أن تقرأ حكاية "الثورة السورية" كرواية بوليسيّة تعرف نهايتها

تاريخ النشر: 07.03.2021 | 15:16 دمشق

عمّار المأمون

صدر هذا العام للصحفي والكاتب الفرنسي جان بيير بيران رواية بوليسيّة بعنوان "حرب بلا نهاية"،  الاسم الذي تشترك به على الأقل خمس روايات أخرى تظهر نتائجها حين كتابة اسم الرواية على غوغل، بعيداً عن ذلك يخبرنا يبران المراسل الصحفي لجريدة ليبراسيون سابقاً و المهتم بقضايا الشرق الأوسط حكاية ثلاثة أفراد، خوان مانويل، الكسندر، ودانيال تتقاطع مصائرهم في سوريا بعد الثورة،  فخوان مانويل كان أسيراً لدى داعش، وتم إطلاق سراحه لاحقاً ليقطع الحدود التركية مشياً، أما الكسندر ، فدبلوماسي فرنسي تلاحقه أطياف ألويس برونور، الضابط النازي الذي كان يعيش في سوريا تحت حكم الأسد، والثالث هو دانيال، مرتزقة فرنسي دخل سوريا في مهمة استخباراتيّة.

نشير بداية إلى أننا لا نقدم مراجعة للرواية، خصوصاً أنها متواضعة على صعيد التشويق المرتبط بالحبكة البوليسيّة، وبالنسبة للقارئ "السوري" كل ما فيها متداول مسبقاً سواء في الثقافة الشعبية أو في الحكايات الرسميّة، الأهم، وهو ما سنحاول الإشارة له هو العلاقة بين الحقيقي والمتخيل ضمن كتاب يحمل علامة تجنيس "رواية" لكنه يستند إلى وقائع ما زال من شهدوها أحياء.

أول ما نلاحظه في الرواية أن "الفرنسيين" أشخاص لهم تواريخ، ومشاعر وحكايات شخصيّة وصراعات داخليّة، أما "السوريون واللبنانيون والعراقيون" هم أيديولوجيون، تقودهم أفكار لا تقبل النقاش، وهنا يظهر حس بالغرابة في أثناء القراءة، الشخصيات الفرنسية متخيلة في رواية تتحرك ضمن أحداث واقعيّة، نعرفها و نعرف صورها، وما يحاول بيران أن يجعله واقعياً إثر تفاعل الشخصيات معه، يبدو هشاً أمام الحقائق التي نعرفها عن سوريا والقصف الوحشي الذي تعرضت له من قبل النظام كما في حمص التي يتجه إليها كل من الكسندر و دانيال.

اللقاء في حمص كان مع شخصيات حقيقة، بروميثوس أو "قيصر"، و ماري كولفن و ريمي أوشلك الذين شهد الكسندر موتهم، إلى جانب أسماء وألقاب لأشخاص حقيقيين يشكرهم بيران نهاية الرواية، هذا التداخل بين الواقعي و المتخيّل، يثير الحيرة، كيف يمكن أن أتابع حبكة بوليسية لرواية أعلم بدقة كيف تتحرك الأحداث فيها، بصورة أدق، أعلم كيف ستنتهي في الخلفيّة، خصوصاً أن الشخصيات المتخيلة، تردد وتحكي لنا ما نعرفه عن سوريا، وتبدو كأنها تريد شرح الصراع السوري لكل من يقرأ،  ما يجعل الشخصيات مسطحة، وذات موقف استخباراتي، بحكم طبيعة عملها، لكن أيضاً، تكشف لنا عن إشاعات و أقاويل عن الاستخبارات العالميّة في سوريا أثناء الثورة ، والدور الذي لعبته في نقل المعلومات، والذي لا يتضح في الرواية إلا عبر تخييل بعض الحكايات.

أبو حسين برونور

يقدم لنا بيران تاريخاً متخيلاً للضابط النازي برونور، الذي التقاه الكسندر في وزارة الدفاع في سوريا، حين كان يتجه إلى مكتب مصطفى طلاس، ويخبرنا كيف قامت جدته، أي جدة الكسندر-  بالهروب من الشاحنة التي كان ينقل فيها برونر اليهود إلى المحرقة، هذا التخييل يتداخل مع دور برونر في تصميم أقبية التعذيب في سوريا و في لبنان، وكيف تتلمذ على يده غازي كنعان، ودور برونر في تصميم أقبية التعذيب في سوريا، لنقرأ لاحقاً عن ندم الكسندر الذي لم يقم بقتل برونر مباشرة، بل تركه ليدفن في مقبرة العفيف في دمشق، لنتابع لاحقاً كيف أن الكسندر يحاول التكفير عن ذنبه، ليتورط في حكاية "بروميثيوس" الاسم الذي اختاره بيران لـ"قيصير" الذي هرّب آلاف الصور من سوريا، و وقاد بيران بتقديم تاريخ متخيل لحكاية هروبه، والخلافات بين الـCIA  و المخابرات الفرنسية حوله، فهل يأخذون الصور فقط؟ أم ينقذونه وأسرته مع الصور ؟

