الحضارة العربية. وهذا رمزٌ من رموز سوريا غير القابل للتعديل، بقناعة شعب سوريا الحر، قبل اشتراطات منظومة الاستبداد وألاعيبها.

وفي "الرموز"، لن ندخل بالتفصيلات الهادفة لإضاعة الوقت السوري كالتفصيلات المتعلقة بالعقاب العربي وقياس حجمه وحدَّة مخالبه (الصقر العربي الذي هو رمز العرب قبل الإسلام وهو راية قريش وراية جيش خالد بن الوليد حين حرّر دمشق من الرومان، ولا علاقة للأسد ولا للبعث ولا أي نظام به لا من قريب ولا من بعيد) ولا بألوان العلم الذي صبغت منظومة الاستبداد ألوانه بدم شعب سوريا، ولا بالعملة التي أذلتها هذه المنظومة وملأت خزائنها بغيرها وأودعته في بنوك العالم، ولا عن تقديم المسلمات ومهرها بعبارة (غير قابل للتعديل)؛ بل نركّز على ذلك النشيد الذي شوهته منظومة الاستبداد، ولا تزال تتبجح وتزايد به. يكفي أن ننظر لاسم الدولة الذي كان معادلاً لأرواحنا؛ "الجمهورية العربية السورية"؛ فـ ”الجمهورية" أضحت مزرعة توريث أبدية ممزقة محتلة جائعة مدمرة بلا سيادة. و"العربية" أصبحت إيرانية وعاصمتها أحد مدن الخمينية المعادية للعرب والعروبة. و"السورية" اختلطت بالروسية بالإيرانية وبالإسرائيلية والطائفية.

أما عن رمزية النشيد الوطني، فعندما كتبه ”شاعر الشام“ خليل مردم بك، وأقرّه رجال دولة الاستقلال وهيئاتها التشريعية، أرادوا جميعاً لرموزه ومعانيه أن تترجم وطناً حصيناً فخورًا بقيمه، جميلاً بكل ما فيه، شهداؤه منارات حرية، آماله بغد أفضل، طموحاته السماء. فجاء النشيد ليتحدث في الجزء الأول عن الثوار السوريين من أهل الغوطة والسويداء والشمال السوري في وجه المستعمر الفرنسي وكل عدو خارجي، ولم يكتبه مردم بك للإشادة بجيش يتبع حكومة يمكن له أن يكون جيشاً صالحاً أو فاسداً في يوم من الأيام، وأولئك الثوار الذين وصفهم بأنهم ”حماة الديار“ هم الشعب الذي ثار على المحتل وعلى المستبد في الآن ذاته. ولكن ما لبث النظام الديكتاتوري أن ابتلع دلالة ”حماة الديار“ كما ابتلع سوريا كلها بمفاهيمها كافة، ليصبح المقصود بالخطاب ”جيش السلطة“، لا ”شعب الدولة“ الذي أبت نفوسه الكريمة أن تذلّ في يوم من الأيام.

وسيكون مصير الدلالة أن تتحوّل مجدداً، بفعل انحطاط النظام الاستبدادي وتحولاته، ليصبح ذلك الجيش ميليشيات تقتل الشعب وتدمر مدنه وأريافه وتكفّر بالعروبة التي كانت سوريا عرينها وبيتها الحرام، وتلك ليست شعارات مثل شعارات الاستهلاك التي دأب النظام على طرحها وإنما حاجة وضرورة للمنطقة العربية التي لا تستطيع إلا أن ترى دمشق هكذا، وتلوذ بدورها التاريخي وإشعاعها الحضاري. الأمر الذي استثمره ويستثمر فيه الأسد حتى هذه اللحظة، بينما هدرته وتهدره بعض المعارضة، لجهلها بقيمته ولهاثها خلف كارهي معناه لأسباب عنصرية متهافتة.

يتحدث النشيد عن جمال سوريا وعن جمال تضاريسها؛ ولكن المنظومة إياها حوّلت الجمال قبحاً، ونشرت المخدرات والدمار في البيئة والنفوس. ويتغنى النشيد بالشهداء ونبلهم، ولكن من يتقدم بورقة الرموز هو ذاته من حوّل الشهداء إلى أناس قضوا فداءً لبقاء استبداد وظلم وظلامية المنظومة، التي كافأت أهلهم بصندوق فاكهة أو ساعة حائط أو رأس من الماعز. والعلم الذي أراده شاعر الشام خفاقاً بالعز والكرامة والحرية، مرّغته منظومة الاستبداد بدم شعب رفض العبودية والفساد والظلم؛ أما آمال الوطن وأهله، فقد حوّلته إلى يأس وتوق للرحيل والغربة؛ والطموح إلى رغيف خبز وعيش ذليل.

آن الأوان لتثبيت الحقيقة التالية للسوريين وللعالم؛ حقيقة يترجمها ضعف رؤية، وسذاجة، وأنانية، وتفريط بعض جهات معارضة بحق السوريين وتضحياتهم وطموحاتهم

إن أهم ما يمكن أن يكون في الدستور هو إقرارُ احترامه وعدم خرقه؛ وما فعله وفد حكومة الاستبداد الأسدية في هذه الجولة، أنه تقدم بأقدس ما يمكن للشعب أن يعتز به، مطبّقاً حيلة ”كلام حق يراد به باطل“ لا أكثر ولا أقل. فما العمل؟ وهذا وضع وفد حكومة النظام الذي لا يملك الصفة القانونية، بحكم تصريح رأس النظام الذي أكّد أنه مجرد وفد سوريين مدعوم من "الحكومة السورية"، يأتي إلى جنيف ليعرقل ويضيّع الوقت؛ ووفد من المعارضة يصرّ بعض أعضائه على الحضور لأسباب شخصية وذرائع تتعلق بمراعاة الدول وتحت يافطة إبقاء العملية السياسية حية؛ وكل ذلك يمنح نظام الاستبداد الوقت والمشروعية دون سقف زمني أو آلية عمل واضحة؟

آن الأوان لتثبيت الحقيقة التالية للسوريين وللعالم؛ حقيقة يترجمها ضعف رؤية، وسذاجة، وأنانية، وتفريط بعض جهات معارضة بحق السوريين وتضحياتهم وطموحاتهم. نهجٌ يصل إلى حد الشبهة في أن يستمر هؤلاء بهذا المسار العبثي واللعبة الخبيثة. إن لم يكن هناك تحديد لفترة معينة لا تتجاوز الشهرين لإنجاز دستور جديد ضمن آلية عمل علنية مضمونة دولياً، وإن لم يتم فتح وتفعيل المسارات الأُخرى المدرجة في القرار الدولي 2254، وإن لم يكن هناك التزام وضمانات للمبادئ فوق التفاوضية الخاصة بالمعتقلين والكشف عن مصير المفقودين والمغيبين قسريا؛ فلا بد من هبّة شعبية كاملة تعيد إحياء ثورة السوريين، وتدفع بقيادة جديدة تكون صوت الحق والحقوق والتمترس عندها.

قدَرُ السوريين أن يكون تاريخهم كله ثورة. وكما تمر في هذه الأيام الذكرى الأربعون لرحيل قائد الثورة السورية الكبرى بطورها الأول، سلطان الأطرش، يواصل السوريون طور ثورتهم الكبرى الثاني الذي سيقودهم إلى استقلالٍ أكيدٍ وحدَه الأعمى والضالُ والضئيلُ من لا يراه قريباً أو يشكك فيه.