أطول فلم سينمائي في التاريخ

2024.03.29 | 05:20 دمشق

آخر تحديث: 29.03.2024 | 05:20 دمشق

أطول فلم سينمائي في التاريخ
+A
حجم الخط
-A

كأنما نشاهد فلمًا من أفلام "وحده في المنزل"، لكن بطله الوحيد، شعب معزول.

ستة أشهر ونحن نشاهد فلمًا من أفلام "الوحيد في المنزل" على نشرات الأخبار. عبارة "العرض مستمر بنجاح متواصل" شائعة لدى دور العرض في عصر السينما، ترويجًا للأفلام الناجحة جماهيريًا ودعاية لها. لا يحتمل المشاهد فلمًا مصورًا مشوقًا مدته ساعتان، فيملُّ ويضجر، فكيف احتمل العالم فلمًا شاقًا، مدته نصف سنة، أبطاله مجهولون معلومون من سكان غزة!

حبكات السينما أنماط حصرها النقاد وعلماء الحبكات والحكايات في 12 حبكة، تتشابه حكاياتها ويتغير شخوصها وممثلوها وأمكنتها ومواطنها. حبكة "الوحيد في المنزل" المحاصر بالأشرار حبكة سينمائية شهيرة، صنع في قالبها مئات الأفلام الأميركية، ومن شتى مصانع السينما، بل إنّ أفلامًا سورية نسجت على منوالها وغرارها مثل فلم "امرأة ساكنة وحدها" من تمثيل دريد لحام ونهاد قلعي. فرش الحبكة وبسطها أنَّ بطل الفلم أنثى غالبًا، وقد يكون ذكرًا، معاقًا أو ضعيفًا أو عاجزًا، يحاصر في منزله من قبل الشرير المريض نفسيًا، أو الأشرار. الأفلام تختار امرأة لأنها ضعيفة من غير نصير، ومن أجل الإثارة الجنسية أيضًا، غالبا ما يقع الغزو في الليل زيادة في الإثارة، ويكون الشرير مريضًا نفسيًا كما في فلم "هش"، أو يقع الهجوم من عصبة متوحشين، وأحيانًا من الزومبي والأشباح. وللحبكة ثلاثة أنماط؛ نمط الكوميديا والإثارة كما في فلم "وحده في المنزل" الذي أدى بطولته المطلقة طفل صغير اسمه ماكولي كوكلين، وصار نجمًا عالميًا فريدًا، ونمط الإثارة والتشويق، كما في فلم كلاب من قش، ونمط أفلام الرعب، كما في فلم "هش"، أو فلم هالوين للعقاد.

المرأة في "هش" صماء، وعمياء في فلم "المرأة العمياء"، فالضعيف وصاحب الحاجة، يثير الشفقة لزيادة الإثارة، وللفلم نسخ كثيرة. غالبًا ما يكون المنزل معزولًا عزلة تامة، فالشرير يقطع صلات المنزل بالعالم إن كان فيه هاتف أو نور، كي ينفرد بالضحية تعذيبًا وتنكيلًا من غير رادع أو مانع.

يغزو الشرير في ظلام فلم هش حبيبته التي رفضت حبه للانتقام منها، في "كلاب من قش" تحيط عصابة بمنزل سيدة وحيدة، فتغلق الأبواب، وتنتقم منهم بأدوات البيت ومتاعه المتاح مثل؛ عدة الطبخ، وكهربة حديد النوافذ وبالماء المغلي تصبه على رؤوس الغزاة، وبإعداد الفخاخ، فتصيدهم واحدًا واحدًا. أفلام الوحيد في المنزل أفلام مقالب وفخاخ غالبًا.

كل مواصفات أفلام الوحيد في المنزل تنطبق على فلم غزة المعزولة المحاصرة، بخلاف أن بطل الفلم شعب كامل من العاجزين

أما طفل الفلم الأميركي الشهير "وحده في المنزل" فشديد الذكاء، نسيته عائلته وحده في المنزل لكثرة الأطفال في العائلة، وهذا مخالف لنمط الأسرة الغربي، فالأفلام لها منطقها السينمائي. يكيد الطفل الذكي للسارقين المغفلين المكائد والفخاخ في ليلة عيد الميلاد، فالفلم مصنف من أفلام أعياد الميلاد، ويدحرهما، بمقالب تشبه مقالب أفلام الكرتون الأميركية.

