من حسم الانتخابات التركية.. الإيديولوجيا أم الاقتصاد؟

2023.06.02 | 16:51 دمشق

من حسم الانتخابات التركية الإيديولوجية أم الاقتصاد؟
+A
حجم الخط
-A

انتهت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية بفوز جديد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمنصب رئيس الجمهورية، في حين حقق تحالف الجمهور الحاكم الداعم لأردوغان أغلبية في البرلمان التركي بواقع 323 مقعداً من أصل 600، وأما تحالف الأمة المعارض فقد مُني بخسارة جديدة وحصل على 212 مقعداً فقط، بينما حصل حزب اليسار الأخضر (حزب الشعوب الديمقراطية) سابقاً على 61 مقعداً و4 مقاعد لحزب العمال.

وفي ظل هذه النتائج خرجت العديد من التحليلات التي ترى أن التوجهات الإيديولوجية للناخب التركي كانت صاحبة الكلمة الفصل في ترجيح كفة الفائز في الانتخابات، بينما لم يكن للأزمة الاقتصادية التي عصفت بتركيا خلال السنوات القليلة الماضية، والتي ترافقت بتسجيل أرقام تضخم كبيرة جداً، أثر كبير على المزاج الانتخابي.

ربما يبدو هذا الكلام دقيقاً للوهلة الأولى، فالكتلة المحافظة المؤيدة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان حافظت على تماسكها، وشكلت كتلة تصويتية صلبة خاصة في مدن الأناضول وسواحل البحر الأسود، ولم تتأثر بمحاولات المعارضة التركية بإحداث خرق حقيقي لصالحها، من خلال التركيز على الجانب الاقتصادي، حيث رمى مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بكل ثقله في هذا الجانب من خلال الفيديوهات التي نشرها وركز من خلالها على التضخم في الأسعار وخاصة أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، كما نشط أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول التابع لحزب الشعب الجمهوري المعارض في الأسواق الشعبية (البازارت) للتأكيد على أن سياسة الحكومة الاقتصادية هي السبب في ارتفاع الأسعار.

نتائج الانتخابات التركية كانت صادمة لكثير من المراقبين، خاصة فيما يخص التأثير المباشر للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وذلك أسوة بكل البلدان التي تشهد انتخابات ديمقراطية

كذلك الأمر لم تتأثر أيضاً الكتلة الانتخابية المؤيدة للمعارضة التركية بالخطاب الذي قدمته الحكومة التركية والرئيس رجب طيب أروغان، حول اكتشافات النفط والغاز ورفع الحد الأدنى للأجور، وغيرها من الوعود بتحسين الوضع الاقتصادي، وصوتت هذه الكتل والتي تتركز في المدن الكبرى وسواحل البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة، لصالح التحالف المعارض ومرشحهم كمال كليتشدار أوغلو.

نتائج الانتخابات التركية كانت صادمة لكثير من المراقبين، خاصة ما يخص التأثير المباشر للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وذلك أسوة بكل البلدان التي تشهد انتخابات ديمقراطية حيث دائما ما يكون العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي في حسم نتائج الانتخابات، وخير مثال على ذلك عبارة مستشار الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون للشؤون الاقتصادي جيمس كارفيل في حملته الانتخابية الأولى ضد الرئيس السابق جورج بوش الأب، والتي تحولت إلى شعار مركزي لحملة كلينتون، ومفتاح الفوز في الانتخابات. العبارة-الشعار كانت: "إنه الاقتصاد أيها الغبي".

لكن هل حقيقة لم يكن للاقتصاد أي تأثير على الانتخابات؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب البحث أكثر في الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية للكتلتين الانتخابيتين الأساسيتين (المحافظة والكمالية العلمانية) وخاصة منذ تشكيل الجمهورية التركية وصولاً إلى المرحلة الحالية.

من يدرس أكثر طبيعة هاتين الكتلتين سيجد أن العامل الاقتصادي عامل مؤثر وحاسم في تشكيلهما أولاً، وفي طبيعة تطورهما وتبلورهما ككتلتين متنافستين، بطريقة لا تقل عن تأثير العامل الإيديولوجي، فالكتلة الأولى تتمركز كما ذكرنا في مناطق الأناضول والبحر الأسود ذات الطبيعة الريفية، والتي عانت طوال فترة ما قبل صعود حزب العدالة والتنمية من تهميش اقتصادي وضعف في المشاريع التنموية، عكس الكتلة الثانية التي كانت تمسك بزمام الاقتصاد التركي وهو ما نجده بشكل جلي في مناطق تمركزها حيث تنتشر في المراكز الحضرية والمراكز التجارية لأهم المدن التركية، وعلى السواحل التي تعتبر مراكز تجارية وسياحية مهمة وخاصة سواحل البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة.

هذا التباين بين الكتلتين كان له تعبير اقتصادي تمثل بمجموعتين اقتصاديتين الأولى كانت التوسياد التي تشكلت عام 1971 وضمت أغنى وأثرى العائلات التركية، وذلك بهدف التصدي لصعود التيار المحافظ الذي قد يهدد قوتها ونفوذها السياسي، ودعمت التيارات العلمانية للوقوف بوجه نشوء أي تيار محافظ، بالمقابل ارتكز صعود التيار المحافظ منذ حكومة حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان وصولاً إلى حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان على جمعية الموصياد والتي تشكلت من رجال الأعمال والصناعيين المحافظين والذي ينحدر معظمهم من المدن الداخلية.

الطبقة الاقتصادية المحافظة التي نمت وعززت مكاسبها خلال فترة صعود حزب العدالة والتنمية ستبقى وفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولن تراهن على خسارة هذه المكاسب أمام الوعود الانتخابية التي قدمتها المعارضة التركية

وتعرضت الموصياد التي دعمت حكومة نجم الدين أربكان في التسعينيات من القرن الماضي للتنكيل من قبل القضاء الذي يسيطر عليه التيار العلماني وحملات إعلامية شرسة من الإعلام التابع للتوسياد، لكن مع وصول حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان إلى الحكم دعمت الموصياد هذه الحكومة كونها تتماشى مع سياستها عكس التوسياد التي وقفت ضد السياسة الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة.

ووفق هذا التصور فإنه لا يمكن إغفال التأثير الواضح للعامل الاقتصادي في نتائج الانتخابات حتى لو بدت ظاهرياً ذات بعد إيديولوجي، فالطبقة الاقتصادية المحافظة التي نمت وعززت مكاسبها خلال فترة صعود حزب العدالة والتنمية ستبقى وفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولن تراهن على خسارة هذه المكاسب أمام الوعود الانتخابية التي قدمتها المعارضة التركية، كما أن التنمية التي شهدتها هذه المناطق خلال مدة قياسية، بعد عقود طويلة من الإهمال على حساب المناطق المحسوبة على التيار العلماني الكمالي، ستبقى عامل حاسم في بقائها ككتلة انتخابية صلبة ووفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ختاماً لا بد من التنويه إلى أن تشكل أي كتلة سياسية هو نتاج مجموعة من العوامل لا يمكن فصلها بعضها عن بعض، وغالباً ما تكون هذه العوامل متداخلة ومتشابكة بشكل كبير، فالكتل السياسية الرئيسية في تركيا هي نتاج عوامل إيديولوجية واقتصادية وثقافية وجغرافية وتاريخية في الوقت نفسه، ولرسم تصور واضحة لهذه الكتل واستشراق مستقبلها لا بد من النظر إلى كامل الصورة بكامل تفاصيلها وتداخلاتها.