نطرح هذه الأسئلة حول العلاقة بين الوهمي والمتخيّل لأن بيران نفسه قام بتغطية الصراع السوري، وبعض ما نقرؤه في الرواية نراه في الأخبار الرسميّة، ناهيك عن تلك الحكايات المتداولة عن آل طلاس في باريس، و علاقاتهم و الشبهات حولهم، والتي أيضاً تتحرك بين الحقيقي والوهمي، والسؤال هنا  يرتبط بالحد بين الواقعي والمتخيّل في عالم ما بعد الحقيقة، فمن لا يمتلك أي معرفة عن سوريا بإمكانه بعد قراءة الرواية فهم أطراف الصراع بصورة ما، والعكس أيضاً ، من يعرف سوريا سيتتبع المكتوب ويبحث عن "المغالطات" أو المتخيل، الذي يمكن أن تنضوي تحته كل أحداث الرواية  حسب ما تفترضه علامة التجنيس، لكن إلى أي حد ما نعرفه "حقيقة"، أو يمثل ما حدث في الواقع؟، خصوصاً أن الحبكة البوليسيّة تفعل المخيلة، تلك التي يقوضها ما "نعرفه" عن الأحداث، و لا أحاول هنا المقارنة مع الحكايات التاريخيّة  التي تقتبس منها أعمال فنيّة كحالة هاملت مثلاً، بل عن  وقائع حصلت ومست القارئ ويظنّها حقيقة، لكنها قد تكون مجرد "حكايات" يمكن إعادة سردها وتغيير عناصرها لتتشابه مع "الحقيقة" التي نمتلكها.

يبدو الكلام السابق تحذلقاً أو مشوشاً، لكن العديد من الحكايات في الرواية الحقيقة والمتخيّلة تلعب دور الفزاعات، أي هي علامات على عدم الاقتراب من ذاك المكان الخطر المسمى سوريا، لأن القتلة فيه أحياء، وبعضهم يسكن باريس، إذ يبدو مثلاً وصف مصطفى طلاس في الرواية بوصفه عجوزاً عربيداً مهتماً بالنساء مضحكاً، لكن يتخلل ذلك وصف لاعترافه في مذكراته عن الأيام التي كان يوقع فيها  قرارات الإعدام بالمئات، هذا ما يقوله مثلاً الكسندر و هو يراقب طلاس من بعيد في الرواية، ألسنا هنا أما ما يثير الرعب، شخص يتحرك حراً في عاصمة الأنوار  بعد إعدام المئات يخيف حتى عناصر الأمن الفرنسيين وفي ذات الوقت يثير الضحك السخرية؟.

النظر إلى العمل الأدبي كفزاعة يختلف حسب الأسلوب الذي نقرؤه فيه، بالنسبة لمن لا يعرف سوريا سيجد نفسه أمام رواية بوليسيّة خلفية الأحداث فيها دوميّة و منهكة، لكن لمن يعرف تتلاشى الحبكة البوليسية أمام الرعشة أو Chilling effect، ذاك  الشعور الذي يتكرر حين نحاول طرح سؤال عن "الحقيقة" وراء الرواية، ونتحدث هنا عن العناصر الواقعية الموجودة، أي،  لا يوجد ما يمنع تصديق تمشي برونر في وزارة الدفاع في سوريا، خصوصاً أنه ذكر في عدة "روايات" صدرت بعد الثورة في سوريا.

لكن هناك سخريّة تفعلها الفزّاعة، بسبب تكوينها وتشكيلها ومكان وجودها والأهم جدواها، كما هو معروف، الفزاعة لا تردّ الغربان، بل يقفون عليها، ويتجاهلونها كلياً، وكأنها تسخر منا وتخيفنا نحن فقط، أي هي  لا تمنع الخطر الحقيقي الذي من المفترض أن تفزعه و تبعده، بالتالي، هل حقيقة ماكينة الأسد القمعية وأفرع الأمن نتاج عبقريّة ضابط نازي واحد؟ ألا يوجد سخرية في الموضوع؟.