أحداث سجن الصناعة بالحسكة والانهيار المجتمعي

تاريخ النشر: 24.01.2022 | 04:45 دمشق

يستوعب تنظيم الدولة كل الأجناس من كل مكان ضمن حلبة العنف الذي يسعى لإعادة دوران عجلته، مع بقاء ذهنيته ضمن شرائح مجتمعية ظنت الغالبية أنها تعافت منه وبدأت بالبحث عن التنمية والعمل. مؤججاً عنفاً ليجتاح مجتمع محافظة الحسكة مجدداً؛ ليصبح العنف هو سيد المواقف، والغريب في الأمر أن يعود البعض من مجتمع الجزيرة السورية صوب استخدام مصطلحات غريبة عن بيئة السلم الأهلي، فمنذ ليلة الخميس 20/1/2021 ومع عملية الاقتحام والاستعصاء في "سجن الصناعة" تشهد وسائل التواصل الاجتماعي كثافة في مصطلحات التشفي والعنف على اختلاف المسميات والدرجات والأشكال، بالمقابل فإن تتالي نسق سيطرة داعش على السجن، وقتله واعتقاله لمجموعة من عناصر قسد المحتجزين، وسقوط مدنيين آخرين في المعركة، كُرداً وعرباً، كان الأجدى أن يُشكل تقارباً لأطياف المجتمع، بعد سلسلة خلافات وضغائن مجتمعية لأسباب سياسية متبعة خاصة في ملفات الخدمات، وحيوات الناس، والجّو المعيشي العام؛ انطلاقا من إدراك عميق أن سيطرة العنف والإرهاب هي انتصار الهامشِ على المتّن، وانتصار العنف هو توحيد مضمون الخلاف المجتمعي مع الشكل الجديد المُراد فرضه عبر الإرهاب، لنكون سويةً أمام تمزيق مجتمعي جديد.

واقعية المشهد السياسي هي التي يجب أن تنتصر، ووحدة المصير والمستقبل لا تتم عبر خطابات خداع الفقراء

وضمن السياق نفسه، ماذا تريد السلطة الحاكمة أكثر من ذلك لتدرك أن سياسات الدمج المتبعة غير ناجحة، وعليها أن تعي جيداً أن ما قبل مشهد سجن الحسكة وما بعده يجب ألا يكون واحداً، بل على الكُل أن يدرك أن عهد الأفلام الخيالية والإلقائية قد ولَّى، وأن واقعية المشهد السياسي هي التي يجب أن تنتصر، ووحدة المصير والمستقبل لا تتم عبر خطابات خداع الفقراء. ويقول المنطق التحليلي السليم عن وجود توافق وتواصل بين داخل الزنازين وخارجه عبر وسطاء، وهذه توجد في كل سجون العالم، عنصر أو موظف أو حتّى مستخدم يمكنه أن يفعل الكثير، لكن الفعل الأكثر إدانة، هو طبيعة هذا الفعل وحجم الاستهتار بما يمكن أن تفعله عناصر دخيلة على السلم الأهلي والسلام المستدام. فمنطقتنا تعيش أحاديات عجيبة وغريبة، أحادية الانتماء لداعش، أحادية السلطة الحاكمة، أحادية الإلغاء، أحادية الفعل العنفي، وأحادية الاكتفاء بالمشاهدة، وأحادية اللاقبول بأيّ طرح لا يتناسب والسياسات الرسمية القائمة، أحادية الواقع الشمولي، في حين أن الضوء الأحادي/الوحيد الأفضل هو لتوحيد الجهد وخلق متاريس قوية في وجه من يسعى لإلغاء الآخر، فإذا كانت جموع العنفيين تتفق على الشّر، لماذا لا يتفق الأخيار فيما بينهم؟

 مرة أخرى ما حصل سابقاً وحالياً وربما لاحقاً هي الرسالة التي يتوجب على /قسد-مسد- ب ي د- الإدارة الذاتية/ تلقفها جيداً، لا يستوي النفعيون والانتمائيون بزجهم في خندقٍ واحد، لذا الواجب فعله أربعة أفعال، إحداها، إعادة ترتيب الأمور الداخلية الكردية، والأخرى عدّم إهمال المخاوف من وصول مدّ العنف والإرهاب مجدداً إلى جبال وحواضن شنكال والكرد الإيزيديين، وثالثتها: البحث في الخرق الأمني والتحقق من الهويّات المخترقة جيداً، والأخيرة تختص بالنخب السورية، وعلى وجه الدقة النُخب العربية في محافظة الحسكة والبحث عن السؤال الإشكالي التاريخي، ولعله سؤال المفارقة المجتمعية: لماذا يستمر بعض الشباب المراهقين والبالغين من المجتمع العربي بالانزلاق صوب فكر داعش، ولماذا لا تقم تلك النخب على فعلٍ من شأنه وضع حد لهذه المقتلة العامة لنّا كلنّا؟ وهو ما يجب أن يتحول إلى محط اهتمام عام، وما يستوجبه فعل البحث في مسار سلوكيات مجتمعنا لبناء نظام سياسي اقتصادي وازن وجديد، ووفقاً للمنطق السليم فإن غير المنتمين للعنف سواء عبر الانتظام أو عبّر الفكرة، هم "المرتاحون" سياسياً واقتصادياً وتربوياً؛ فالواعظ النفسي هو المحرك والمحرض للمجتمعات سواء سلباً أو إيجاباً.

