أسماء أخرى.. للذل

تاريخ النشر: 30.01.2021 | 00:04 دمشق

نموت كي يحيا الوطن / كيف يموت ميت؟/ وكيف يحيا من اندفن؟..بهذه الكلمات عبر الشاعر أحمد مطر عن إحساس المواطن العربي المسحوق في وطنه الذي يعيش فيه مهاناً ومستباحاً، ويصل للتساؤل عن الوطن الجثة الذي سيبذل من أجله الغالي والنفيس.

ليس الوطن وحده الميت في الصورة التي يرسمها أحمد مطر إنما المواطن لذلك يتساءل (كيف يموت ميت؟)، ودلالات الموت هنا ليست حالة فيزيولوجية محضة إنما عدم القدرة على الظهور بمظهر الكائن الحي، والعجز عن نصرة الوطن المتهالك والمحاصر والمهدد والمقسّم والموزع بين الأطماع.

في سوريا الأسد كان على السوري أن يجدد البيعة للرئيس الجمهوري ثلاثين عاماً باسم الرمز الوطني بينما يلعن الملكية المتوارثة

ولم تكن هذه الصورة مقتصرة على بلد عربي بعينه فكل الطغاة على اختلاف رتبهم وفخاماتهم وحدوا ذل الوطن والمواطن، واختصروا كل هذه المصطلحات الكبرى في حياة الشعوب بشخوصهم الوضيعة فالوطن ليس سوى كرسي طاغية، والوطنية ليست سوى الرضوخ والامتثال لقرارته وحكمته التي تبثها وسائل إعلامه على هيئة منطلقات نظرية تارة أو كتاب أخضر أو أسود.

في سوريا الأسد كان على السوري أن يجدد البيعة للرئيس الجمهوري ثلاثين عاماً باسم الرمز الوطني بينما يلعن الملكية المتوارثة، فالرئيس المفدى يحكم حتى موته بهتافات ومسيرات الجماهير الكادحة التي لا يحمي مكاسبها سواه، وكذلك الفلاحين وصغار الكسبة والطلائع والشبيبة والنساء، وعليهم أن يسبحوا باسمه وباسم حزبه (حزب البعث بعد الله).

 هكذا فقط تكون مكرماً في دولة البعث، وتكون مواطناً صالحاً، وبقية مفردات الحياة تفاصيل صغيرة يمكن احتمال عنائها، والصبر عليها إمعان في الوطنية والإخلاص فيكفي أن تذهب إلى صندوق الانتخابات المكشوف وعين المخابرات تحرسك بل عليك أن تبصم بالدم أمام اللجنة التي سجلت اسمك في سجل المبايعين على سبع سنوات جديدة من امتطاء السيد الرئيس لظهرك وولائك له.

أيضاً الطوابير وانتظار المازوت والخبز ومواد البطاقة الذكية ليست سوى واجبات وطنية للوقوف في وجه الامبريالية والصهيونية والخونة، وحالة صمود تميزت بها هذي البلاد التي تعتبر قلعة للصمود والتصدي، وأن الجوع الناتج عن الصمود ليس ذلاً، والحياة لا تتوقف عند طفل يحلم بالحليب أو سؤال مباغت عن هذه الفاكهة المعروضة بسعر خرافي فتنستنج أنها (الموز)، والذي يمكن إدخاله إلى أرض الوطن الممانع تهريباً عن طريق عناصر سرايا الدفاع الذين يتاجرون بالويسكي والأواني الزجاجية والقهوة وعلب المحارم التي فقدت من مؤسسات البعث الاستهلاكية.

انقطاع الكهرباء وفقدان الغاز والمازوت يجب أن تواجه بالصبر، ولا تعني أبداً حالة ذل ومهانة، ووصول الليرة إلى أرقام قياسية بالانهيار ليست سوى ضريبة الحصار الذي تعانيه الدولة الممانعة

اليوم لا يختلف عن الأمس سوى بالخراب والدمار والغلاء الذي تسببت به القوة الغاشمة لمهربي الأمس، فانقطاع الكهرباء وفقدان الغاز والمازوت يجب أن تواجه بالصبر، ولا تعني أبداً حالة ذل ومهانة، ووصول الليرة إلى أرقام قياسية بالانهيار ليست سوى ضريبة الحصار الذي تعانيه الدولة الممانعة.

في سوريا الغنية بكل ما تحتاجه دولة قوية اخترع الطغاة وفاسدوهم وعبيدهم أسماء أخرى للذل، ومسخوا من يعيش تحت وصايتهم ليصير تابعاً دون همس، ومواطناً يبحث عن أعذار للقتل والجوع والبرد، فالسلطة تقتل لتحمي الوطن، والجوع والبرد ضرائب للصمود، وحتى الطابور يمكن تحويله إلى عرس وطني، والزحام صلاة.

لذلك على الباحثين عن نجاة لسوريا وللسوريين أن يعيدوا تعريف مفاهيم راسخة في عقول هؤلاء، وسوريا الجديدة التي يمكن أن تكون حلماً لأبنائها عليها أن تبدأ من هنا حيث لا ميت قادر على تحرير وطن مدفون بالذل.

ثم يسأل أحمد مطر سؤال أي سوري اليوم عن الوطن: (نموت كي يحيا الوطن/ يحيا لمن؟ /لابن زنى / يهتكه.. ثم يقاضيه الثمن ؟!).