كل مواصفات أفلام الوحيد في المنزل تنطبق على فلم غزة المعزولة المحاصرة، بخلاف أن بطل الفلم شعب كامل من العاجزين، أغلب الضحايا من الأطفال والنساء، أما الأشرار فمعروفون.

كانت إسرائيل وحدها في الشاشة، هي البطل الوحيد المقدس، هي الناجي من المحرقة، فريدة التاريخ، هي الاستثناء، شرعت قوانين أوروبية تحظر نقدها أو التعرض لها أو التشكيك في عدد الضحايا، كما جرى لكثيرين أشهرهم الفيلسوف الفرنسي ومرشح الرئاسة السابق روجيه غاردوي، ويمكن اعتبار الصراع بين غزة وإسرائيل صراعًا على بطولة الضحية، أو تحطيمًا لأسطورة الضحية الوحيدة، والظاهر أن إسرائيل بكل نفوذها الإعلامي والمالي والعالمي تخسر مكانتها، فهي كمن يطلق النار على قدميه، وربما على رأسه، وقد تتالت تصريحات من كبار زعماء العالم تنذر أو تبشر بخسارة إسرائيل عطف العالم، ليس آخرها تصريح جو بايدن نفسه: إن نتنياهو يؤذي إسرائيل، ثم عقب خوفًا من اللوبي الصهيوني: إنه لن يتدخل في شؤون الانتخابات الإسرائيلية.

نعود إلى غزة الوحيدة في المنزل والمحاصرة من الإخوة الأشقاء والأغارب الأعداء، الضعيفة، التي ليس لها سوى أدوات المنزل، وأسلحة بدائية (طول بندقية الغول المصنوعة محليًا متران) صنعتها تحت الأرض في الأنفاق، وهي تذكر في أخبارها أنواع أسلحتها تباهيًا بها، أما إسرائيل، فلا تذكر نوعًا من السلاح، فهي كثيرة ومتنوعة ودولية منها الفوسفور الأبيض، محمية من قوى عظمى ليس آخرها حق الفيتو، فتنكل بنسائها وأطفالها ودور عبادتها ومشافيها، وهو ليس فلمًا إنما حقيقة،

لكننا نتابع الأخبار كما لو أنها فلم، فليس لنا سوى دور المشاهدين، نسعد أو نتعس، قد يصفق بعضنا لمشهد بطولي، أو ينوح على الضحايا، وهو ما يجعل الفلم مثيرًا ومأساويًا، لكنه كوميدي في الطرف الآخر، تدلل على ذلك مشاهد الجند وهم يفجرون الأحياء ضاحكين، في الأفلام دائمًا ينتصر البطل الوحيد على الأشرار، بخلاف الواقع الذي تتناوب فيه جولات الحق والباطل. يظهر لنا الفلم بطولات الجيش الغاضب، وحيلهِ للفتك بالمحاصرين في المنزل، عزلة المعزولين حيلهم في طبخ الأعشاب، قتلهم بصناديق الإمداد الغذائي من فوق (زعموا أن مظلاتها لم تنفتح)، إلقاء معلبات على شكل قنابل موقوتة، قتلهم بالطائرات المسيرة وبالقنابل الضخمة..

هكذا ترى الشعوب أن غزة وحيدة في المنزل، وترى بعض الحكومات والمؤسسات الإعلامية أن إسرائيل وحيدة في المنزل، وكل فريق يدعي أنه صاحب المنزل الذي يجري عليه الصراع

قرأت اليوم مصادفة لوحة غلاف الإيكونيميست الإنجليزية عنوانها هو: إسرائيل وحدها، يظن القارئ أن العنوان يوحي بعزلتها، أو يحذر من تحولها إلى دولة منبوذة، مكروهة كما قال ديفيد هجرس، لكن الصحيفة تبكيها وتندبها كونها وحيدة في مواجهة العالم الذي انقلب عليها.

وهكذا ترى الشعوب أن غزة وحيدة في المنزل، وترى بعض الحكومات والمؤسسات الإعلامية أن إسرائيل وحيدة في المنزل، وكل فريق يدعي أنه صاحب المنزل الذي يجري عليه الصراع. وللفلم وجهان مأساوي، في الطرف الفلسطيني، وكوميدي في الطرف الإسرائيلي، ووجه الكوميديا في الفلم هي المشاهد الكوميدية التي يؤديها الإسرائيلي لأهله، كأن يلبس لباس الديناصور، أو ينفخ بالبوق في مسجد مدمر، أو يركب دراجة طفل..  والحرب هي أطول حرب خاضها الإسرائيليون إطلاقًا.