في الوقت الحالي وأولاً لا بديل من إعادة الأمور إلى ما قبل 20/1/2021، فيما يتعلق ببسط السيطرة وموازين القوة، كل شيء سينهار أمام فوضى العنف وما سيخلفه من تدخلات خارجية منظمة بهدف إركاع المنطقة ومكوناتها المؤمنة بالسلم والديمقراطية والعدالة. وإذا كان الوضع العام في محافظة الحسكة لم يتحرك على مؤشر التقدم المجتمعي بل كان يتجه صوب الانحدار الشديد للهاويّة، فإن سيطرة داعش عل المدينة وإن كان مستبعداً، كنتيجة لفائض القوة واختلال موازينها لصالح قسد، فإن أربع قضايا شديدة الخطورة ستتبلور من استمرار الفوضى والسيطرة:

  1. تغلغل الفارين من سجن الصناعة ضمن الحواضن المدنية، سيعني تدميراً جزئياً أو أكثر للبنى التحتية لتلك الأحياء، وسحق حيواتهم وهو مصير خطير جداً أمام جائحتي الفقر وكوفيد 19 القويتين في المنطقة.
  2. عودة شرائح مجتمعية صوب أشرس وأسوأ مرحلة عرفتها البشرية في العهد الحديث.
  3. عودة المجتمع للخصام والجدال والحرب بين بعضهم البعض.
  4. إمكانية تمدد الإرهاب صوب جبال شنكال وهو ما يعني ربط خطوط العنف ضد خطوط الجغرافية الكردية مجدداً.

 رهناً على ذلك فإن مرحلة ما بعد القضاء على التمرد يتوجب أن تبدأ من قاعدة ثابتة أن التطور والتغيير يتطلب ويشترط نفياً للقاعدة التي بدأ منها "العنف-الفساد" وهما أسّ تفكيك المجتمع، لذلك نجد أن كتّلاً صلبة تعتاش عليها وتستشرس في الدفاع عنها وتالياً وصلنا لمرحلة سجن الصناعة.

لنتفق من جديد أن آلاماً عصيبة حادة تعصف بنا جميعاً وثمة أفعال تؤدي إلى الاغتراب المتعاظم والمنتظم لشرائح مجتمعية عن مجتمعاتها خاصة من جانب الشباب، وهي عناصر الخطر البارزة على مصير محافظة الحسكة بل عموم سوريا، فتاريخ العقد الكامل من الأزمة السورية هو تاريخ وطن فقد وجهته وانزلق من مطلب الحرية والتعددية السياسية صوب عدم الاستقرار وتغول الأزمة وانهارت ركائز الدولة السورية، وليست منطقتنا بعيدة عن ذلك الانهيار وبل إن المدّن الكردية تعيش أزمة مركبة إلى جانب دير الزور والرقة والبادية وتدمر حيث داعش الذي سعى أو نجح في التغول، وتالياً بقي السؤال المحير لماذا يتوجب علينا العيش تحت خط الفقر، والحرمان، والخوف ثم العنف الدائم، ويبدو أن الظروف كانت مهيئة سابقا لجر المجتمع العربي والكردي البعيد عن صراع الهويّات الإثنية، صوب مستنقع داعش ولم يتم تجفيف منابعه أو حتّى إزالة الغبن والحيف الواقع عليهم والاغتراب الأكثر غرابة، آن يقوم من عايش مرارة العنف بالتحريض للعودة إليه مجداً.

لماذا يحتجز أخطر مقاتلي العصر الحديث في سجون ضمن حي سكني؟ في حين عوائلهم والنازحون العراقيون يقيمون في مخيمات خارج المدن المأهولة، وكل ذلك بإشراف التحالف الدولي!

مشهد الملثمين المتحدثين في مقاطع الفيديو المنشورة عبر معرفات داعش تشي لشيء واحد فقط، هؤلاء إما من وسط معروف في الإدارة الذاتية أو من الوسط الأهلي حول السجن، أو ممن سهلوا عملية الدخول للسجن، وفي كل الأحوال هم يمثلون أنفسهم فقط، لكن لا شفاعة لمن يحرض على العف، كما أن دعوة بعض وجهاء العشائر العربية لعدم الانسجام أو الانخراط معهم مؤشر على حدثين مهمين أولهما: يقظة عشائرية لمخاطر معاودة الانزلاق صوب التنظيم، والثانية: إدراك عشائري وازن لحجم الاستعداد للانزلاق. لا مجال للفصل بين الأوضاع المزرية التي تعيشها المنطقة، وتنمية العقل العنفي لدى شرائح عديدة، يضاف إليها النسق التاريخي-الثقافي-السياسي ودورها في منشأ العنف، واختراقها للمخيال الشعبي وتهييجها للشعور النفسي بالنقص والحاجة لفعل أي شيءٍ يمكن أن يعوض هذا النقص داخل القواعد الاجتماعية، خاصة وأن وجود كثافة للفقراء هو جانب من جوانب اللامساواة الاجتماعية –الاقتصادية المتنامية في المنطقة.

لزاما المطلوب وفورا هو إيجاد حل لأخطر سجون العالم فبقاؤها هو بقاء جذر الخلاف العقائدي والنفسي والعنفي وبقاؤها هو بقاء الرغبة في ممارسة العنف والإرهاب، وما يُصرف على تلك السجون والمعتقلات والمخيمات الخاصة بهم من أموال وإغاثة، فإن القواعد الاجتماعية والتنمية أولى بها، ويبقى سؤال الدهشة والحيرة: لماذا يحتجز أخطر مقاتلي العصر الحديث في سجون ضمن حي سكني؟ في حين عوائلهم والنازحون العراقيون يقيمون في مخيمات خارج المدن المأهولة، وكل ذلك بإشراف التحالف الدولي!

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار