أثر التراكم في معادلات التغيير

أثر التراكم في معادلات التغيير

أثر التراكم في معادلات التغيير

تاريخ النشر: 22.02.2021 | 00:03 دمشق

كمثال يمكن للمرء أن يبدأ به مقالته بشكل مثير، نضرب حادثة مقتل المدرّس الفرنسي صموئيل باتي في مدينة كونفلان سانت أونورين في 16 تشرين الثاني 2020 على يد شاب مهاجر شيشاني، وما حازته من اهتمام وعناية ونقاش علني وآثار كبيرة على المجتمع الفرنسي بأسره، وحادثة الهجوم على المسجدين في مدينة كرايس تشيرش النيوزيلاندية في 5 آذار 2019، وما لقيته من ردود أفعال كثيرة على مستوى نيوزيلندا والعالم، لنقارنهما بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المستمرّة في سوريا منذ عشرة أعوام، دون أثر يُذكر في ضمير الجماعة البشرية مما ينعكس فعلاً وعملاً لإنهاء المجزرة.

هدف المقارنة ليس التقليل من قيمة حياة الفرد أياً كان، فهذه قيمة مطلقة تزداد يوماً بعد يوم رسوخاً وثباتاً في ضمير الجماعة الإنسانية. المقصد من تلك المقارنة بالضبط، هو التركيز على التلاعب السياسي بهذه القيم المطلقة، برفع بعضها فوق البعض الآخر، لتحقيق مكاسب ضيّقة إذا ما قورنت باتساع أفق الإنسانية.

التراكم هو ازدياد الأعداد أو الأرقام من الأشياء أو الظواهر ذات الجنس المتماثل أو المتشابه

لم يكن الكمّ على الدوام عاملاً حاسماً في تقييم الأشياء، ولم تكن الكثرة باستمرار من نقاط القوّة المعتبرة في حسابات موازين القوى، فالزعفرانُ يوزن بالغرامات ويُباع بأثمان باهظة إذا ما قورن بخشب الحور، رغم أنّ المصدر نباتي لكلتا المادتين. كذلك ما ارتكبته حكومة الحزب الشيوعي في الصينُ بأقلية الإيغور المسلمة رغم أنّ تعدادهم يزيد على أحد عشر مليوناً، حين احتجزت مليوناً منهم في معسكرات إعادة التأهيل، لم يُقابل بردود أفعال المسلمين الملائمة لحجم المأساة، إذا ما قورن بمواقفهم وتصرفاتهم ردّاً على الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، رغم أنّ الرسول ذاته كان قد اعتبر أنّ إراقة قطرة دم واحدة لمسلم أفدح خطراً من هدم الكعبة.

التراكم هو ازدياد الأعداد أو الأرقام من الأشياء أو الظواهر ذات الجنس المتماثل أو المتشابه، فعملية تكديس المال مثلاً لا تؤدي إلى تغيير جوهري في موقع صاحب هذا المال، لكن مع توسيع هذا الإطار من نطاق الأفراد إلى نطاق الجماعات قد يختلف الأمر. ففي المثال السابق قد يؤدي تراكم رأس المال إلى إنشاء شركات أو مصارف يكون لها دور في تغيير اقتصاد بلد بكامله أو نظام اقتصادي على مستوى العالم، كما حصل مع شركة الهند الشرقية التي تحولت مع الزمن إلى حاكم فعلي للمستعمرات البريطانية. وقد يحصل انتقالٌ أو تغيير سياسي في دولة ما أثر ازدياد التحركات الشعبية، فخروج فرد أو عشرة أو مئة في مظاهرة ضدّ حكومة استبدادية قد لا يؤثر عليها، لكن لو صار العدد بمئات الآلاف أو الملايين واستمر لعدة أيام وفي عدّة مناطق من بلد ما لرأينا التغيير كيف يمكن أن يحصل، والأمثلة عديدة لدينا من رومانيا وبولونيا إلى تونس ومصر، وهذا هو الكيف الجديد الذي يمكن أن ينتج عن تراكم الكم.

