icon
التغطية الحية

أدب السجون وقصائد الزنازين.. توثيق لحظات الرعب والأمل

2022.03.14 | 07:25 دمشق

sjwn_znazyn.jpg
أحمد عبد الحميد
+A
حجم الخط
-A

تعد المنطقة العربية الأغزر كمًّا في تصدّر كتابات أدب السجون، خاصةً مع اشتداد القبضة الأمنية للأنظمة السلطوية الاستبدادية على رقاب الشعوب.

 ومع امتلاء الزنازين العربية عبر العقود الماضية وحتى هذه اللحظة _التي تشهد طفرة استبدادية لا مثيل لها_ ما تزال الأعمال الأدبية والوثائق التي تعكس تجربة السجن ماثلةً وحاضرةً في المكتبات العربية ومعارض الكتب، بل بات لها قسمٌ خاص ما بين كتب وروايات ومذكرات.

"قوقعة" خليفة التدمرية

في سوريا كانت "القوقعة: يوميات متلصص" الصادرة عن دار الآداب ببيروت 2008، الروايةَ الأشهر لمصطفى خليفة، وقد ذاع صيتها بشكل مختلف بداية اندلاع الثورة السورية، إذ تدور أحداثها حول شابٍ درس السينما في فرنسا، اعتقل عندما قرر العودة إلى وطنه، الاعتقال الذي كلفه ثلاثة عشر عامًا في سجن تدمر الصحراوي، والتابع لسرايا الدفاع الخاضعة لقيادة رفعت الأسد الأخ الشقيق للرئيس الأب، أما عن التهمة فهي العمل مع جماعة إسلامية (الإخوان المسلمين) برغم كون الشاب مسيحيًّا، ويروي خليفة فظائع السجن الصحراوي التي لم تكن قاسية بقدر العزلة التي أحاطت به بعد معرفة زملائه أنه مسيحيٌّ، فتعرض للنبذ معتقدين أنه جاسوس للنظام، وعلى هذا المضض لاحقه النبذ والهجر من محيطه حتى بعد خروجه من السجن، بسبب الخوف من الملاحقة الأمنية.

ويمكن القول إن القوقعة من أعنف التوصيفات لمشاهد الموت الممنهج في سجن تدمر، وواحدة من أهم المؤلفات عن أدب السجون، خاصة أن دراسة خليفة للإخراج ساعدته في تصوير الأحداث بتقنية عالية ما جعلها تترك أثراً عميقاً في نفس القارئ.

"لا أتخيل نفسي بعد تسع سنوات من السجن والعذاب والأمراض الجسدية والنفسية، تأتي لحظة الحرية، فأشعر بالضياع،  لا أدري أين أذهب وأهلي جميعهم قتلوا إلا ثلاثة من إخوتي هاربين من جحيم الوطن، وعائلة نصفها يعملون لصالح مخابرات النظام!

إنه الألم في أقسى صورة".

"خمس دقائق وحسب" ذاكرة روائية مؤلمة

 لم تكن "هبة الدباغ" صاحبة رواية "خمس دقائق وحسب: تسع سنوات في سجون سورية" أفضل حالا فهي التي اعتقلت لأن أخاها متهم بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولعل العنوان يحكي صفحات الرواية ليلة القبض عليها عندما طلب منها رئيس المخابرات الحضور معه لتحقيق مدته خمس دقائق وحسب، فعادت إلى بيتها بعد تسع سنوات، وخرجت من السجن لتجد عائلاتها مقتولة في حماة.

البلاء الشديد والميلاد الجديد

"لا أرى عذاب غوانتانامو كهفًا مظلمًا مليئًا بالأشباح كي أنساه، بل إشراقةَ أمل ولدت من بين الدموع، إني أستلهم من كل زفرة ألم وأنين توجع، شعلة تضيء لي الطريق. يجب ألا أنسى غوانتانامو الذي علمني أن هناك بصيصَ أمل في آخر النفق الحالك، وأن آلام الجراح -وإن زادت- لا بد من يوم تشفى فيه، وأيام الأسر وإن طالت فلا بد من يوم تخرج فيه، وأن هناك مفتاح فرج بين الركام، والحياة لا قيمة لها بدون الإيمان بالله".

على الطرف الآخر من هذا العالم، كانت 5044 يوماً التي لخّصها المعتقل الكويتي "فايز الكندري" في غوانتانامو، شاهدةً على قصص ويوميات آلاف السجناء الإسلاميين الذين اعتقلتهم القوات الأميركية في أفغانستان، لخّص تلك الأحداث بعد سنوات من خروجه من المعتقل، مسترجعاً  الـ14 عاماً من رحلته المأساوية حتى الإفراج عنه، وذلك عبر كتاب بعنوان "البلاء الشديد والميلاد الجديد".

الكتاب صدر عن دار جسور للترجمة والنشر في تركيا، وجاء في 512 صفحة، قريبًا من رقمه في معتقل غوانتانامو 552.

يحكي فيه الكندري رحلة حياته بداية من طفولته مرورًا بأحداث الغزو العراقي عام 1990، وما شاهده من وقائع، ثم يحكي قصة رحلته إلى أفغانستان التي كانت هدف التبرع لبناء مسجد وبئر ماء في قريةٍ نصحه أحدهم بالتوجه إليها، إلا أن ذلك تزامن مع اشتداد القصف الأميركي على العاصمة كابل والقرى المجاورة للضغط على طالبان، فهرب مع جملة الأهالي إلى جبال تورا بورا، للاحتماء بها إلى أن ألقي القبض عليه.

ثم يوثق الكندري رحلة تنقّله بين معتقلات عدة (سجن جلال آباد وسجن الاستخبارات في كابل ومعتقل بغرام ومعتقل قندهار، انتهاءً بمعتقل غوانتانامو) الذي وصل إليه في مايو/أيار 2002.

الجدران وأدب الزنازين

بالعودة قليلاً إلى الوراء نجد كتابات السجون قد رسّخها معتقلون في زنازينهم، بعبارات توثيقية تارة وأبيات شعرية تارة أخرى، عبّرت بفترة ما عمّا يختلج في نفس المعتقل من آلام تعصف به، ففي سجن جزيرة أرواد مقابل طرطوس السورية أواسط عشرينيات القرن المنصرم، تجرّع المناضل السياسي القومي، "نجيب الريس" (صاحب القبس) مرارة التعذيب والنفي، وذلك مطلع الحركة الوطنية بعد احتلال الفرنسيين، وهناك تفجّرت قصيدته الرائعة التي أصبحت رمزًا لكل المظلومين: "ياظلام السجن خيّم" والتي اعتبرت أيقونة ونشيداً تصدح به حناجر الشباب في أثناء تظاهراتهم ضد الاحتلال، ولا تقل أهمية وقيمة عن قصيدة أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"

يا ظلام السجن خيّم نحن لا نخشى الظلاما

ليس بعد السجن إلا فجر مجد يتسامى

أيها الحراس رفقاً واسمعوا منا الكلاما

متعونا بهواء منعه كان حراما

***

يا رنين القيد زدني نغمة تشجي فؤادي

إن في صوتك معنى للأسى والاضطهاد

وليس حال الفلسطيني "عوض النابلسي" بأفضل حالا من الريس، عندما وثّق بنعل حذائه على جدران زنزانته ليلة إعدامه في سجن عكا، عام 1936، قصيدته الشهيرة: "ظنيت إلنا ملوك تمشي وراها رجال".

ويعد عوض النابلسي من الشعراء الشعبيين، ومن جماعة الفدائيين المكلفين بقتل الضباط الإنجليز أو المتعاونين مع اليهود، فأعدم بعكا ووجدوا القصيدة مكتوبة على جدران السجن والناس أخذوها من السجناء الذين خرجوا من السجن وكتبوها لتخلّد تلك القصيدة.

والبعض يقول إن الشاعر نوح إبراهيم أنشد القصيدة تكريمًا لذكرى زميله عوض.

باع عوض مصاغ زوجته، واشترى بثمنه سلاحاً، وعندما ازدادت وتيرة المهاجرين من اليهود إلى فلسطين بتواطؤ من سلطات الانتداب البريطاني، زاد تمسكه بالدفاع عن فلسطين.

وفي ليلته الأخيرة قبل إعدامه كتب عوض على جدران زنزانته أبياته الأخيرة:

يا ليل خلّي الأسير تـ يكمل نواحو

رايح يفيق الفجر ويرفـرف جناحو

يتمرجح المشنوق من هبة رياحو

وعيون في الزنازين بالسر ماباحوا

***

يا ليل وقّــف أفضّي كــل حسراتي

يمكن نسيت مين أنا ونسيت آهاتي

يا حيف كيف انقضت بإيدك ساعاتي

شمل الحبايب ضاع واتكسروا قداحو

***

تظن دمعي خوف دمعي عـ أوطاني

عــ كمشة زغاليل بالبيت جوعاني

مين رح يطعمها من بعدي

وإخواني اثنين قبلي عـ المشنقة راحوا

***

ظنيت النا ملوك تمشي وراها رجال

يخسا الملوك إن كانوا هيك أنذال

والله تيجانهم ما بيصلحوا لنا نعال

إحنا اللي نحمي الوطن ونضمد جراحو