لو أخذنا إشكالية المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين، أو مسألة المساواة المتوافقة مع منظور النوع الاجتماعي (الجندر) من منظور الكم والكيف، لرأينا أنّ الأوضاع القانونية للنساء مختلّة بشكل كبير مقارنة مع أوضاع الرجال في أغلب المجتمعات البشرية، وهي لم تأخذ بالتحسّن إلا ببطء شديد وفي بعض الدول المتقدمة ومنذ بضعة عقود لا غير، وكل ذلك رغم التساوي العددي تقريباً بين النساء والرجال في المجتمعات البشرية المختلفة. لم يستطع الكم هنا أن يحوّل تراكمه عبر العقود والقرون إلى كيف جديد، ومن أهمّ أسباب ذلك عدم إدراك المجتمعات البشرية – إلا مؤخراً – ضرورة السير قُدماً نحو تفعيل هذه المساواة، ليس فقط بنصوص الدساتير وفي التشريعات القانونية المختلفة، لكن وأيضاً في الواقع وعلى مستوى التطبيق الفعلي في الحياة اليومية للبشر.

ورغم أنّ النساء يدفعن أثماناً باهظة في الحروب وأوقات الأزمات والصراعات الأهلية والثورات، إلا أنهنّ يُستبعدن على العموم من المشاركة في التسوية السياسية بعد الصراع.

"في مشروع بحثي تم بخمس دول شهدت صراعات، هي بروندي، غواتيمالا، كوسفو، سيراليون والسودان. تم البحث في ثلاث إشكاليات أساسية:

  1. كيف يؤثر بناء الدولة في حقوق النساء؟
  2. ما هو الدور الذي تلعبه النساء في بناء الدولة؟
  3. كيف تؤثر عملية بناء الدولة على المشاركة السياسية للمرأة؟

أشارت النتيجة إلى أنه تم استثناء النساء بشكل كبير من المفاوضات المتعلقة بالتسوية السياسية بعد الصراع في بروندي وسيراليون وكوسوفو والسودان. فقد هُمّشت المرأة في التسويات السياسية حتى في سياق لعبت فيه المرأة دوراً أساسياً مهماً مثل أنشطة السلام في سيراليون، أو من خلال القوى الثورية في جنوب السودان. وقد اعتُبرت كوسوفو مثالاً على الفرصة الضائعة، حيث تم استثناء النساء من المفاوضات في المقترح الشامل لتسوية وضع كوسوفو. وهذا لم يعنِ بأنه تمّ تأسيس إطار دولة كوسوفو بدون مشاركة النساء فحسب، بل وخلق هوّة ثقة عميقة لدى مؤسسات المجتمع المدني النسوية بالمجتمع الدولي."[1]

يلعب التراكم دوراً كبيراً في تعزيز واقع غير صحي، لأنه لا يبقى على حاله الكمّي، بل يتحوّل إلى كيفٍ مستمرٍّ في أداء دوره في المجتمع، وهو دور سلبيٌّ معطّل لنمو المجتمع البشري

يؤثر هذا كله ليس فقط على حقوق شريحة اجتماعية تشكّل في الواقع نصف المجتمع البشري فقط، بل ينعكس على المجتمع بعمومه، فالنساء مهضومات الحقوق هنّ بطبيعة الحال بناتٌ وأخواتٌ وزوجاتٌ وأمّهاتْ، وهذا يعني أنّ ما يصيبهنّ من ضيم يصيب من يتعامل معهنّ أو من يقمن على رعايته وتنشئته من ذكور وإناث أيضاً، وعندما يكون المربي أو المعلم مغبوناً سيكون نتاج عمله بالضرورة غير متوازنٍ ولا إيجابي. هنا يلعب التراكم دوراً كبيراً في تعزيز واقع غير صحي، لأنه لا يبقى على حاله الكمّي، بل يتحوّل إلى كيفٍ مستمرٍّ في أداء دوره في المجتمع، وهو دور سلبيٌّ معطّل لنمو المجتمع البشري.

 

[1] الدليل إلى دستور متوافق مع منظور النوع الاجتماعي (الجندر) – سيلفيا سوتي وإبراهيم درّاجي – ص 36 – منشورات المبادرة النسوية الأورومتوسطية

مقالات مقترحة
بسبب كورونا.. ملك الأردن يقبل استقالة وزيري الداخلية والعدل
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين